كين ليفينغستون، رئيس بلدية لندن السابق وصاحب سجل حافل وجدير بالإزدراء في تصريحات له ضد إسرائيل ومعادية للسامية، اختار هجومه الأخير بعناية. مدافعا عن عضو البرلمان من حزب “العمال” البريطاني، ناز شاه، التي تم إبعادها عن الحزب بعد أن دعت إلى “نقل” إسرائيل إلى الولايات المتحدة – بكلمات أخرى، تفكيك الدولة اليهودية الوحيدة في العالم – أدخل ليفينغستون الأربعاء النازيين والصهيونية إلى النقاش المتصاعد من خلال التأكيد على أنه “قبل أن يجن ويقوم بقتل 6 مليون يهودي” كان هتلر “داعما للصهيونية”.

المضمون وتداعيات محاولة ليفينغستون لإعادة كتابة التاريخ هيمنت على الإعلام البريطاني يوم الخميس، وتصدرت الصفحات الرئيسية لأكبر الصحف في بريطانيا يوم الجمعة، ويستمر صداها بالتردد لتدخل هذه المغالطة شيئا فشيئا في عقول عشرات الملايين من العقول. وسط الفوضى والتقارير لحظة بلحظة عن تصريحاته، والغضب الذي أثارته، وإبعاده عن الحزب، والدعوات لطرده من البرلمان، لم تلقى كذبة ليفينغستون وتصويره الغير صحيح والسخيف لهتلر كصهيوني (الذي نفاه المؤرخ البريطاني روجر مورهاوس) الرد القوي عليها في جزء كبير من التغطية الإعلامية.

لا بد من أن ليفينغستون يشعر بسعادة غامرة.

في زرعه وتغذيته لفكرة أن هتلر والصهاينة كانوا ضمن نفس المجموعة، وبأن هتلر كان، إمتدادا لذلك، عاملا في إقامة دولة إسرائيل، يدفع ليفينغستون بذلك  بجهوده في تشويه صورة إسرائيل، التي من الأفضل عزلها وإضعافها.

ما يريده ليفينغستون من البريطانيين هو الإعتقاد بأنه يمكن وضع معادلة تربط النازيين، خلاصة الشر بعينه، والصهاينة الذين يبغضهم بشدة. كل أولئك الذين يمقتون النازيين وبحق – يأمل ليفينغستون بإقناع عشرات الملايين من هؤلاء المشاهدين والمستمعين والقراء – فعليهم أيضا مقت ومعارضة الصهيونية وإسرائيل.

جيريمي كوربين الذي اختاره حزب “العمال” البريطاني مؤخرا زعيما له وجاء خلفا لإد ميليباند غير الكفؤ بعد الفشل في الإنتخابات العامة في العام الماضي، لم يكن سعيدا وبشكل واضح في إبعاد شاه يوم الأربعاء، وتردد في إبعاد حليفه ليفينغستون الخميس. فكوربين، بعد كل شيء، هو أيضا منتقد عنيد لإسرائيل والذي كان قد وصف ممثلين من حماس وحزب الله – منظمات إرهابية تقتل المدنيين وتستخدم مواطنيها كدروع بشرية وتسعى علنا لتدمير إسرائيل – ب”أصدقاء” له.

نجاح كوربين بالفوز في قيادة حزب “العمال” لم يكن متوقعا، ومواقفه في عدد من المسائل الرئيسية تتعارض مع مواقف الكثيرين من أعضاء البرلمان والناشطين والناخبين في حزبه. ولكن في بريطانيا التي تعصف فيها الإنقسامات الطبقية، وبريطانيا التي تعاني من عدم المساواة الإقتصادية، وفي بريطانيا التي سئم الكثيرون فيها مما ينظر إليها كمؤسسة الحاكمة متغطرسة وغير مبالية، فإن الحكمة التقليدية بأن كوربين المتطرف والمعارض للمؤسسة الحاكمة لا يمكن أن يصبح رئيس وزراء تبدو حمقاء. أمريكا ودونالد ترامب خير مثال على ذلك.

الحاخام الليبرالي داني ريتش أدرك بسرعة ما الذي يحاول ليفينغستون القيام به. يوم الخميس كتب ريتش، “الإدعاء بإن هتلر كان صهيونيا  ليس تشويها هائلا للتاريخ فحسب، بل يساوي مباشرة بين النازية والصهيونية”، وأضاف، “يشير بذلك إلى أن لدى [الأيديلوجيتين] أهداف وقيم مشتركة؛ إنه الجرم بالتبعية. من الصعب التفكير بربط مهين أكثر من ذلك”.

ولكن ليفينغستون قام بهذا الربط بشكل متعمد، وهي علاقة يواصل وبشكل متعجرف التأكيد عليها، ضمن أجندته في تشويه صورة إسرائيل التي يشاركها فيها زعيم حزبه.

بعد وقت قصير من إطلاق ليفينغستون العنان لكذبة أن هتلر كان صهيونيا، واجهه عضو البرلمان العمالي، جون مان، الذي يرأس لجنة برلمانية تعالج تصاعد ظاهرة معاداة السامية في بريطانيا. مان، الذي كان غاضبا بشدة، قال لليفينغستون بأنه “يعيد كتابة التاريخ” وبأنه “مدافع عن النازية” و”عنصري مقرف”.

بدلا من الإشادة بمان لإستعادته بعض الشرف والكرامة لإسم حزب “العمال”، قام كوربين بإستدعائه من خلال “سوط” الحزب – السلطة التأديبية في الحزب – حيث قيل لمان بأن سلوكه كان “غير لائق بالمرة”.

هذا هو للأسف وجه قيادة حزب “العمال” البريطاني، معارضة صاحبة الجلالة، ومن يريد أن يترأس الحكومة المقبلة للملكة المتحدة اليوم: قيادة ملطخة بمعادة السامية وتحجم عن إبعاد المذنبين بنفس القدر الذي تنتقد فيه أولئك الذين يواجهونهم من في صفوفها.