عن السؤال فيما إذا كان هناك إحتمال بأن يتفق أكبر حزبين سياسيين في إسرائيل على تشكيل حكومة وحدة وطنية، كان زعيما الحزبين واضحين بشكل لا لبس فيه على الدوام في إجاباتهما.

أعلن رئيس الوزراء بينامين نتنياهو والمتحدثين باسمه في حزب “الليكود” عشرات المرات خلال الحملة الإنتخابية، “هناك هوة عقائدية تفرق بيننا”.

صرح رئيس “المعسكر الصهيوني” أكثر من مرة في كل مرة تم توجيه هذا السؤال إليه، “ببساطة هذا لن يحدث”.

مع نتائج الإنتخابات التي منحت نتنياهو طريقا سهلا نحو تشكيل إئتلافا حكوميا يضم 67 مقعدا من أصل 120 في الكنيست – الأحزاب المتدينة مع 13 مقعدا، حزبي “البيت اليهودي” و”إسرائيل بيتنا” من اليمين مع 14 مقعدا و”كولانو” مع 10 – لم يكن هناك سبب للتشكيك في تصريحات الرجلين.

ولكن بعد شهر ونصف من الإنتخابات التي أُجريت في 17 مارس، ومع التوقيع على اتفاقات إئتلاف حكومي فقط مع “يهودت هتوراه” و”كولانو”، بدأت هذا اليقين بالتصدع.

من المفارقات، أن ضعف زعيم “إسرائيل بيتنا”، أفيغدور ليبرمان، هو الذي قد يجبر نتنياهو على البحث عن حكومة ذات قاعدة أوسع مع يسار الوسط.

انهار حزب “إسرائيل بيتنا” إلى 6 مقاعد في الإنتخابات الأخيرة ما دفع إلى إجراء إعادة تقييم دراماتيكية لسلوك الحزب ومستقبله، إعادة تقييم قد تتسبب بتركه خارج الإئتلاف الحكومي القادم وترك نتنياهو مع أغلبية ضئيلة واهية ب61 مقعدا فقط.

من المنطق الإفتراض بأن نتنياهو يفضل إئتلاف يمين يضم 67 مقعدا مع القليل من الفجوات الأيديولوجية الكبيرة التي تفصل بين أطراف حكومته وأن لا تكون هناك فرصة حقيقية للمعارضة بتقديم إقتراحات نزع ثقة في الكنيست. ومن المفترض أن تجعل سيطرة حزبه ب30 مقعدا على الإئتلاف، على الأقل من الناحية النظرية، من حياته أسهل كرئيس لهذا الإئتلاف.

ولكن السياسيين لا يحترمون دائما الحسابات الواضحة. المقربون من ليبرمان وصلوا إلى استنتاج – أو على الأقل قالوا للصحافيين- أن نتائج الحزب السيئة كان سببها فضيحة الفساد الكبيرة التي أُعلن عنها في شهر ديسمبر؛ وبأنه في الواقع لن يكن للحزب أي مكان للذهاب إليه سوى للأعلى في الإنتخابات القادمة.

هناك جانب آخر غير معلن من حسابات ليبرمان.

خلال حملته الإنتخابية، قام ليبرمان بتعهدات كان يعلم بأنه لا يستطيع تحقيقها، مثل تمرير قانون الإعدام للإرهابيين.

لا الصدق ولا التأثير هما شرطان مسبقان لتكون لك حياة سياسية ناجحة. ولكن لا يمكن قول الشيء نفسه عند ظهور هاتين الصفتين. إن الناخبين بحاجة إلى أن يثقوا بسياسي، وأن يصدقوا أن صوتهم للسياسي لن يذهب هباء، إذا كان السياسي يرغب بالنجاح.

ولذلك فإن البقاء في الإئتلاف الحكومي، كما يعتقد ليبرمان، له ثمن سياسي كبير. عندما يتعلق الأمر بظهور الصدق والنفوذ السياسي، ما الذي يسبب ضررا أكبر، الفشل في تمرير أجندتك الخاصة مع شغل منصب رفيع في الإئتلاف الحكومي أم الجلوس في المعارضة؟

لمراوغة ليبرمان التي جاءت في وقت متأخر من اللعبة – بالكاد لا تزال هناك 3 أيام قبل الموعد النهائي لتشكيل إتئلاف حكومي جديدة برئاسة نتنياهو – تداعيات بعيدة المدى.

إذا بقي ليبرمان في الخارج، ستتقلص أغلبية نتنياهو بشكل حاد إلى 61 مقعدا، حيث لن يكون رئيس الوزراء أكثر اعتمادا فقط على شركائة في الإئتلاف في كل تصويت في الكنيست، وفي الواقع في بقاء هذه الحكومة، ولكن سيكون عليه أيضا إرضاء كل عضو في حزبه “الليكود” في كل مسألة أو المخاطرة بخسارة أغلبيته البرلمانية. سيرتفع الثمن الذي سيكون على رئيس الوزراء دفعه للحفاظ على الإئتلاف بشكل حاد، ومن المرجح أن لا يكون محتملا.

لا يوجد سياسي يقلقه هذا الوضع أكثر من رئيس “كولانو” ووزير المالية القادم موشيه كحلون، الذي قال لبرنامج القناة الثانية “لقاء مع الصحافة” خلال نهاية الأسبوع أن حكومة ب61 [مقعدا] هي أمر سيء”.

وأضاف، “يمكننا العيش معها إذا كان ذلك مؤقتا”، ولكنه أكد على أنه “يجب القيام بكل شيء لمنعها”.

يلمح كحلون – وليس للمرة الأولى – إلى تفضيله لحكومة وحدة وطنية موسعة مع “المعسكر الصهيوني”.

طالما أن إئتلاف حكومي بأغلبية 67 مقعدا كان أمرا مضمونا، كان هذا الأمل مجرد حلم بعيد. ولكن مع ترنح هذا الإئتلاف على حافة سكين حسابات أفيغدور ليبرمان السياسية، هناك مؤشرات تلمح إلى إجراء إعادة تقييم من جانب نتنياهو وزعيم “المعسكر الصهيوني” يتسحاق هرتسوغ ورقم 2 في القائمة تسيبي ليفني وغيرهم.

أولا هناك إزداء نتنياهو الغريب والمتواصل ليسار الوسط. منذ الإنتخابات، قام رئيس الوزراء بدعوة رئيس “القائمة المشتركة”، عضو الكنيست أيمن عودة، إلى مكتبه، والتقى مع رئيسة حزب “ميرتس”، عضو الكنيست زهافا غلئون، لإجراء مشاروات معها. لكن لم يتم عقد أي لقاء، أو في الواقع تعيين وعد للقاء كهذا مع يتسحاق هرتسوغ أو مع يائير لابيد من “يش عتيد”.

وفي حين أن غلئون وغيرها ينتقدون كيفية تقدم محادثات الإئتلاف الحكومي، فقد أبدى هرتسوغ وليفني وحتى ناشطة حزب العمل الشهيرة ورقم 2 فيه شيلي يحيموفيتش صمتا غريبا بهذا الشأن على مدى الشهر المنصرم.

إذا هل مقاطعة نتنياهو هذه التي لا يمكن تفسيرها هي مؤشر على أنه تجاهله ليسار الوسط خلال فترة المحادثات الإئتلافية (أكثر حتى من “القائمة العربية” و”ميرتس”)، أو أنه يؤجل عقد اجتماع رسمي لأنه غير متأكد بعد ما إذا كان سيدعوهم إلى الإنضمام إلى الإئتلاف الحكومي؟

يسيطر هذا السؤال حاليا على الحوار السياسي.

في تقييم صريح قامت به في مقابلة مع إذاعة الجيش يوم الأحد ثالت غلئون، “تقديري هو أن قادة ’المعسكر الصهيوني’ يريدون أن يجدوا نفسهم في الإئتلاف”.

شرط هرتسوغ المسبق لدخول إئتلاف كهذا، كما أشار غلئون وغيرها في الأيام الأخيرة، هو أن يترك نتنياهو “البيت اليهودي”، الذي يعارض مبادرات السلام التي سيطالب بها “المعسكر الصهيوني”، خارج إئتلافه. حكومة بقيادة نتنياهو من دون “إسرائيل بيتنا” و”البيت اليهودي” ولكن مع إضافة 24 مقعدا ل”المعسكر الصهيوني” ستمنح رئيس الوزراء أغلبية مريحة جدا تضم 77 مقعدا – وإن كان ذلك على حساب قيادة حكومة وسطية أكثر مما كان يود ظاهريا.

مع ذلك يبدو أن أكثر من قائد كانوا على استعداد للتحدث بهذا الشـأن يرون أن تشكيل إئتلاف كهذا هو أمر ممكن وعلى نحو متزايد.

سأل الإعلامي رازي بركائي في إذاعة الجيش لابيد يوم الأحد بعد أنباء تحدثت عن لقاء جرى بين لابيد وهرتسوغ في مقهى في شمال تل أبيب في نهاية الأسبوع، “هل انت مقتنع بأن [هرتسوغ] سيبقى في المعارضة؟”.

فأجب لابيد ضاحكا، “سيكون عليك أن تسأله هو”. أقر لابيد بأنهما تحدثا عن احتمال دخول “المعسكر الصهيوني” الإئتلاف الحكومي، ولكنه رفض الكشف عما قال له هرتسوغ.

على افتراض أن ما قاله هرتسوغ للابيد خلال لقائهما الشخصي هي الأشياء ذاتها التي صرح بها علنا على مدى الأشهر الأخيرة، فما كان لابيد سيظهر هذا التحفظ في الكشف عنها.

في حين أن هرتسوغ ونتنياهو لم يتحدثا، رُصد هرتسوغ في الأسيوع الماضي وهو يتحدث مع رقم 2 في الحزب غلعاد إردان في جنازة حضرها الإثنان. القناة مفتوحة. التلميحات التي تشير إلى أن هناك خطط جديدة جارية آخذة بالتزايد.

لا شيء من هذا يعني أن نتنياهو يرغب بإئتلاف مع “المعسكر الصهيوني”، أو أن هذا الأمر أكيد. ولكن مع بقاء ثلاثة أيام قبل الموعد النهائي، وفي ظل التهديد الذي يلوح بالأفق بأنه سيجد نفسه يدير إئتلافا واهيا ب61 مقعدا، تزداد الدلائل بأن نتنياهو يعمل جاهدا للإبقاء على خياراته مفتوحة.