تيرانا، ألبانيا (جتا) – في معظم الأماكن الأخرى في أوروبا المحتلة على يد النازية، كان من المرجح أن أي لقاء مع الشرطة كان سينهي مصير اللاجئين اليهود مثل نيسيم وسارة الدجيم وابنهما البالغ من العمر 10 سنوات، آرون.

ولكن، عندما كانت الشرطة قد اعتقلت الأسرة في دولة ألبانيا الإسلامية قبل 75 عاما، كان هذا الاعتقال مفتاح بقاءها على قيد الحياة.

كانت العائلة هاربة من بلغاريا عندما احتجزها خمسة من ضباط الشرطة العاملين في قوات الاحتلال. بدلا من تحويلهم إلى المحتلين، كما كان ينبغي أن يفعل مع الأجانب اليهود غير الموثقين، ساعد أحد رجال الشرطة عائلة الدجيم على إيجاد مأوى مع السكان المحليين الآخرين.

وبعيدا عن أن يكون ذلك غير اعتيادي في ألبانيا، فإن تصرفات هذا الضابط في عام 1943 – لم يتم التعرف عليه – تشهد على انتشار وشجاعة الجهود المبذولة لإنقاذ اللاجئين اليهود في هذه الدولة الواقعة شمال شرق اليونان. ربما تكون البلد الوحيد الذي احتله النازيون والذي كان فيه يهودا أكثر بعد المحرقة من ذي قبل.

يعود ذلك جزئيا إلى ما يطلق عليه السكان المحليون اسم بيسا، وهو تصرّف شرف محلي في سلوك حسن الجوار، حيث أن إنقاذ وبقاء 2000 يهودي على قيد الحياة على يد الألبان منذ عقود ظل مجهولا إلى حد كبير. ولكن بفضل الدراسات والأفلام الأخيرة، فإن تلك الاحداث تأخذ مكانه باعتبارها شعاع ضوء نادر خلال الأوقات التي كانت مظلمة حينها.

تظهر قصة عائلة الدجيم في فيلم وثائقي من عام 2012 بعنوان “بيسا: الوعد”. وهو يحكي قصة رفعت خوجا، الذي كان يدير محل المعجنات الذي تم أخذ أفراد الأسرة اليه على يد ضابط الشرطة وترتيب مأواهم.

يتبع الفيلم القصة غير المتوقعة عن كيفية قيام ريكسب، ابن خوجا، قبل عقد من الزمن بإرجاع ثلاثة كتب للصلاة اليهودية إلى أفراد عائلة الدجيم الذين يعيشون في إسرائيل. خلال الحرب، أعطى الضيوف اليهود كتب الصلاة إلى خوجا لحفظها حيث أخبأها في منزله لمدة نصف عام.

كما هو الحال مع العديد من اليهود الآخرين الذين نجوا في ألبانيا – معظمهم لاجئين من اليونان المجاورة وإيطاليا وبلغاريا وصربيا – كان إنقاذ عائلة الدجيم “سرا مفتوحا”، قال ريكسب خوجا لجي تي ايه، وهو أب لطفلين ولد في عام 1950. “لم تعرف الشرطة فحسب، بل عرف جميع الجيران كذلك. كانت هناك حلقة من الصمت. إنه شيء مرتبط بثقافتنا. أنت لا تخون ضيفك، وبالتأكيد لا تخون جارك”.

من أجل استيعاب عائلة الدجيم، قام خوجا الذي توفي في عام 1987 باغلاق مخبزه في أكثر الأوقات ازدحاما من السنة، حيث جلبت الشرطة اليهود إلى متجره قبيل عطلة عيد الفطر، ونقلتهم إلى منزله، حسب ما يتذكر آرون الدجيم في الفيلم. ثم وضعهم في غرفة عاش فيها أصهاره الذين انتقلوا مؤقتا لإفساح المجال للنزلاء.

“كان جدي رجل دين مسلم. أن يغادر منزله ويفسح المجال لهذه العائلة اليهودية، ليس هناك تسامحا أكثر جمالا من هذا” قال ريكسب خوجا. اعترفت إسرائيل بوالده بعد وفاته في عام 2015 كرجل حق بين الأمم – وهو اللقب الفخري الذي أعطته الدولة اليهودية لغير اليهود الذين خاطروا بحياتهم لإنقاذ اليهود خلال المحرقة.

في كثير من الحالات، عرف العديد من أفراد عائلات الإنقاذ بهذه الأعمال وشاركوا بها، وفقا لمقال صدر عام 2008 لباحثي ياد فاشيم.

وقال المقال “ان ذلك شمل الاسرة الموسّعة وحتى بعض الاصدقاء المقربين”. “في كثير من الأحيان تم توزيع اليهود بين الأقارب والأصدقاء”.

اشار المقال الى ان بعض اليهود الذين كانوا مختبئون – وخاصة المجموعة المكونة من 200 يهودي المولودين فى ألبانيا والذين نجوا من الحرب – كانوا يشعرون بالأمان الكافي لتشغيل المحال الصغيرة خلال سنوات الاحتلال. بعضهم لم يختبئ أبدا، بسبب ثقتهم في جيرانهم الذين لم ينكرون وجودهم ويحذروهم قبل عمليات التفتيش.

ألبانيا لديها حاليا 75 من ما يسمون غير اليهود الصالحين. هذا يعتبر عدد قليل من حيث القيمة المطلقة ولكن، اذا تم فحصه نسبيا، فانه يعني أن اليهودي هناك كان سينجو ما لا يقل عن 10 مرات أكثر مما كان عليه في ليتوانيا، التي فيها ما يقارب 900 من غير اليهود الصالحين، أو بولندا، التي لديها 6،706.

في العام الماضي، استضافت وزارة الخارجية الألبانية مؤتمرا في تيرانا احتفالا باليوم الدولي لإحياء ذكرى المحرقة (الذي ينعقد هذا العام في 27 كانون الثاني / يناير) بعنوان “نحن نتذكر: تعزيز حقوق الإنسان من منظور تعليم المحرقة وإحياء الذكرى”.

لا تزال آثار جانب ضيافة البيسا مرئية اليوم في المناطق الريفية في ألبانيا، وهي جمهورية أدرياتيكية تنحدر منها الجبال الخضراء والسوداء وفيها آلاف المستودعات والمخازن التي كانت مهجورة ومتطورة في عهد الحرب الباردة والتي بناها الدكتاتور الشيوعي إنفر خوجا (لا علاقة له برفعت).

قال بيترت زوربا، عالم الأرصاد الجوية ومدير جمعية الصداقة بين ألبانيا وإسرائيل: “إذا كنت مسافرا للعمل وأعلق في مكان ما، كل ما أحتاجه هو طرق باب أحد الأشخاص، ويكون لدي مكان للنوم في الليل”.

غالبا ما يشير السائقون للآخرين بأضواءهم للتحذير من فخاخ السرعة في تيرانا، مدينة فوضوية ولكنها نظيفة مكونة من مليون شخص حيث يسمع صوت الاذان للصلاة من مسجد إذم بي عدة مرات في اليوم عبر ميدان سكاندربيغ الرئيسية.

بحسب زوربا، فإن إنقاذ اليهود في ألبانيا هي “مسألة تقليدية، ولا علاقة لها بالدين”. ياد فاشيم ليس لديه فكرة عن الدور الذي لعبه الدين في جهود الإنقاذ. لكن بابا موندي، زعيم الطائفة الشيعية بكتاشي السرية، ومقرها في ألبانيا، يقول إن دور الدين في الإنقاذ كان مركزيا وغير مباشر في نفس الوقت.

بابا موندي، زعيم طائفة بكتاشي للمسلمين الألبان، في مكتبه في تيرانا، 7 نوفمبر 2017. (Cnaan Liphshiz/JTA)

“في ألبانيا هناك تقليد التسامح الديني”، قال بابا موندي لجي تي ايه في نوفمبر تشرين الثاني، مرتديا ردائه الأبيض والأخضر التقليدي وقبعة التي تشبه الطربوش. “أنا لا أمانع ان يتزوج أطفالي يهودي، مسيحي، أيا كان. لذا، في حين أن الإنقاذ ربما لم يأت من وصية دينية، فقد تطور في بيئة دينية حيث يعتبر كل البشر البشر إخواننا”.

وأجرى المقابلة في المركز العالمي لطائفته – وهو بنية قبة رائعة مع 12 قوسا تم افتتاحها في الضواحي الشرقية للمدينة في عام 2015. يتميز سقفها المزخرف بتصميمات عربية ورموز الشمس التقليدية في مذهب البكتاشي مرتبة حول برج مرتفع. في الأيام المشمسة، تعكس وتضخّم القبة الذهبية الضوء الذي يأتي من أعلى جبل داجتي المثلج الذي يطل على تيرانا.

في حديثه عن إنقاذ اليهود، رفض بابا موندي الكشف عن أي شيء جوهر لعادات طائفته، التي اضطهدها مسلمون آخرون لعدة قرون لتفسيراتها الصوفية للإسلام.

بالإضافة إلى بيسا، فإن الطبيعة الحميدة نسبيا للاحتلال الألماني قد لعبت أيضا دورا في الطريقة التي كان الألبان أكثر استعدادا لاتخاذ اليهود من البولنديين والأوكرانيين وغيرهم في جميع أنحاء أوروبا المحتلة.

قال دانيال بيريز، المؤرخ الذي كتب عام 2013 عن سنوات المحرقة في ألبانيا في كتاب بعنوان “جلب الماضي المظلم الى الضوء”: “لم تسعى السلطات الألمانية بقوة إلى ترحيل اليهود من ألبانيا أو إبعادهم أو إبادتهم بعد احتلال البلاد في تشرين الثاني / نوفمبر 1943”.

لكن آرون الدجيم يقول إنه شهد حقيقة مختلفة.

“كان الألمان يحكمون هناك وعلى كل شجرة، على كل عمود كهربائي رأينا اعضاء الحزب متواجدون – كثيرا منهم شنقوا لتخويف الناس من عدم إخفاء اعضاء الحزب واليهود”، قال في الفيلم.

الألمان، الذين حلوا محل الإيطاليين في عام 1943 كقوة احتلال في ألبانيا، لم يكونوا الوحيدين الذين كان على خوجا أن يراقبهم، وفقا لابنه.

قال ريكسب خوجا: “إن وجود كتاب ديني، يهودي أو مسلم، لم يكن فكرة جيدة لأسرتنا، التي كان لديها رجل دين، في ظل الشيوعية”. “ان أي اتصال مع اليهود او اسرائيل، التي قيل لنا انها عدوة للاشتراكية، كان غير صائب”.

إن ثقافة الصمت تحت الشيوعية تفسر جزئيا لماذا ظل إنقاذ اليهود الألبان مجهولا نسبيا لعدة عقود، وفقا لما ذكره باحثو ياد فاشيم. كتبوا أن بصمة العصر الشيوعي تسببت في “تخوف الناس من الارتباط بمجموعة المقاومة “الخاطئة”، حتى بعد تغيير النظام”.

والألبان كان لديهم بعض الجماعات المقاومة الخاطئة جدا. أبرزها شعبة وافن الأول الألباني، التي يسيطر عليها مئات من الألبان الإثنيين – كثير منهم من البوسنة وكوسوفو، التي كانت مقسمة إلى جانب ألبانيا أثناء الاحتلال الألماني والإيطالي. قال بيريز ان تفاصيل انشطتهم غامضة لكنهم معروفون بانهم اعتقلوا اليهود الذين ينتمون الى مجموعة لا تقل عن 249 يهوديا من كوسوفو الذين انتهى بهم المطاف الى معسكر الابادة بيرغن-بيلسن فى المانيا.

لكن وفقا لبعض المؤرخين، تم نقل العديد من اليهود الذين تم اعتقالهم من قبل المتعاونين الألبان إلى معسكرات دون أمن جدّي في ألبانيا، حيث ظلت الغالبية العظمى على قيد الحياة في تحد لأوامر وسياسة ألمانيا بشأن اليهود.

بسبب هذه التعقيدات والرقابة على الشيوعية، نشر أول سرد مكتوب لقصة الإنقاذ في وقت متأخر نسبيا، في عام 1992، بعد سقوط الشيوعية.

واحدة من القصص الأولى التي ظهرت على شكل موثق لبيكر قوقا، وهو خياط مسلم الذي في عام 1943 أخذ صديقه اليهودي باسم أفرام إلياساف غاني من مدينة فلوري، بعد أن اعتقل الألمان شقيق غاني.

كان قوقا، الذي تم تكريمه بأنه رجل حق بين الأمم في عام 1992 وتوفي في عام 2005، يستضيف غاني في خطر كبير في منزله في تيرانا، حيث كان قوقا يعيش مع زوجته نايل، وابنة واحدة على الأقل، وفقا لفاتوس ابن قوقا.

قال فاتوس البالغ من العمر 67 عاما ولديه طفلان: “قال لي أحد المخرجين اليهود إنه إذا طلب منه المخاطرة بحياة طفله لإنقاذ رجل آخر، فلن يفعل ذلك”. “لكني سأفعل بالضبط كما فعل والدي. انها بيسا”.

كما كانت أوائل التسعينيات هي الوقت الذي أصبحت فيه المجتمعات الأوروبية على علم بالجانب المظلم من عادات الشرف الألبانية: قتل الرجال، بما في ذلك الأبرياء، في الخلافات الدموية وجرائم الشرف التي يمليها القانون الألباني. وقد كلفت آلاف الأرواح وأرسلت آلافا عديدة إلى المنفى كطالبي لجوء.

على الرغم من قسوة نظام القانون الألباني، إلا أن الألبانيين العاديين وجدوا أن العنف النازي ضد اليهود لا يقبله الضمير لأنه يستهدف النساء والأطفال، وفقا لما ذكره إليعازر بابو، الباحث عن تاريخ البلقان اليهودي في جامعة بن غوريون في النقب في إسرائيل.

وقال بابو “ان الانسانية المشتركة، والتي انحدرت في الروح الالبانية ومبادئ القبلية الالبانية، اجبرت هؤلاء الناس على انقاذ اليهود”. وفي حين أن “الرجال الذين يقتلون رجالا آخرين يشكلون جزءا من الحياة في التقاليد الألبانية، فإن استهداف النساء هو بشاعة لا توصف”.

وأشار الى ان قتل عشرات الرجال من اسرة واحدة للانتقام بسبب قتل واحد فقط من عشيرة معادية هو أمر عادي في البانيا.

وقال بابو “لكن هذه العائلات المتعادية نفسها ستخاطر بكل شيء لانقاذ بنات بعضهم البعض”.