بينما اتجه الناخبون الإسرائيليون إلى صناديق الإقتراع في 17 مارس، اجتمعت مجموعة من السياسيين والصحفيين لورشة عمل حول الأحزاب السياسية المختلفة، طروحاتها وحملاتها. ولكن لم يجرى هذا اليوم الدراسي حول الإنتخابات في اللغة العبرية بمشاركة ناخبين إسرائيليين. كان في اللغة العربية وفي آخر مكان يمكن توقعه – في عمان المجاورة.

وكانت هذه المبادرة بقيادة مركز الدراسات الإسرائيلية، مؤسسة بحثية مستقلة غير ربحية قامت في أواخر عام 2014ـ  وتسعى لمحاربة المعلومات الخاطئة حول الدولة اليهودية والنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني عن طريق توفير نظرة بديلة ومحايدة على إسرائيل باللغة العربية لصانعي القرار، الصحفيين والجمهور العام في الأردن.

من الأوائل من نوعها في العالم العربي – هنالك دوائر دراسات إسرائيلية صغيرة في الأكاديمية المصرية – يجري المركز محاضرات، برامج، مؤتمرات ومناظرات تدل على استعداد أكبر لفهم المجتمع الإسرائيلي لدى جيل الإنترنت ما بعد الربيع العربي المتعطش لنظرة متوازنة ومحايدة أكثر لجيرانهم غربي نهر الأردن.

مؤسس المؤسسة، د. عبدالله صوالحة، يريد أن يكون هناك جمهور عربي لديه الأدوات ليتواصل، يتعامل ويتفاوض مع إسرائيل، عن طريق عرض الدولة كديمقراطية ونموذج للتسامح غير كامل، مع وجود عدم مساواة بين المواطنين العرب واليهود ومع كونها قوة إحتلال لا تزال تتحكم بحياة ملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية – ما هو بعيد كل البعد عن “الكيان الصهيوني” المطروح منذ عقود في العالم العربي كوصف للدولة اليهودية.

غرفة المؤتمرات في مركز الدراسات الإسرائيلية في عمان، 29 مارس 2015 (Avi Lewis/Times of Israel, Benyamin Loudmer)

غرفة المؤتمرات في مركز الدراسات الإسرائيلية في عمان، 29 مارس 2015 (Avi Lewis/Times of Israel, Benyamin Loudmer)

“لا نرى الوجه الآخر لإسرائيل: إسرائيل كنموذج للديمقراطية، إسرائيل كنموذج للإزدهار، إسرائيل كدولة تحترك حقوق الانسان”، قال صوالحة لكاتب المقال في مكتبه المريح والمرمم المطل على مركز عمان.

مضيفا، “العلاقة بين الحكومة والشعب، فصل القوة، قضاء مستقل – جميع معايير الديمقراطية متوفرة في إسرائيل. أنا طبعا اتحدث فقط عن إسرائيل داخل [حدود 1967]، وليس عن إسرائيل بالنسبة للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة. علينا أن نكون واضحين حيال هذه النقطة”.

بانيا المركز وفقا لمؤسسات بحثية إسرائيلية، لا يسعى صوالحة لتثقيف الجمهور فحسب، بل أيضا لتوفير تحليلات استراتيجية وتوصيات للحكومة الأردنية – للتأثير على السياسة الخارجية بالنسبة لإسرائيل، ولتعزيز دور الأردن في اتفاقية سلام شاملة بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية أيضا.

’نريد ان نمكن اشخاص عاديين بفهم اسرائيل باللغة العربية’

يوظف المركز 10 مترجمين ليعملوا طوال ساعات النهار، يدققون بوكالات الأخبار العبرية، قنوات التلفزيون والصحف الإسرائيلية، بالإضافة إلى تقارير الحكومة الإسرائيلية. صوالحة نفسه يتكلم بعض العبرية ولديه دكتوراه في العلوم السياسة من جامعة القاهرة. وكتب أطروحته عن الدين والدولة في إسرائيل.

يتم ترجمة المضامين إلى اللغة العربية، ونشرها بإصدارات صحفية وتحليلات على موقع المركز، الذي يتضمن مواد متجددة حول الشؤون الداخلية، الأمور العسكرية، الإحصائيات، المعطيات، السياسة والسياسات الحكومية الإسرائيلية.

سائلا، “لماذا تعرف المؤسسات البحثية الإسرائيلية كل شيء عن العالم العربي، ولكن المؤسسات البحثية العربية لا تعلم شيئا عن إسرائيل؟ أنا أعرف شخصا من جامعة تل أبيب الذي كتب كتابا يتباحث القبائل الأردنية. لماذا يعرف [الإسرائيليون] أمور عن الأردن، مصر ولبنان، ولكن نحن لا نعلم أي شيء عن إسرائيل؟”.

وفقا لصوالحة، هنالك كسببين رئيسيان، الأول هو قلة المعلومات. والثاني هو كثرة المعلومات الخاطئة. ويعتقد صوالحة أن المؤسسة يمكنها إزالة هذه العوائق.

“هذا بالأساس بسبب الدعاية السياسية وقلة [المعلومات]. لا يوجد أي ذكر لما يحصل في إسرائيل، يعلمون فقط أنه هنالك نزاع جاري بين إسرائيل والفلسطينيين”، قال بالنسبة للعالم العربي، مضيفا أن المركز يسعى لملء هذه الفجوة بتوفير “معلومات واضحة وحيادية عن إسرائيل” للمساهمة بحل النزاع المستمر منذ 60 عاما.

د. عبدالله صوالحة في مركز الدراسات الإسرائيلية في عمان،  29 مارس 2015 (Avi Lewis/Times of Israel, Benyamin Loudmer)

د. عبدالله صوالحة في مركز الدراسات الإسرائيلية في عمان، 29 مارس 2015 (Avi Lewis/Times of Israel, Benyamin Loudmer)

تعرض مجموعة شاشات بلازما معلقة واحدة بجانب الأخرى في غرفة مشاهدة مجاورة سلسلة غير نهائية من البرامج الصباحية الإسرائيلية، بينما يعلو صوت الآذان في الخارج. وعلى الحائط المقابل، معلقة صور الملك عبدالله وولي العهد الأمير حسين.

“نريد ان نمكن أشخاص عاديين بفهم إسرائيل باللغة العربية. عادة يتم تصويرها بشكل خاطئ في وسائل الإعلام العربية – الناس في العالم العربي يريدون مصدر حيادي ليعلموا ما يجري في إسرائيل. نحن نلبي هذه الحاجة”، قال صوالحة، مشتتا للحظة بحديث أمهات في أستوديو في تل أبيب عن التغذية في المدارس في برنامج تلفزيوني صباحي.

في بداية الأمر، واجه المركز بعض المعارضة بسبب الشكوك الأولية التي تحيط أي مؤسسة مع كلمة “إسرائيل” بعنوانها، ولكن حصل المركز في نهاية المطاف على موافقة الحكومة الأردنية.

“شجعني السياسيون الأردنيون. انهم يعتقدون أن فهم إسرائيل هو فكرة جيدة. ولكن في البداية كانت هناك مخاوف لدى البعض. أرادوا أن يعلموا ما هذا المركز، ومن يقف ورائه”، قال صوالحة.

مضيفا، “عندما تنشئ مشروع جديد كهذا، عليك أن تتحدث مع الناس بمنطقهم: قلت لهم، أنا لا أخدم الإسرائيليين. انا أخدم شعبي، قضيتي ودولتي. وإذ أردنا التعامل مع إسرائيل أو تحقيق السلام، علينا فهم ما يجري داخل إسرائيل”.

يتم تمويل المؤسسة عن طريق تبرعات من القطاع الخاص، وفقا لصوالحة، ولكنه مستعد لتلقي منح من مجموعات إسرائيلية أيضا، بمحاولته لتوسيع المبادرة خارج الأردن في دول عربية أخرى.

إعرف عدوك، إعرف صديقك

بينما يدل المركز على تقبل أوسع، ولكن متحفظ، لإسرائيل في الشارع العربي، أشار صوالحة إلى أن هذه المبادرات لن تؤدي إلى تطبيع العلاقات الذي تريد القدس أن تحققه مع الدول المجاورة. يمكن تحقيق التقبل الحقيقي لإسرائيل في الشرق الأوسط فقط عن طريق اتفاقية سلام تعترف بسيادة فلسطين بجانب إسرائيل: حل الدولتين مع دولة فلسطينية مستقلة وديمقراطية قائمة بجوار دولة إسرائيل.

د. عبدالله صوالحة في مركز الدراسات الإسرائيلية في عمان،  29 مارس 2015 (Avi Lewis/Times of Israel, Benyamin Loudmer)

د. عبدالله صوالحة في مركز الدراسات الإسرائيلية في عمان، 29 مارس 2015 (Avi Lewis/Times of Israel, Benyamin Loudmer)

“لا يجود لدينا أي مشكلة مع التطبيع [مبدئيا]، ولكن علينا تحديد هذا التطبيع. التطبيع لا يعني تقبل كل شيء من إسرائيل. على إسرائيل إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعلينا تحقيق السلام عن طريق منحهم حقوقهم”، قال صوالحة.

“[الأوضاع الحالية] ليست تطبيع. هو أقرب على التعامل مع إسرائيل. إن كنت ترى إسرائيل كعدو إذا عليك دراستها والتعامل معها. إن كنت ترى بإسرائيل صديق، إذا عليك أن تدرسها وتتعامل معها”. مضيفا أن دول الخليج، مثل السعودية، الكويت وقطر مستعدة لإتفاق مع اسرائيل، وتشاركها بعض المصالح في ظل التهديد الإيراني، ولكن تبقى القضية الفلسطينية مسألة شائكة. لا يمكن فصل علاقة إسرائيل بالعالم العربي من القضية الفلسطينية.

أما بالنسبة للضفة الغربية، قال صوالحة، إسرائيل لا تحترم حقوق الإنسان أو القانون الدولي، و”لا يوجد ديمقراطية للفلسطينيين”.

إن كانت إسرائيل تريد أن يتم تقبلها في العالم العربي، قال صوالحة، إذا عليها أولا ان تصل لإتفاقية سلام مع الفلسطينيين.

“تطبيع العلاقات [مع القدس] متعلقة بالقضية الفلسطينية. بدونها، لم يكون هناك سلام في المنطقة”، مشيرا إلى أن العلاقات الثنائية بين إسرائيل والأردن هي “سلام بين الحكومات، وليس بين الشعوب”، متطرقا لإتفاقية السلام التي تم توقيعها بين الدولتين عام 1994.

حصل المركز حتى الآن على تغطية إعلامية محدودة – مقال أو إثنين في الصحافة الأردنية – ولكن يريد صوالحة انتهاز الفرصة للتوسع إلى الدول العربية المجاورة، كي يتمكن فهم إسرائيل بصورة صحيحة في أماكن أخرى أيضا.

’حضرة الرئيس، هل انت راضي بحدود اسرائيل الحالية؟ هل هذا ينطبق مع تاريخكم؟’

لا يصور مركز الدراسات الإسرائيلية إسرائيل بضوء جميل أبدا. ولكنه يحاول تشكيل نظرة حيادية نسبيا لإسرائيل بينما يبقى مقبول على الجمهور العربي، الذي اعتاد مع مرور العقود على تصوير وحشي لمستولي اقليمي غير مرغوب به.

وقد زار صوالحة إسرائيل عدة مرات، وحتى يذكر أنه التقى بالرئيس السابق شمعون بيريس، وقاضي المحكمة العليا العربي سليم جبران – “هذا يثبت أنه هنالك إمكانية جيدة [للسلام]”.

“العديد ينتقدون بيريس وينظرون إليه كحالم، كغير واقعي – ولكنه يعجبني”، قال صوالحة.

“قلت له: ’حضرة الرئيس، لدى الشعب اليهودي الكثير من التاريخ، ولكن ليس جغرافيا كافية [للتعويض على كل هذا التاريخ]. عاش الشعب اليهودي الآلاف من السنين بدون أرض، بدون دولة، وفي عام 1948 أقاموا دولتهم. وسألته: [لديكم] الكثير من التاريخ، ولكن جغرافيا لا تكفي. هل أنت راضي بحدود إسرائيل الحالية؟ هل هذا ينطبق مع تاريخكم؟” يذكر صوالحة لقائه مع الرجل التسعيني الذي كان رئيس وزراء إسرائيل في ثلاث عهود مختلفة في سنوات السبعين، الثمانين والتسعين، وكان رئيس الدولة بين عام 2007 و2014.

“قال لي [بيريس]: ’الأرض غير مهمة، لأنه إن اردت التحكم بكمية كبيرة من الأراضي، أنت بحاجة لجيش [كبير]، أنت بحاجة لموارد، إدارة، ولكننا [لا نملك هذه الأعداد أو هذه القوة]. هنا في إسرائيل، دخلنا من الصناعات التكنولوجية يفوق دخل السعودية من النفط. قضيتنا ليست الأرض، بل كيف نتحكم وندير [القليل] الذي بحوزتنا’”.