طالما إهتم النقاد والسياسيون من كلا قطبي السياسة الإسرائيلية، بعدد اليهود والعرب بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط.

ولكن مع إبتعاد فكرة تطبيع العلاقات مع الفلسطينيين بالنسبة لمعظم الإسرائيليين، بسبب العنف المتزايد في الشرق الأوسط، وتشقق الجسم السياسي الفلسطيني. فان “المسألة الديمغرافية” – كما يسمونها عادة – تصبح مركزية، وتصبح مسألة تُحول النقاش السياسي في إسرائيل من إمكانية السلام الإقليمي إلى تهديد لديمقراطية إسرائيل.

في اليسار، فكرة “الشرق الأوسط الجديد” المتفائلة (عنوان كتاب الرئيس السابق وقائد حزب العمل شمعون بيريس من عام 1995)، تُستبدل بالطموح المتواضع أكثر “لإتفاق”. معظم اليساريون الإسرائيليون توقفوا عن الحلم بزواج سعيد مع الفلسطينيين، وبدأوا يأملون بطلاق مسالم بأحسن الحالات.

خلال خطاب عرض فيه تحالفه مع حزب هاتنوعا وتسيبي ليفني، ترك رئيس حزب العمل يتسحاك هرتسوغ موضوع “السلام” الشائك، وإستبدله بوعد “الأمن بدلا عن الخوف”.

حتى في اليمين الأيدولوجي، يعترف القادة المركزيين أنه من المستحيل لإسرائيل الحفاظ على تعريفها كيهودية وديمقراطية بنفس الوقت في حال دولة واحدة من النهر للبحر، عند ثبوت أقلية اليهود وأكثرية العرب. ولهذا تنص “خطة الضم الجزئي” لرئيس حزب البيت اليهودي نفتالي بينيت الحكم الذاتي للفلسطينيين في وحول مدن الضفة الغربية (المعروفة بمناطق “أ” و “ب” تحت إتفاقية أوسلو)، وخطة الضم الكامل لنائبة وزير المواصلات والعلوم تسيبي حطبلي مشروطة على هجرة 2 مليون يهودي إلى إسرائيل خلال عقد.

الاخصائي المختص ارنون سوفر من جامعة حيفا 9 ديسمبر 2007 (فلاش 90)

الاخصائي المختص ارنون سوفر من جامعة حيفا 9 ديسمبر 2007 (فلاش 90)

إذا النقاش بين اليمين واليسار يدور بالأساس حول الأعداد، وحول تحديد خطورة “التهديد الديمغرافي”. معطيات جديدة نشرها المكتب المركزي الفلسطيني للإحصائيات في الأسبوع الماضي تدعي أن اليهود سوف يصبحون أقلية في أرض إسرائيل حتى أواخر عام 2006 – والتي تقلق العديد من الخبراء.

وفقا للإحصائيات الفلسطينية، يسكن في الوقت الحالي 6.08 مليون فلسطيني غربي نهر الأردن، مقارنة بـ 6.10 مليون يهودي. نسبة ولادة فلسطينية أعلى (هجرة يهودية منخفضة) تعني أنه حتى عام 2020. سوف يكون 7.14 مليون فلسطيني يسكنون في البلاد مقابل 6.87 يهودي فقط، وفقا لإدعاء مكتب الإحصائيات الفلسطيني.

الأعداد الإسرائيلية الرسمية مشابهة جدا. وفقا لمكتب الإحصائيات الإسرائيلي المركزي، عدد السكان العرب في إسرائيل هو 1,719,000 ، وحوالي 6,218,000 يهودي في إسرائيل حتى نهاية عام 2014. ويدعى منسق النشاطات الحكومية في الأراضي قسم من الجيش الإسرائيلي المسؤول عن سجل السكان الفلسطيني – أنه هنالك 2.754 مليون فلسطيني في الضفة الغربية و1.73 مليون في غزة. هذا يجعل العدد الإجمالي 6.2 مليون في المنطقة، عدد قريب جدا لعدد اليهود في المنطقة ذاتها.

حتى في اليمين الأيدولوجي، يعترف القادة المركزيين أنه من المستحيل لإسرائيل الحفاظ على تعريفها كيهودية وديمقراطية بنفس الوقت في حال دولة واحدة من النهر للبحر، في حال أقلية يهودية وأكثرية عربية

بعد طرح العمال الأجانب والمهاجرين الروس غير اليهود في إسرائيل، اليهود يصبحون أقلية في الأرض بين النهر والبحر حتى الآن، وفقا للديمغرافي سيرجيو ديلا بيرغولا من الجامعة العبرية في القدس.

“أنا أدعم صحة الإحصائيات الفلسطينية”، قال ارنون صوفر، محاضر ديمغرافي بجامعة حيفا، الذي نشر العديد من الأبحاث حول الجانب الديمغرافي للنزاع الفلسطيني-الإسرائيلي. وأشار صوفر إلى أن إسرائيل لم تجري تعداد للسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة منذ إستيلائها على هذه المناطق عام 1967. أول تعداد أجري على يد السلطة الفلسطينية عام 1997، والثاني عام 2007. الإحصائيات الديمغرافية الفلسطينية تستنتج من التعداد الأخير.

ولكن يشير بعض السياسيون الإسرائيليون اليمينيون الى معطيات غير رسمية تقلل عدد الفلسطينيين بمليون في الضفة الغربية و400,000 في قطاع غزة. هذه المعطيات نشرها يورام ايتنغر، دبلوماسي إسرائيلي سابق، الذي يدعي أنه لا يوجد سبب لقلق إسرائيل الديمغرافي.

وفقا لايتنغر، الذي يدرس الإحصائيات الفلسطينية منذ عام 2004 كقسم من فريق أمريكي-إسرائيلي للأبحاث الديمغرافية (فريق مكون من 3 باحثين أمريكيين و6 إسرائيليين)، الإحصائيات الفلسطينية أخذت بالحسبان أكثر من 400,000 فلسطيني يسكن بالخارج لمدة تفوق العام، خلافا للمعايير الدولية. وقاموا أيضا بتجاهل الهجرة الفلسطينية، التي كانت بمعدل 20,000 في عام 2013، و17,000 في أربعة الأعوام السابقة.

الدبلوماسي السابق يورام ايتنغر يتحدث عن احصائيات الضفة الغربية في الكنيست 10 نوفمبر 2014 (فلاش 90)

الدبلوماسي السابق يورام ايتنغر يتحدث عن احصائيات الضفة الغربية في الكنيست 10 نوفمبر 2014 (فلاش 90)

وقال ايتنغر أن العدد الفلسطيني مبالغ به أيضا بسبب العد المزدوج. تم عد حوالي 300,000 من سكان القدس مرتين، كإسرائيليين وكفلسطينيين من الضفة الغربية؛ وتم عد حوالي 105,000 فلسطيني تزوج صاحب جنسية إسرائيلية بين عام 1997 و2003 مرتين أيضا. بالإجمالي، يقدر ايتنغر عدد الفلسطينيين الحقيقي بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط بـ 4.8 مليون.

“مكتب الإحصائيات الفلسطيني المركزي دائما يضخم أعداده”، قال ايتنغر لتايمز أوف إسرائيل. “الوكالات الرسمية الإسرائيلية فقط تكرر المعطيات الفلسطينية. لا يوجد وحدة تعداد سكاني في وزارة الدفاع الإسرائيلية، أو في أي مكان آخر، التي تفحص الأعداد الفلسطينية. هذا عبارة عن مأساة وإهمال”.

ولكن قال ديلا بيرغولا، ديمغرافي في معهد هارمان لليهودية المعاصرة في الجامعة العبرية، ان إدعاء ايتنغر حول العد المزدوج خاطئ، ولكنه قال أن الأعداد الفلسطينية لا تأخذ بالحسبان الهجرة والمواطنين الذين يسكنون بالخارج، ولهذا فعلا تم تضخيمها بحوالي 380,000 شخص. “هذا الفرق غير جدير بالذكر مقارنة بما يقول ايتنغر”.

بمقابلة هاتفية مع تايمز أوف إسرائيل قال ديلا بيرغولا، إن ايتنغر “يعيش بالأوهام” لرفضه مواجهة أهم واقع ديمغرافي: الفلسطينيون يتكاثرون أسرع بكثير من اليهود.

الاحصائي المختص سيرجيو ديلا برغولا من الجامعة العبرية في القدس  Courtesy Sergio DellaPergola

الاحصائي المختص سيرجيو ديلا برغولا من الجامعة العبرية في القدس Courtesy Sergio DellaPergola

قائلا: “الهجرة ليست مهمة كما كانت في الماضي، ولهذا الخصوبة هي العامل المركزي في الديمغرافية، الخصوبة العالية تعني مجتمع شاب، ولهذا نسبة وفاة صغيرة جدا. نسبة وفاة العرب هنا من الأصغر في العالم. هذا شيء لن يكتبه ايتنغر أبدا. وبينما نسبة الولادة للنساء اليهوديات في إسرائيل هي 3 مقابل 3.4 للنساء العربيات في إسرائيل. وفي الضفة الغربية وغزة، نسبة الولادة أعلى وهي 4.1 لكل إمرأة بالمعدل”.

وقال ديلا بيرغولا: “لأن [ايتنغر] يتلقى الأموال ليقول أن على إسرائيل عدم ترك الأراضي الفلسطينية أبدا، هو يحاول معارضة هذه المعطيات، والإدعاء أن نسبة الولادة سوف تتغير في المستقبل. هذا ممكن، ولكن في الوقت الحالي، إنه على ما هو عليه. انه يبيع مستقبل وهمي بصورة غير مهنية بالمرة، لأنه لم يدرس علم الديمغرافية أبدا. إنه مجرد دجال”.

اعترف ايتنغر أن ليس لديه ولا لأعضاء مجموعة البحث أي تأهيل بعلم الديمغرافية، ولكنه قال إن عملهم يشبه فحص الحسابات، وليس التحليلات الإحصائية.

قائلا: “عندما تفحص شركة حسابات التوازن المالي للصناعات الجوية الإسرائيلية، مع الحفاظ على الإجراءات اللازمة، لا أحد من الفاحصين هو مهندس جوي. ولكن كل منهم يعلم كيف يحافظ على الإجراءات اللازمة، ما لم يجريه صوفر أو ديلا بيرغولا، اللذان قاما بمجرد تكرير الأعداد الفلسطينية”.

كان بينيت زيمرمان من لوس انجلوس، من أقام مجموعة الأبحاث الديمغرافية الإسرائيلية-الأمريكية مع ايتنغر، يضمن الحفاظ على الإجراءات اللازمة لشركة باين وشركاء للإدارة والإستشارة في بوستن. أحد أعضاء مجموعة البحث، الجنرال دافيد شاحاف كان رئيس الإدارة المدنية للجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية بين عام 1995-1998.

ونفى ايتنغر كونه يتلقى المال مقابل إستنتاجاته، قائلا أن ميزانية البحث الإجمالية لمجموعته منذ عام 2004 هي 20,000$.

“في دولة طبيعية، الأشخاص الذين يريدون ضم الأراضي سيعلمون أنهم يقومون بالإنتحار، ويقضون على دولة إسرائيل، إنه جنون. أشخاص مثل بوجي [وزير الدفاع موشيه يعالون] وبيبي [رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو] يعلمون الحقيقة. ولهذا لا يتجرؤون ضم [الضفة الغربية]”

انتقاد صوفر من جامعة حيفا لمعطيات ايتنغر كان أشد قسوة، محذرا من إمكانيتها لتضليل سياسيين وقادة عسكريين مع نتائج كارثية. ايتنغر وطاقمه “يبتكرون المعطيات لتمكين ضم الأراضي. إنه من دون الشأن حتى مناقشة هؤلاء المهرجين، الذين لا يضمون أي عالم ديمغرافي، وجميعهم يتبعون لليمين المتطرف”.

قال صوفر: “في دولة طبيعية، الأشخاص الذين يريدون ضم الأراضي سيعلمون أنهم يقومون بالإنتحار، ويقضون على دولة إسرائيل، إنه جنون. أشخاص مثل بوجي [وزير الدفاع موشيه يعالون] وبيبي [رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو] يعلمون الحقيقة. ولهذا لا يتجرؤون ضم [الضفة الغربية]”.

في فصل كتبه الأمريكي-اليهودي لعام 2014، ديلا بيرغولا – الذي يدرس الديمغرافيات اليهودية في العالم قال، إن يتم طرح العمال الأجانب والمهاجرين الروس غير اليهود في إسرائيل من عدد “اليهود”، سيكون اليهود حتى في الوقت الحالي أقلية في أرضهم. وفقا لديلا بيرغولا، عدد العرب في إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية حتى يناير 2014 هو 5,698,500 (مقارنة “بعدد يهودي أساسي عدده 6,103,200″، بدون إسرائيليين غير اليهود وغير العرب والعمال الأجانب).

وقال ديلا بيرغولا، أنه سمع وزير الإقتصاد (ورئيس حزب البيت اليهودي) بينيت يشير إلى أعداد ايتنغر “بحماس كبير” خلال مؤتمر في تل أبيب قبل عدة أشهر.

“إلتقيت به في الخارج وقلت: ’سيد الوزير، ديمغرافياتك سيئة. أرجوا أن تدعوني لمكتبك، حيث سأعطيك مقدمة قصيرة للديمغرافية’”.

كيف رد بينيت؟ “ضحك، وهذه كانت نهاية الأمر”.