من السهل التعامل بسخرية مع رغبة ترامب في جلب “صفقة القرن”، ومن السهل أكثر الحكم مسبقا على “الورشة” الاقتصادية الأمريكية-البحرينية في الشهر المقبل، التي وُصفت بأنها الخطوة الأولى في طرح خطة الإدارة الأمريكية للسلام التي طال انتظارها، بالفشل.

إن الأمريكيين يخططون لحفل زفاف لكنهم نسوا دعوة العروس، كما قال أحد المحللين ساخرا هذا الأسبوع، مشيرا وبحق إلى أن الفلسطينيين غير معنيين بحضور مؤتمر المنامة.

صحيح أن هذا الحدث لن يؤدي على الأرجح إلى انفراج في عملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية المتعثرة منذ فترة طويلة. السلام لن يتحقق بعد القمة المقررة في 25-26 يونيو، وعلى الأرجح لن يحدث ذلك أيضا بعد الكشف عن الجزء الثاني من خطة ترامب للسلام.

لكن التركيز على رفض رام الله التواصل مع الإدارة التي تعتبرها معادية يفوّت نقطة هامة للغاية: مجرد حقيقة أن طرح اقتراح السلام سيحدث في عاصمة عربية ليست أقل من حدث كبير.

على الورق، رفض العالم العربي وأدان بشدة المبادرات والخطوات الأخيرة التي اتخذتها إدارة ترامب فيما يتعلق بالصراع العربي-الإسرائيلي، التي نُظر إليها باعتبارها هدايا للحكومة الإسرائيلية.

لم تكن هناك دولة عربية واحدة تقريبا في المنطقة لم تدين الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة، أو وقف المساعدات للأونروا وقضايا فلسطينية أخرى. حتى الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان لاقى تنديدا على نطاق واسع، حتى من قبل أعداء سوريا بشار الأسد.

ومع ذلك، تلعب مملكة البحرين دور المستضيف طواعية لمراسم طرح خطة إدارة ترامب للسلام.

بعد بضعة أشهر فقط من قيام واشنطن بوقف كل المساعدات الاقتصادية للسلطة الفلسطينية، أصدرت البحرين بيانا رسميا قالت فيه إن ورشة “السلام من أجل الازدهار” في الشهر المقبل ستركز على “رؤية وإطار قابلين للتحقيق لمستقبل مزدهر للشعب الفلسطيني والمنطقة”.

وزير الخارجية البحريني، خالد بن أحمد آل خليفة، يشارك في قمة ’التنمية الاقتصادية والاجتماعية العربية’ المنعقدة في بيروت، لبنان، الأحد، 20 يناير، 2019. (AP Photo/Bilal Hussein)

مما لا شك فيه أن هذا لا يُعتبر دعما للجزء من السياسي من خطة السلام الأمريكية، التي من المتوقع أن يتم الكشف عنها في مرحلة لاحقة.

يوم الإثنين أعاد وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة، خلال استقبالة للمسؤول الفلسطيني الكبير جبريل رجوب في المنامة، التأكيد على “موقف (حكومته) الذي لا لبس فيه في دعم القضية الفلسطينية”، وحق الفلسطينيين بدولة مستقلة على حدود 1967 مع القدس الشرقية عاصمة لها.

من غير المرجح أن تعتمد خطة ترامب للسلام هذه المعايير.

ومع ذلك، فإن حقيقة أن هذا البلد العربي، الذي لا تربطه علاقات رسمية مع إسرائيل ولا يزال يتعهد بالولاء للقضية الفلسطينية، وافق على وضع اسمه في الجزء الأول من خطة الإدارة الأمريكية ذات الجزئين للسلام هي حدث بحدث ذاته.

صحيح، عدد قليل من الفلسطينيين، إن وُجدوا أصلا، سيكون حاضرا في قاعة المؤتمرات في المنامة، حيث سيحاول مهندسا الاقتراح الرئيسيان، جاريد كوشنر وجيسون غرينبلات، حشد مؤيدين للخطة. هذا خيارهم. ولكن الأمر الجدير بالملاحظة هو أن هذه المحادثات الرئيسية الأولى في مسار فريق ترامب المخطط للسلام الإسرائيلي-الفلسطيني ستركز فقط على مصالح طرف واحد، وهذا الطرف ليس إسرائيل. هذا الاجتماع سيكون مخصصا للرفاه الاقتصادي الفلسطيني.

وتجدر الإشارة أيضا إلى أن وزير المالية الإسرائيلي، موشيه كحلون، سيكون على الأرجح من بين الضيوف المرحب بهم في هذه العاصمة العربية.

ليس من غير المسبوق أن يقوم كبار المسؤولين في الحكومة الإسرائيلية بزيارة بلدان عربية. على أعلى المستويات، قام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بزيارة رسمية إلى عُمان في أكتوبر الماضي.

على المستوى الوزاري في العام الماضي، حضرت وزيرة الثقافة والرياضة ميري ريغيف بطولة جودو في الإمارات العربية المتحدة، وبعد أيام من ذلك، ألقى وزير المواصلات والمخابرات يسرائيل كاتس كلمة أمام مؤتمر في عُمان.

وزير المواصلات والمخابرات يسرائيل كاتس في عُمان، 5 نوفمبر، 2018. (courtesy)

ولكن في حين أن هذه الزيارات قد تكون ريادية، إلا أنه تجدر الإشارة إلى أنها جرت في سياق أحداث استضافتها منظمات دولية التي ربما كانت ستعاقب أبو ظبي ومسقط لو قامتا باستبعاد ممثلي دول أعضاء فيها.

مشاركة كحلون المتوقعة في ورشة المنامة ستكون ذات طابع مختلف تماما، حيث أنه سيتم الترحيب فيه في بلد عربي ليس لأن حكومتها ستواجه عقوبات إذا فعلت عكس ذلك، ولكن بهدف واضح هو مناقشة جهود السلام التي تبذلها إدارة ترامب.

قد يفشل كوشنر وغرينبلات فشلا ذريعا في مهمتهما للتوصل الى اتفاق سلام إسرائيلي-فلسطيني، ولكنهما لم يعدا قط بأن الطرفين سيوقّعان على الفور على الوثيقة التي يخططان لطرحها هذا الصيف لإنهاء صراع مستمر منذ مئة عام في غمضة عين. على الأرجح أيضا أنهما لم يؤمنا بنفسيهما أن هذا ممكن.

ما وعدا به هو نشر المخطط لما يعتقدان بأنه حل عادل ومجدي للمشكلة. لقد راى الكثير من المراقبين أنه وبالنظر إلى فرض النجاح الضئيلة بشكل مذهل، فإن الإدارة ستقوم بدفن الخطة الى أجل غير مسمى. القمة المقبلة في البحرين هي المؤشر الأول على أن هذه التكهنات كانت خاطئة.

بغض النظر عن كيفية رد فعل الفلسطينيين على خطة السلام برمتها (ودعونا لا نخدع أنفسنا؛ سيقومون برفضها) وما الذي سيحدث بعد ذلك (قد تقوم إسرائيل بضم المستوطنات، في خطوة قد يكون لها تداعيات دراماتيكية في المنطقة)، فإن استعداد البحرين لاستضافة قمة “السلام من أجل الازدهار” يشير بقوة إلى أن العالم العربي يبدي استعدادا لتطبيع العلاقات مع إسرائيل أكثر مما يعتقد البعض، حتى في غياب الصفقة المثالية.