التحول إلى قوة نووية هو حلم كل دولة. القنابل الذرية لا تأتي فقط بهيبة كبيرة ولكنها تخلق أيضا رادعا وتسمح لمالكيها بشن هجمات من شأنها إبادة العدو. لهذا السبب ترغب دولة مارقة مثل إيران وضع يديها على هذه القنابل أكثر من أي شيء آخر. أو على الأقل هذا ما تريده الحكمة التقليلدية، والكثير من المسؤولين الإسرائيليين، أن نصدقه.

في وقت سابق من هذا الشهر صرح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، “حتى بعد التوقيع على الإتفاق النووي، لم تتنازل إيران عن أطماعها في الحصول على أسلحة نووية”.

ولكن فرانسوا هيسبورغ، خبير فرنسي معروف في الردع النووي وإنتشار الأسلحة النووية، يقول إن طهران حاليا غير معنية بإجتياز العتبة النووية، وعلى الأرجح لن تسعى للقيام بذلك حتى بعد إنتهاء الإتفاق النووي بعد 15 عاما. بدلا من ذلك، كما يقول، يكتفي النظام (وعلى الأرجح سيكتفي) بما يصفه بـ”ردع مثّبت”. بالإضافة إلى تجنب الصداع الذي يأتي مع تشغيل برنامج عسكري نووي، وبالأخص العقوبات الدولية، فالبقاء خارج نادي القوى النووية يعطي إيران مرونة أكثر في شن حرب تقليدية، كما يرى هيسبورغ.

ويقول هيسبورغ، الذي يرأس المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية ومقره في بريطانيا ومركز جنيف للسياسة الأمنية، “وضح الإيرانيون وجهة نظرهم”، ويتابع: “لقد أظهروا أن بإمكانهم في ظروف معينة أن يصبحوا قوة نووية. إن لذلك قيمة في حد ذاته. يوفر ذلك شكلا من أشكال الردع، وهو، ’لا تعبث معي. أنا لست قوة نووية ولكن بإمكاني أن أصبح كذلك غدا، فأحسن التصرف’. في الوقت الحالي، يُعتبر ذلك أكثر من كاف بالنسبة للإيرانيين”.

ويشير إلى أن إسرائيل هي إستثناء لهذه القاعدة، حيث أنها حافظت على حرية التصرف التقليدية كاملة، على رغم من ترسانتها المفترضة من الأسلحة النووية. وتنجح القدس في التهرب من ذلك بسبب بسياسة الغموض النووي التي تتبعها، كما يقول. “أنتم لا تعترفون بأن لديكم أسلحة نووية، لذلك أنتم لا تلوحون بها، وبالتالي يمكن للجميع أن يتظاهر بأنكم لستم بقوة نووية، وبالتالي [عندما تقوم إسرائيل بشن حرب] لا يُعتبر ذلك أزمة نووية. هذا المنطق الإستراتيجي الحقيق وراء التعتيم الإسرائيلي. إنه مذهب جميل”.

من المثير للإهتمام، كما يقول، بإنه كان يمكن لإيران أن تتبع نفس سياسة الغموض النووي لو لم يتم إكتشاف منشأة تخصيب اليورانيوم في نطنز في عام 2002. “أعتقد أن نية إيران كانت نسخ النموذج الإسرائيلي”، كما يقول هيسبورغ. الفكرة كانت تشغيل برنامج سري لإنتاج سلاح نووي بهدوء ومن ثم جعله “معروفا بما فيه الكفاية للناس لأخذه بعين الإعتبار، في حين في الوقت نفسه القول، لا نملك أسلحة نووية”، بحسب قوله ويضيف: “كان بإمكانهم اتباع الطريقة الإسرائيلية. لكنهم لم ينجحوا بالإفلات من العقاب”.

إستراتيجيا، للإتفاق النووي الذي أبرم في يوليو 2015 ودخل حيز التنفيذ هذا الشهر جوانب إيجابية وأخرى سلبية، بحسب هيسبورغ. فالإتفاق يبقي الإيرانيين على بعد خطوتين من التحول إلى دولة حافة نووية، ولكنه للمفارقة يسمح لهم أيضا بالتصرف بعدوانية أكثر في المنطقة. بالنسبة لمدتها، نجحت خطة العمل الشاملة المشتركة “في تخفيض خطر الإنتشار النووي”.

ولكن من ناحية تقليدية، فإن الصراع المتصاعد مع السعودية هو “دليل كاف على الصورة التي يمكن لإيران فيها أن تزعزع الإستقرار وتكون غير مقيدة”.

’العيش مع قنبلة فارسية هو أمر لا يطاق بالنسبة للعرب’

هيسبورغ، الذي بدأ يالتعامل مع مسائل منع الإنتشار النووي في أواخر سنوات الـ -70 خلال عمله في وزارة الخارجية الفرنسية، يختلف مع الحجة التي يتم طرحها في كثير من الأحيان بأن الإتفاق الإيراني سيطلق سباق تسلح في المنطقة. معارضو الإتفاق يرون بأنه بما أنه تم السماح لإيران بالإحتفاظ بكمية معينة من البنى التحتية النووية الخاصة بها، وبالتالي إضفاء شرعية عليها كدولة حافة نووية، سترغب كل دولة في الشرق الأوسط بإتفاق مماثل.

يرفض هيسبورغ هذه الحجة ويقول، “إن الإتفاق تطفلي لدرجة أنه من الواضح فيها أن السعودية أو مصر أو دول أخرى في المنطقة لن تسعى إلى نظام مشابه لذلك الذي تم دفع إيران للموافقة عليه”.

دول قليلة لديها القدرة على إطلاق برنامج سري أو على إستعداد للمخاطرة بفرض عقوبات عليها في حال تم الكشف عن مثل هذا المسعى السري، كما يقول. مصر، على سبيل المثال، تعتمد على الولايات المتحدة في الدعم المالي. “إذا كنت مصريا، ما الذي تفضله: [برنامج نووي سري] أو السير من دون دعم أمريكي وأكل العشب؟”

الرغبة في إطلاق برنامج نووي موجودة طبعا، كما يرى هيسبورغ. “صدام حسين أراد ذلك. القذاقي أراد ذلك. الأسد أراد ذلك. وقد يرغب آخرون بذلك أيضا. ولكن إيران ليست السبب”، كما يقول. “السبب هو إسرائيل”.

بعض الدول العربية حاولت إطلاق برنامج نووي بسبب برنامج إسرائيل المزعوم، ولكن مع مرور عشرات السنوات تعلمت العيش مع ذلك. هناك سببين لذلك، وفقا لهيسبورغ. الأول، إسرائيل لم تقر يوما بترسانتها النووية، ما وفر على العرب الشعور بالحرج. ثانيا، “لو كان لإسرائيل قنبلة فقد أثبتت مسؤولية إستثنائية في تصرفها كقوة نووية. لا يوجد للعرب ما يخشوه”.

ويقول الخبير الفرنسي إن إسرائيل هي “عدو” للعالم العربي ولكنها ليست ب”خصم”. الدولة اليهودية لا تدعي قيادة العالم الإسلامي ولا توجد لديها طموحات لتصبح قوة إقليمية مهيمنة. من ناحية أخرى، إيران الشيعية هي عدو وخصم للدول السنية. “العيش مع قنبلة فارسية، القنبلة الشيعية، هو أمر لا يطاق للعرب”.

بما أن خرق الإيرانيين للإتفاق النووي هو أمر غير مرجح، لأن ذلك لا يصب في مصلحتهم الإستراتيجية، وبالتالي لن يحصلوا على قنبلة نووية لنحو عقد ونصف من الزمن، لا يوجد للعرب ما يدعوهم إلى البدء ببرامج نووية خاصة بهم، كما يرى هيسبورغ.

في حين أن البعض يعتقد بأن إيران ستحاول الغش والحصول على قنبلة قبل إنقضاء الإتفاق بعد 15 عاما، فإن هيسبورغ واثق من أن ذلك لن يحدث. في نهاية المطاف، كما يقول، فإن خطة العمل الشاملة المشتركة توسطتها ست قوى عظمى – ما يسمى بمجموعة 5+1 – وصادق عليها مجلس الأمن الدولي. بالتالي فإن إنتهاك إيراني من شأنه أن يكون بمثابة إهانة للمجتمع الدولي بأسره. ويقول هيسبورغ، “هذا رادع قوي للغاية”، ويؤكد أنه على عكس مجموعات مثل حزب الله، فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تخضع لطرق عمل الردع.

لهذا السبب يرفض الحجة التي يكررها أعداءإيران بأن آيات الله الذين يسيطرون على البلاد هم متعصبون دينيا لا يمكن الإعتماد عليهم بالتصرف بعقلانية في أملهم بدمار إسرائيل. يقول هيسبورغ أنه في حين أنه لا يوجد هناك شك في كراهيتهم للدولة اليهودية وجهودهم للمس بها في كل فرصة، فهم لم يتخذوا خطوات غير عقلانية ضد إسرائيل منذ الإستيلاء على السلطة في عام 1979.

ويقول هيسبورغ، “هذا سجل طويل للغاية. هؤلاء الناس يريدون طبعا تدمير إسرائيل، ولذلك يقومون بما يعتقدون بأنه يمّكنهم من الإفلات من العقاب من حيث تقويض إسرائيل وضرب المصالح الإسرائيلية. بالطبع – هذا هو هدفهم في الحياة. ولكنهم ليسوا بغير عقلانيين من حيث الطريقة التي يقومون من خلالها بذلك. هم ليسوا بمجانين”.

’مصلحة إيران الأساسية هي الإستمرار بكونها قوة مطلقة’

يعتقد هيسبورغ أنه في الوقت الحالي لا يوجد لإيران سبب يدعوها إلى خرق الإتفاق النووي. ولكن ما الذي سيحدث بعد إنتهاء صلاحية الإتفاق وعندما يُسمح لإيران بتخصيب كميات غير محدودة من اليورانيوم؟

يرى هيسبورغ ثلاث سيناريوهات. من الممكن أن يقوم الشعب الإيراني بإسقاط نظام آيات الله لتصبح إيران دولة ديمقراطية وعلمانية. في هذه الحالة، كل الرهانات إزاء المسألة النووية تصبح غير مؤكدة. ولكن بالنظر إلى أنه حتى للشاه كانت هناك طموحات نووية، فليس من المستبعد أن إيران غير إسلامية ستسعى هي أيضا لبرنامح نووي عسكري، وإن كان من المرجح أن تقبل به القوى الغربية.

إذا نجحت الجمهورية الإسلامية في البقاء حتى نهاية الإتفاق النووي، يمكن توقع أن يقوم النظام بما قامت به الهند في عام 1974: بذل جهود لإظهار إقترابها من التحول إلى دولة حافة نووية ولكن من دون الإعلان عن عسكرة برنامجها، كما يقول. “هذا بالطبع يمكن أن يطلق شلالا من إنتشار الأسلحة النووية. كل بلد في المنطقة سترغب بالقيام بالشيء نفسه”.

ولكن عندما يبدأ بلد العمل على برنامج نووي معلن، يفرض عليه المجتمع الدولي عقوبات، ولذلك وللمفارقة قد تصبح إيران أقرب من التحول إلى دولة حافة نووية، ولكنها لن تجتاز ذلك.

إلا إذا تحولت السعودية بشكل مفاجئ إلى دولة قوية تشكل تهديدا حقيقيا على إيران، بالتالي فإن تجدد البرنامج النووي الإيراني العسكر لا يزال غير مرجح، وفقا لهيسبورغ. في الوقت الحالي، الرياض ليست قوية بما فيه الكفاية لتحاول إطلاق برنامج نووي عسكري خاص بها، كما يقول.

“مصلحة إيران الأساسية هي الإستمرار بكونها قوة مطلقة وليس مواجهة قوة نووية عربية. لذا إعتقد بأن إيران ستبقى في الواقع بعيدة عن تجاوز العتبة النووية”.

فقط في السيناريو الثالث سيكون من المنطقي لإيران، من ناحية إستراتيجية، السعي للحصول على قنبلة مع إنقضاء فترة الإتفاق. وفقا لهيسبورغ، “إذا كانت هناك دولة عربية قوية قادرة حقا على إحباط أطماع الهيمنة الإيرانية في سوريا والعراق والخليج، عندها ستجد إيران أن في مصلحتها السعي للنووي والمخاطرة برد إسرائيلي ومواجهة جولة جديدة من رفض مجموعة 5+1″، كما يقول. ويشدد على أنه “سيكون ذلك (فقط) رفضا في هذه المرحلة؛ لن يتم خرق أي إتفاق”.