إعلان السويد عن نيتها بالإعتراف بالدولة الفلسطينية أحدثت ضجيج إعلامي كبير في إسرائيل، وحتى أدت إلى شجار دبلوماسي خفيف، ولكنه فقط آخر حدث في سلسلة خطوات تقوم بها الدول الشمال أوروبية في الأسابيع الأخيرة التي أثارت غضب القدس.

في أواخر شهر سبتمبر، وزير الخارجية الدانماركي مارتين ليدغارد هدد “بخطوات جديدة، بما يتضمن تغييرات بعلاقتنا التجارية مع إسرائيل”، إن لم تجري مفاوضات وقف إطلاق النار مع حماس في القاهرة بالصورة التي يريدها الأوروبيون.

في بداية الشهر الجاري، وزير الخارجية الفنلندي اركي تووميويا حذر القدس بدوره بأن العلاقات التجارية وغيرها قد تتضرر إن لم تتقدم مفاوضات السلام في السرعة التي ترغب فيها هيلسنكي. الإتحاد الأوروبي قدم بما فيه الكفاية من الجزر، قال لصحيفة هآرتس، مضيفا: “يبدو بأنه هنالك حاجة لإمكانية العصي إن لم يكن هناك تقدمات، وعلى إسرائيل الإدراك بأنه هنالك ثمن للمماطلة”، قال.

وبعدها في يوم الجمعة، رئيس الوزراء السويدي الجديد ستيفان لوفين، من الحزب الديمقراطي الإستقراطي الذي غلب الحزب المعتدل المركز-يميني في الإنتخابات، صرح تصريحه الذي أصبح شهيرا في البرلمان. النزاع الإسرائيلي-فلسطيني. قال “يمكن حله فقط عن طريق حل دولتين الذي يحقق مطلب الطرفين لتقرير المصير والأمن، بالإضافة إلى الإعتراف المتبادل، لهذا السويد سوف تعترف بدولة فلسطين”.

ردة فعل الإسرائيليين كانت غاضبة بدرجات متفاوتة. نائب وزير الخارجية السابق داني ايالون قال عن القرار السويدي: بأنه “غير عادل، غير قانوني وغلطة سياسية”. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إكتفى بالقول بأن هذه الخطوات الأحادية “لن تقدم السلام، بل ستعيق السلام”.

الحاخام الدانماركي الأصل ميخائيل ملكيئور، وأيضا نائب وزير الخارجية سابق وحاليا الحاخام الرئيسي في النرويج، قال بأنه لا حاجة للغضب على خطوة ستوكهولم: “أستطيع تفهم الموقف الذي بحسبه يتوجب علينا الوصول إلى إتفاقية سلام، وحاليا لا يوجد أي مفاوضات”. الإعلان عن النية بالإعتراف بدولة فلسطينية “لا يأتي من دوافع معادية لإسرائيل”، قال ملكيئور، عضو سابق في حزب العمل.

ما المعادي في هذا الموقف؟ “إنهم يعترفون بفكرة الدولتين لشعبين ويقولون أنه هناك حاجة لبناء دولة فلسطينية مع الأخذ بالحسبان الإحتياجات الأمنية الإسرائيلية. نعم، يمكن القول بأن الإعتراف هو خطوة أحادية. كأن إسرائيل لا تتخذ خطوات أحادية في هذا النزاع بشكل يومي”.

هذا الأسبوع، دعت وزارة الخارجية سفير ستوكهولم في تل ابيب كارل ماغنوس نيسير إلى القدس، حيث المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية لشؤون أوروبا افيف شير اون عبر عن “قلق وخيبة أمل” إسرائيل من خطوة لوفين. إعتراف سابق أوانه بدولة فلسطينية “يؤدي إلى تدهور الأوضاع ويقلل من إحتمال الوصول إلى إتفاق لأنه يعطي الإنطباع الغير واقعي للفلسطينيين بأنهم يستطيعون تحقيق أهدافهم بشكل أحادي الطرف بدلا عن المفاوضات مع إسرائيل”، قال شير اون.

السفير “تقبل الملاحظات ووعد أن يعلم حكومته بالأمر”. وأكدت ستوكهولم بأنها لن تعترف بفلسطين “صباح يوم الغد”، ولكنها بالرغم من التقارير المضللة بالإعلام الإسرائيلي لم تغير قرارها.

دول شمال أوروبا لم تكن يوما من أقرب أصدقاء الدولة اليهودية، ولكن لماذا يبدو أنهم زادوا من نشاطاتهم المعادية لإسرائيل؟

في السويد، نظرة خاطفة على تركيبة الحكومة الجديدة قد تلمح إلى الجواب، بعض الوزراء لديهم تاريخ واضح من النشاطات المعادية لإسرائيل. مهمت كبلان وزير الإسكان الجديد من الحزب الأخضر. على سبيل المثال، شارك في أسطول المافي مرمرة التي سعت لكسر الحصار على غزة في عام 2012. والقوات الإسرائيلية إعتقلته ومن ثم نفته خارج حدود إسرائيل، وخلال عملية الجرف الجاري في الصيف الماضي، دعا إلى المظاهرة الداعمة لفلسطين “تحرير القدس”.

الميول المعادي لإسرائيل موجود أيضا عند بعض أعضاء الحكومة سويديون الأصل. وزير التعليم الجديد جوستاف فريدولين، أيضا من الحزب الأخضر، تظاهر ضد الحاجز الأمني بالقرب من رام الله في أواخر عام 2003، وتم إعتقاله على يد الجيش الإسرائيلي.

دول شمال أوروبا ليست موحدة في مواقفها إتجاه إسرائيل، وحتى بداخل نفس الحكومات هنالك فروقات، وحسب ما قال مارتين جيرشتنفيلد، المدير السابق لمركز القدس للشؤون العامة ومراقب مخضرم للميول المعادية للسامية ومعادية لإسرائيل في اسكندنافيا. وزير الخارجية النرويجي بورج براندي، مثلا ينتمي إلى الحزب المحافظ اليمين-مركز مع أنه “مشكلجي”، بينما وزير المالية سيف جينسن يمكن إعتباره “داعم جدا لإسرائيل”. الحكومة الدنماركية الحالية لم تكن “ودية” أصلا، ولكن عملية الجرف الصامد “على ما يبدو سرعت” موقفها حول إسرائيل، بحسب جيرشتنفيلد.

بعد النقاد يتهمون هجرة المسلمون المتزايدة للدول الشمال أوروبية بمواقفها الداعمة لفلسطين، ولكن الكراهية لإسرائيل من دوافع دينية أو قومية هي وجه واحد من أوجه المسألة، وليس المركب الأساسي بالمرة، بحسب عدة متابعين للموضوع.

بدلا عن ذلك، إنهم يشيرون إلى دعم دول شمال أوروبا الإعتيادي للأطراف الضعيفة في أي نزاع عالمي، “هناك تركيز على من هو القوي ومن هو الضعيف في اليسار الأوروبي، وبالأخص في اسكندنافيا”، قال يونتان راينهولد، عالم سياسي في جامعة بار ايلان. منذ سنوات السبعين يرافق هذا الشعور بكراهية لكل ما يعتبر كإستعمار، وأضاف: “إسرائيل معتبرة قوية ’وبيضاء’، ولهذا تعتبر مخطئة”.

ما دامت إسرائيل تتابع مفاوضات السلام مع الفلسطينيين، الأصوات المعادية لإسرائيل تبقى صامتة، فسر راينهولد: “من الصعب معارضة حل متفق عليه، هذا مثل أن تكون ضد شطيرة التفاح”، ولكن منذ إنهيار مفاوضات السلام هذا العام بدون أي نتيجة، بدأت معاداة إسرائيل بالظهور مجددا، حسب ما قال.

الناس في دول شمال أوروبا “لا تكره اليهود، إنهم ليسوا معادون للسامية بشكل واعي”، وشدد راينهولد: “ولكن تحاسب إسرائيل بمعايير مختلفة لأن إسرائيل واليهود هم قسم من الهوية الأوروبية ومن الخطاب السياسي الأوروبي”. للأحداث في الشرق الأوسط تأثير أكبر من الأحداث في افغانستان أو الصين، وأضاف: “هذا تمييز، ولكنهم لا يروه كهذا”.

العديد من الدول الأوروبية تسلط تركيز كبير على إسرائيل، ولكن ما الخاص بدول شمال أوروبا الذي يجعلهم يتصرفون بشكل بارد إتجاه إسرائيل؟

أحد الأسباب يقترح راينولد: هو أن حجمهم الصغير نسبيا يمكنهم من ترأس سياسات منتقدة لإسرائيل غير مسبوقة في أوروبا. دول أكبر كثل ألمانيا، بريطانيا أو فرنسا “عليها أن تكون حرصة أكثر لأن لها تأثير أكبر”.

مع هذا، هنالك دول أوروبية أخرى ذات مواقف قوية داعمة لفلسطين، مثل إيرلندا أو إسبانيا، ولكن حكوماتهم نادرا ما تبادر بخطوات معادية لإسرائيل. النرويج والسويد بالأخص لطالما كانوا في المقدمة في هذا المجال لأنهم لطالما كانوا “مهتمون جدا” في عملية السلام في الشرق الأوسط، بحسب راينهولد. الجميع يعلم بإتفاقية أوسلو، ولكن في سنوات التسعين ستوكهولم أيضا إستضافت محادثات هامة بين المسؤولون الإسرائيليون والفلسطينيون.

ولكن مع هذا، لا يجل النظر إلى العلاقات بين إسرائيل والدول الشمال أوروبية على أنها فقط سلبية، قال الحاخام ملكيئور، عضو الكنيست السابق الدانماركي الأصل: “للنرويج علاقات ممتازة مع إسرائيل”. وزير الخارجية النرويجي قام بزيارة إسرائيل مؤخرا وكان له محادثات طويلة وودية مع رئيس الدولة، رئيس الوزراء ومسؤولون كبار آخرون. وهكذا أيضا عند زيارة رئيس الدولة وقتها شمعون بيريس للعاصمة النرويجية في شهر مايو، تم إستقباله كإستقبال الملوك – حتى من قبل الملك هارالد الخامس. “أوسلو كانت مليئة بالأعلام الإسرائيلية”، قال ملكيئور.

هذا طبعا لا يعني أنه لا يوجد هناك ميول معادية للسامية أو معادية لإسرائيل، قال. وهذه المشكلة منتشرة بشكل خاص في نقابات العمال، وهذا يزيد الضغط على الحكومات، بالأخص عند حصول الأحزاب اليسارية على الحكم (كما حصل في السويد في الصيف).

ولكن، خلافا عن دول أوروبية أخرى، لا يوجد مجموعات في اسكندنافيا التي تعارض حق إسرائيل بالقيام بحدود آمنة، قال ملكيئور. بينما في بريطانيا، فرنسا، اليونان وإسبانيا هنالك منظمات ذات نفوذ كبير التي لا تتحدث عن حدود 1967، بل عن حدود 1948. في الدول الشمال أوروبية “الشعب لا يريد سواء إنتهاء الإحتلال والنزاع، والتوصل إلى حل منصف للفلسطينيين”، على الإسرائيليين إدراك أن هذه الدول تعتبر نفسها ودية للدولة اليهودية، وقال: “علينا النظر إلى موقفهم كإعتراض على عدم وجود أي مفاوضات في الوقت الحالي، وعلى أنه لا يوجد لإسرائيل أي إستراتيجية لإنهاء الإحتلال”.