قبل أسبوعين، وصل وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي في زيارة للرئيس الفلسطيني محمود عباس في قصره الرئاسي في رام الله.

كما تمت دعوة نظيره المصري سامح شكري. وكانت الصور من الحدث تهدف لعرض اثنين من جيران إسرائيل إلى جانب عباس. وخاضت الدولتان حروبا متعددة مع إسرائيل، ووقعت كلا البلدين معاهدات سلام تاريخية مع إسرائيل، وستعيدا تأكيد التزامتهما بالقضية الفلسطينية ومعارضتهما لضم إسرائيل المخطط لأجزاء من الضفة الغربية.

ولكن عندما حان الوقت، كان أحد الوجوه مفقودا من الصورة. أكد مسؤول رفيع في حركة فتح، جبريل الرجوب، في مؤتمر صحفي عقده في رام الله الأحد الماضي، أن شكري ألغى خططه للحضور تحسبا لقضايا ملحة أخرى على جدول الأعمال المصري.

وقد يرمز عدم ظهور شكري إلى موقف الحكومة المصرية المتناقض تجاه خطة إسرائيل. وبينما أعربت مصر عن قلقها بشأن خطة الضم، فإن القضية الفلسطينية ربما لم تعد الأولوية الرئيسية للنظام.

وقال عوفر وينتر، الذي يدرس العلاقات المصرية الإسرائيلية في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب: “هناك أزمات أكبر بكثير تواجه مصر اليوم: أزمة فيروس كورونا والعواقب الاقتصادية المصاحبة لها، التدخل العسكري التركي على أطول حدود مصرية، سد النهضة الإثيوبي. كل هذه الأزمات لها الأولوية على قضية الضم”.

وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي (إلى اليسار) يلتقي برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في رام الله، 18 يونيو 2020. (Wafa)

وأعلنت حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنها ستسعى لضم 30% من الضفة الغربية المخصصة لإسرائيل بموجب خطة إدارة ترامب للسلام – وبالتحديد جميع المستوطنات إلى جانب غور الأردن الاستراتيجي – في 1 يوليو من العام الجاري.

وقد لاقى احتمال الضم من جانب واحد ادانات دولية، وحذرت كل من الأمم المتحدة، الدول الأوروبية والعربية، وكبار أعضاء الحزب الديمقراطي الأمريكي، الحكومة الإسرائيلية من هذه الخطوة.

وكانت القاهرة حذرة في انتقادها للخطة. وقال محللون لتايمز أوف إسرائيل إن الحكومة المصرية، التي تتعامل مع تفشي خطير لفيروس كورونا في الداخل وتواجه العديد من الأزمات على حدودها، لا يمكنها تحمل عزل الحلفاء المقربين، وخاصة إسرائيل والولايات المتحدة.

وعلى النقيض من ذلك، يبدو أن المسؤولين الأردنيين يعملون على مدار الساعة لمنع الضم الإسرائيلي المخطط له. وقال رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز في شهر مايو أنه إذا قامت إسرائيل بالضم، فإن الأردن ستدرس مراجعة جميع جوانب علاقتها باسرائيل، بما في ذلك معاهدة السلام التاريخية لعام 1994.

وحذر الملك عبد الله الثاني في مقابلة مع صحيفة “دير شبيغل” الألمانية في منتصف مايو من أنه في حال قامت إسرائيل “بالفعل بضم الضفة الغربي في يوليو، سيؤدي ذلك إلى صراع كبير مع المملكة الهاشمية الأردنية”.

ومع سكان معظمهم من الفلسطينيين، فإن معركة الأردن من أجل الحفاظ على الوضع الراهن هي عنصر أساسي في أمنها القومي. وبينما تعتمد الأردن على إسرائيل اقتصاديا وأمنيا، فإن الحفاظ على معاهدة السلام مع إسرائيل بعد الضم يمكن أن يوجه ضربة خطيرة لشرعية الحكومة.

قال وينتر لتايمز أوف إسرائيل إن “كل ما يحدث بين إسرائيل والفلسطينيين يؤثر بشكل مباشر على الأردن، أكثر من نصف سكان الأردن فلسطينيين. مصر أقل عرضة للخطر، بسبب هذه الحقيقة الديموغرافية”.

ولذا انتقد المسؤولون المصريون الضم بعبارات عامة، دون تهديد علني بتغييرات في علاقتهم بإسرائيل.

“لدى وزير الخارجية شكري قلق عميق إزاء التقارير المتداولة حول خطط الضم من قبل الحكومة الإسرائيلية في مناطق الضفة الغربية، وعواقب هذه الخطوة على السلام والأمن الإقليميين، ويؤكد رفض مصر لأي إجراءات أحادية مخالفة للقانون الدولي”، قال مكتب شكري في بيان يوم 24 يونيو.

العاهل الأردني الملك عبد الله يلتقي برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في عمان، 18 ديسمبر 2018. (Wafa)

وذكر البيان إن الحكومة المصرية تدعم حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني على أساس مبادرة السلام العربية لعام 2002.

وقال وينتر: “ستعتبر مصر ذلك نهاية عملية السلام. من وجهة نظرهم، هذا أيضا ليس في مصلحتهم. إنهم يريدون أن يروا حلا يوفر حقوق الفلسطينيين، لكنهم سيفعلون ذلك بطريقة تتوافق مع المصلحة المصرية”.

على عكس العاهل الأردني الملك عبد الله، لم يعلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي علنا على الضم المخطط له منذ ديسمبر، عندما رفض تعهد نتنياهو بضم أجزاء من الضفة الغربية باعتباره مجرد “وعود حملة انتخابية”.

ولكن يدعم السيسي عامة خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام، والتي هي أساس الضم المخطط له. وإذا تم تنفيذ خطة ترامب بصورتها الحالية، فستتلقى مصر مساعدات بحوالي 9.167 مليار دولار.

وقال السفير الإسرائيلي السابق لدى مصر يتسحاك ليفانون لتايمز أوف إسرائيل: “السيسي يجلس بهدوء، خلف الكواليس، يستمع، وينتظر أن يرى شكل الضم الذي ستنفذه إسرائيل”.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتحدث أثناء لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فندق إنتركونتيننتال باركلي، خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة، 23 سبتمبر 2019، في نيويورك. (AP Photo/Evan Vucci)

أزمات في عدة جبهات

وبدا أن السيسي في ذروة سلطته. ومنذ وصوله إلى السلطة في انقلاب عسكري في عام 2013، عزز السيسي العلاقات مع الولايات المتحدة، وأيضا إسرائيل ودول الخليج. وأصبحت مصر الاقتصاد الأسرع نموا في الشرق الأوسط، وحصلت على الثناء والمساعدات من صندوق النقد الدولي. وفي حملة قمع شاملة، سجن النظام أو نفى عناصر التحالف الثوري الليبرالي والإسلاميين الذين أطاحوا بالرئيس السابق حسني مبارك.

وفي ليبيا المجاورة، بدا أن دعم السيسي لانقلاب خليفة حفتر عام 2014 ناجحا. وفي الحرب الأهلية اللاحقة، غزت قوات حفتر نصف البلاد وبدأت تقترب من عاصمة الحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة في طرابلس.

لكن مصر اليوم هي بلد يشهد بأزمات ملحة داخلية وخارجية.

وبعد التدخل العسكري التركي في ليبيا بداية هذا العام، خسر حفتر عدة معارك هامة. وللحفاظ على الوضع الراهن، أمر السيسي الجيش المصري بإرسال قوات برية إذا عبرت الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة محور سرت – الجفرة، الذي تقول حكومة طرابلس إنها تنوي القيام به.

وفي الوقت نفسه، وجهت أزمة فيروس كورونا في مصر ضربة خطيرة لاقتصاد البلاد، الذي يعتمد بشكل كبير على السياحة وتحويلات المصريين العاملين في دول الخليج. وقد تكبد كلا المجالين خسائر فادحة نتيجة الوباء.

وخلال الأشهر الأولى من تفشي المرض، نفت الحكومة المصرية خطورة الوباء وطردت الصحفيين الذين أبلغوا عن أدلة على أن عدد حالات الإصابة تجاوز بكثير توقعات الحكومة. ولكن مع ارتفاع حالات الإصابة المؤكدة إلى أكثر من 1500 حالة جديدة في اليوم، لم تعد القاهرة قادرة على إنكار الخسائر التي تسببها كوفيد-19 في جميع أنحاء البلاد.

مصريون يتجمعون في وسط القاهرة أثناء انتظارهم لفحص فيروس كورونا، 8 مارس 2020. (Khaled DESOUKI / AFP)

وتوفي العديد من كبار ضباط الجيش، على الرغم من قدرتهم الوصول الى مرافق الرعاية الصحية العسكرية الحصرية. والمستشفيات مكتظة بالحالات مثل شوارع القاهرة المزدحمة. وأظهرت مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي رجال ونساء مصابين بالفيروس يجلسون خارج المستشفيات، ينتظرون مصيرهم.

لكن القاهرة تعتقد أن التهديد الأخطر يأتي من الجنوب، حيث تمضي إثيوبيا في خطة لبناء سد ضخم لتوليد الطاقة الكهرومائية في النيل، تقول الحكومة المصرية إنه سيقلل بشكل كبير من كمية المياه التي تصل مصر كل عام.

ومعظم اراضي مصر صحراوية، وتتركز الغالبية العظمى من مدن وبلدات البلاد حول النيل. ويعيش عشرات الملايين من المصريين على ضفافه ويعتمدون على النهر للزراعة ومياه الشرب.

وقال محلل لشؤون الخارجية المصرية لتايمز أوف إسرائيل شريطة عدم الكشف عن هويته: “سد النهضة الإثيوبي الكبير هو، حرفيا، قضية حياة أو موت بالنسبة للقاهرة. ليس رام الله، وليس الضم. في العقلية الاستراتيجية المصرية، لماذا نضيع وقتنا على ذلك؟”

وأعلن مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي يوم السبت أنه من المقرر أن تبدأ إثيوبيا ملء سد النهضة خلال الأسبوعين المقبلين. وفي حين أن المفاوضات جارية، ألمحت كل من مصر وإثيوبيا إلى الاستعداد في توظيف الحلول العسكرية.

وقال وينتر إن سد إثيوبيا قد لا يؤثر على علاقات مصر مع إسرائيل بشكل مباشر، لكن مصر تحتاج إلى دعم أمريكي لموقفها. وقد يؤدي الاشتباك مع إسرائيل بشأن الضم إلى إثارة الغضب في واشنطن، التي تدعم الضم المخطط له.

“مصر تعتمد على الولايات المتحدة، وهي بحاجة لدعم الولايات المتحدة لموقفها ضد إثيوبيا بشأن سد النهضة. لهذا، فإنهم لا يريدون الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة بشأن إسرائيل والضم”، قال وينتر.

وقال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في بيان في شهر فبراير، عقب انهيار المفاوضات التي توسطت فيها الولايات المتحدة بشأن مستقبل سد النهضة، أنه ليس من واجب أمريكا “فرض حل” على دول حوض النيل.

العلاقات المقربة مع إسرائيل

منذ الانقلاب العسكري عام 2013، سعى نظام السيسي إلى علاقات أوثق مع إسرائيل، لدرجة أن السفير السابق في مصر حاييم كورين وصف العلاقات الحديثة بين البلدين بـ”أفضل علاقات تكون لدينا حتى الآن”.

وتعتمد مصر على إسرائيل للتعاون العسكري في شبه جزيرة سيناء، حيث استمر تمرد عنيف لعدة سنوات. “السيسي لا يستطيع اليوم القتال في سيناء بدون إسرائيل. على الرغم من جيشه الكبير، لم يتمكن التعامل مع تنظيم الدولة الإسلامية هناك”، قال ليفانون.

الرئيس المصري فتاح السيسي (يسار)، ورئيس الوزراء الإثيوبي هايلي مريام ديسالين، (يمين)، يتصافحان بعد مؤتمر صحفي في القصر الوطني في أديس أبابا، إثيوبيا، 24 مارس 2015 (AP Photo / Mulugeata Ayene / File)

وقال وينتر إن إسرائيل ساعدت أيضا في عودة مصر إلى علاقات جيدة مع الولايات المتحدة بعد انقلاب السيسي.

وفي عام 2013، علقت الولايات المتحدة لفترة وجيزة المساعدات العسكرية التي قيمتها 1.3 مليار دولار والتي تقدمها سنويا لمصر، وفقا لقانون أمريكي يحظر المساعدة للدول التي تم عزل حكوماتها في انقلاب عسكري. وتأخرت إدارة أوباما في الاعتراف بالحكومة المصرية الجديدة حتى العام التالي.

وكان من الصعب على الأمريكيين خلال إدارة أوباما قبول الانقلاب غير الديمقراطي في مصر. وقال وينتر إن إسرائيل ساعدت مصر في الحصول على الاعتراف ودعت الولايات المتحدة إلى تجديد مساعدتها لمصر.

كما نمت العلاقات الاقتصادية بين البلدين بشكل أقوى. وفي شهر يناير، وقعت مصر وإسرائيل وعدة دول إقليمية أخرى على منتدى شرق المتوسط للغاز، الذي يعزز التعاون الإقليمي في قضايا الغاز الطبيعي. وبدأت مصر استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل في وقت سابق من هذا العام.

وفي الوقت نفسه، توترت علاقات مصر مع الفصائل الفلسطينية. وكانت حركة حماس الفلسطينية، التي تسيطر على قطاع غزة، في الأصل فرعا لجماعة الإخوان المسلمين. وتولى نظام السيسي السلطة من خلال الإطاحة بالإخوان المسلمين في مصر والذي يعتبر التنظيم جماعة إرهابية.

كما قام النظام بقمع النشطاء المؤيدين للفلسطينيين في الداخل، واعتقل رامي شعث، المنسق المصري لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، بتهمة الانتماء إلى “منظمة إرهابية”.

وقال المحلل المصري لتايمز أوف إسرائيل إن “هناك تعاطف واسع النطاق مع الفلسطينيين، وهذا لن يزول… لكن أهمية القضية الفلسطينية لم تعد كما هي. اليوم ليس عهد الناصر أو عهد السادات”.

وقال المحلل أنه إذا تم الضم، فسيكون على القاهرة الرد بطريقة أو بأخرى. لكنه شكك في أن يكون الرد المصري أكثر من مجرد خطاب، قائلا إن النظام ببساطة لا يعتبر القضية مصلحة أساسية.

يتسحاك ليفانون في اجتماع سفراء في القدس، ديسمبر 2010 (Yossi Zamir / Flash90)

“سيكون هناك بضعة بيانات – ستشير الى أوسلو وجنيف ومبادرة السلام العربية. سيستمرون في إعادة صياغة البيانات الدبلوماسية القديمة للتعبير عن عدم موافقتهم على الضم. لكنني لا أعتقد أن علاقة نتنياهو بالسيسي ستتأثر”.

وقال ليفانون إن نطاق الضم يمكن أن يقرر مدى شدة الرد المصري.

إذا ضمت إسرائيل الكتل الاستيطانية، فقد يكون هناك رد مصري “معتدل” فقط ، ولكن إذا ضمت إسرائيل المنطقة C بطريقة تمنع قيام دولة فلسطينية في المستقبل، فسيكون من الصعب على مصر تجنب الرد، قال ليفانون.

“هل سيكون الضم لدغة صغيرة يمكن للمصريين تقبلها، أو أكثر مما يمكنهم قبوله؟” سأل ليفانون.

ما هي الخيارات المتاحة أمام مصر للرد على الضم الإسرائيلي، إن تختار القيام بذلك؟ الخيارات محدودة، قال وينتر.

وقال وينتر إن “المشكلة بالنسبة لمصر هي أنها تعطي أقل بكثير لإسرائيل في علاقاتها، ولهذا لديها أقل بكثير ما تهدد إسرائيل به. الطريقة الوحيدة التي يمكنها فيها أن تضر بالطموحات الإسرائيلية ستكون من خلال الانسحاب من منتدى الغاز، ولكن ستضر مصر نفسها بذلك، لأنها مصلحة مشتركة”.

ولم ترد السفارة المصرية في تل أبيب على طلب للتعليق.