مساء الجمعة قبل 4 أشهر، جاء صديق من الولايات المتحدة إلى زيارتي في منزلي في كيبوتس “ناحال عوز”، أقرب مكان في إسرائيل إلى غزة.

800 مترا فقط من الأراضي المفتوحة، مع سياج في الوسط، تفصل بين ناحل عوز وقطاع غزة. على الطرف الآخر من السياج يقع حي “الشجاعية” في مدينة غزة الذي تعرض للتدمير شبه الكامل في العام الماضي، عندما خاض الجيش الإسرائيلي وحماس حربا من الباب إلى الباب في شوراعه.

“ناحل عوز” هو جنة خضراء، مع أشجار طويلة وملئية بالأوراق ومساحات خضراء طويلة من العشب الأخضر، التي تحيط بمنازل بيسطة من طابق واحد. “الشجاعية” هو حي مكتظ بالسكان لا توجد فيه تقريبا أية مساحات خضراء، حيث يعيش عشرات الآلاف من السكان في مبان عالية قبيحة، وسط أكوام من الأنقاض. من طريق لوصول إلى “ناحل عوز”، بإمكانك أن ترى بسهولة أكوام ضخمة من التراب والغبار في “الشجاعية” التي كانت يوما مبان متعددة الطوابق، ولكنها تم هدمها بيد الجيش الإسرائيلي بعد أن إستخدمتها حماس لإطلاق الصواريخ. أنقاض هذه المباني بقيت في مكانها منذ الحرب الأخيرة.

صديقي الضيف أراد إلقاء نظرة على غزة، فذهبنا إلى نقطة عند طرف الكبيبوتس تسمح بإلقاؤ نظرة واضحة عبر الحدود. في طريقنا ممرنا بجانب بركة الكيبوتس، مع مياها الصافية والباردة. كانت الساعة الثامنة مساءا وكانت الشمس في طريقها إلى دخول البحر المتوسط، ولكن في حين أنه على جانبنا من الحدود بدأت مصابيح الشوارع بالإنارة، في “الشجاعية” كل شيء ظل مظلما. ليس فقط الشوارع؛ كذلك المنازل والشقق الظاهرة أمامنا، والتي تؤوي المئات إن لم يكن الآلاف من الأشخاص. لو كنا عدنا إلى هذه النقطة بعد ساعتين، فكنا بالكاد سنرى أي شيء عبر الحدود. أعيش في “ناحال عوز” منذ عام تقريبا وذهبت إلى نقطة المراقبة عشرات المرات، ولكن مرة واحدة في الليل. إن النظر إلى الظلام الدامس وإدراك أن الكثير من الأشخاص يعيشون به هو أمر يبعث على الكآبة.

كيبوتس ناحال عوز، على حدود قطاع غزة (Amir Tibon/Times of Israel)

كيبوتس ناحال عوز، على حدود قطاع غزة (Amir Tibon/Times of Israel)

بعد النظر إلى الدمار عبر الحدود، عدنا إلى منزلي لتناول عشاء السبت. جلسنا على شرفة خشبيه مع كؤوس نبيذ وتمتعنا بالنسيم البارد القادم من شاطئ غزة. على بعد 6.5 كيلومترات فقط. المشهد كان رائعا، مثل مشهد من إعلان سياحي. عندها، من دون أي إنذار، بدأ إطلاق النار.

بداية، كان سلاحا واحدا فقط الذي كسر هدوء الليل. بعد ذلك، تبعه المزيد، إطلاق نار في السماء. كان ذلك إحتفالا، حرفيا – في الساعة التاسعة مساء نشرت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية على موقعها نتائج خريجي المدارس الثانوية للعام الدراسي 2014-2015. العائلات التي حصلت عائلاتها على علامات مرتفعة، جيدة بما فيه الكفاية لدخول الجامعة، إحتلفت من خلال إطلاق وابل من الرصاصات فوق رؤوسهم، وهذه ليس بممارسة غير شائعة في هذا الجزء من العالم.

في حين أن الغزيين إحتفلوا بإنجازاتهم الأكاديمية، جاءت مجموعة جديدة من اأصوات من الجنوب؛ على بعد 56 كيلومترا منا، على الجانب المصري مع غزة، سلاح الجو المصري كان يقوم بقصف أهداف للإرهابيين في إطار حربه الجارية ضد المنظمات التابعة لتنظيم “الدولة الإسلامية” في سيناء. بالكاد إستطعنا سماع القصف المصري، ولكن كان من المستحيل عدم الشعور بالترددات الصادرة عنه. كل بضعة دقائق، إهتزت منازلنا قليلا. بين القصف والألعاب النارية، إنهينا وقمنا بإحضار الكرز الطازج والشاي. مر الجيران بالقرب منا، البعض حملوا أطفالهم، وآخرون ساروا مع كلابهم. لم يبدو القلق على أي أحد بالمرة.

’يبدو ذلك كمنتجع مذهل إلى جنانب منطقة حرب’

في الساعة 10:30 سرنا بكسل من منزلنا إلى حانة الكيتوتس، التي كانت مكتظة بالناس – خليط من السكان المحليين والطلاب من كلية “سابير” القريبة (في مدينة سديروت) وجنود من قاعدة عسكرية قريبة. قال صديقي صارخا للتعلب على صوت الموسيقى والثرثرة من حولنا، “لا أستطيع أن أصدق أن هذا المكان يبعد 5 دقائق عن غزة”. وأضاف، “يبدو ذلك كمنتجع مذهل إلى جنانب منطقة حرب”.

أعجبني الوصف، ولكن خلال الـ11 شهرا التي قضيتها في “ناحال عوز”، صغت واحدا أفضل، إستخدمه تقريبا في كل محادثة حول العيش هنا. أقول للناس أن “ناحال عوز” مثل الجنة. ولكن شاء القدر أنها تقع على حافة الجحيم.

اطفال اسرائيليون يلعبون امام جدار اسمنتي وقائي ملون في كيبوتس ناحال عوز، 6 يوليو 2015 (Miriam Alster/FLASH90)

اطفال اسرائيليون يلعبون امام جدار اسمنتي وقائي ملون في كيبوتس ناحال عوز، 6 يوليو 2015 (Miriam Alster/FLASH90)

مكان آمن وسط هجمات الطعن

موجة الإرهاب الحالية في إسرائيل والضفة الغربية – التي يصفها بعض الناس بأنها إنتفاضة – كان الشعور بها في الأساس في القدس، ولكن منطقة حدود غزة لم تكن بالهادئة أيضا. في 4 أكتوبر، تم إطلاق صاروخين مباشرة على “ناحال عوز”، للمرة الأولى يحدث أمر كهذا منذ 2014.

في “ناحال عوز، عندما تنطبق صفارات الإنذار، أمامك 7 ثوان للوصول إلى الملجأ. منظومة “القبة الحديدية”، التي تحمي أجزاء واسعة من إسرائيل من الصواريخ والقذائف، لا تغطي منطقة حدود غزة – فالمسافة قصيرة جدا. هذه المرة، إنطلقت صفارات الإنذار بينما كنت في الحمام، ما يعني أنه كان أمامي متسع من الوقت يسمح لي فقط بتناول منشفة والجري إلى “الغرفة الآمنة” الخاصة بنا (عرفة تشبه القبو تم وضعها في كل منزل في الكيبوتس). لحسن الحظ، سقط كلا الصاروخين في مناطق مفتوحة، من دون التسبب بأضرار.

في الأسابيع التي تلت ذلك، كان هناك عدد من الإحتجاجات العنيفة عند السياج الحدودي، أسفرت عن وقوع ضحايا على الجانب الفلسطيني. كان بالإمكان سماع الهتافات الفلسطينية بوضوح، والرصاصات التي أطلقها الجنود الإسرائيليون لمنعهم من إسقاط السياج الحدودي، ووصول سيارات الإسعاف. وهذاالأسبوع فقط، كان علينا الجري مرة أخرى إلى الملجأ عندما إنطلقت صفارة إنذار فجأة في الساعة السابعة مساء يوم الأحد.

ولكن خلافا لأجزاء كثيرة أخرى في إسرائيل، فإن الوضع المتوتر لن يغير حياتنا اليومية هنا. وسط هجمات الطعن والدهس في المدن الإسرائيلية، فإن الكيبوتس – بالرغم من قربه من غزة – يعطي شعورا بأنه مكان آمن لتكون فيه. الحياة تستمر، ومعظم الوقت، بصورة جيدة للغاية. ولكن بالطبع قد يتغير ذلك في أية لحظة.

تعالوا عندما تنتي الحرب

المرة الأولى التي جئت فيها إلى “ناحل عوز” كانت في أغسطس 2014، في الوقت الذي كانت فيه حرب ذلك الصيف، التي تُدعى رسميا “عملية الجرف الصامد”، ما تزال جارية. كان يوما حارا جدا، وللتو تم الإعلان عن وقف إطلاق نار بين إسرائيل وحماس.

بعد قضاء شهر كامل في ستوديو البث الحي لموقع “واللا” الإخباري، حيث أعمل كمراسل مختص بالشؤون الدبلوماسية، حيث كنت متلهفا للخروح من تل أبيب لإلقاء نظرة على الجبهة الأمامية. منحني المحرر المسؤول عني يوم عطلة من الصخب الدبلوماسي، لأتمكن من السفر في محيط منطقة “مغلق غزة” ورؤية الأمور بعيني.

ينتشر على الحدود الإسرائيلي مع غزة 21 تجمعا سكنيا – 20 كيبوتس وموشاف واحد – تقع على بعد أقل من 3 كيلومتر من السياج الحدودي. إثنان من الكيبوتسات متدينان (ألوميم وساعاد)، والبفية، بما في ذلك “ناحال عوز”، هي علمانية وبمعظمها يسارية. من بين التجمعات السكنية الـ21 على الحدود، “”ناحال عوز” هو الأقرب من غزة، وفي السنوات الـ15 الأخيرة، كان أيضا واحدا من أكثر المناطق التي تعرضت للقصف في إسرائيل. خلال الرحب، كان تحت إطلاق نار من دون توقف.

وصلت إلى الكيبوتس بعد الظهر بوقت قليل، واستقبلني إيتاي معوز، مدير الحقول الزراعية في الكيبوتس. رجل قوي وأصلع في الخمسينات من عمره مع صوت ناعم، أخذني معوز في جولة في الحقول المدمرة. لـ”ناحال عوز” أراض تلامس حرفيا السياج الحدودي، ومن تأسسيسه في عام 1951، فإن العناية في هذه الحقول هي مسألة أيديولوجية؛ يتم حرثها كلها حتى آخر ثلم، على بعد أمتار قليلة من غزة. عندما بدأت عملية “الجرف الصامد”، إستولى الجيش الإسرائيلي على هذه الحقول وحولها إلى موقف لدباباته. وعوز أراد إستغلال وقف إطلاق النار المؤقت لعرض الأضرار التي لحقت بالحقول جراء ستة أسابيع من المعارك. حقول كاملة تم إكتساحها بالكامل. أراض أخرى عانت من حرائق اشتعلت عندما سقطت قذائف فيها. نظام الري كان معطلا، وكميات كبيرة من النفايات كانت منتشرة في كل مكان.

قال معوز لي بينما كنا ننظر على أكوام القمامة التي تُركت في الحقول من قبا كتائب من مقاتلي الجيش الإسرائيلي في طريقهم إلى غزة، “لست غاضبا على الجنود، فهم لا يملكون خيارا، وعدا عن ذلك، لديهم أشياء أكبر ليقلقوا بشأنها في الوقت الحالي”.

ماذا عن الفلسطينيين، سألته، هل أنت غاضب منهم؟

فرد قائلا: “بالتأكيد أشعر بالغضب من حماس لإطلاقها النار علينا ولقيامها بحفر الأنفاق في أراضينا، ولكنني لست غاضبا من الفلسطيني العادي الذي يعيش في غزة”. وأضاف، “هم يعانون من الحرب كما نعاني منها نحن، إن لم يكن أكثر. نحن مجبرون على حماية إنفسنا، ولكن علينا أن نتذكر أيضا أن هناك أناس عاديين على الطرف الآخر”.

بعد جولة في الحقول، قمت بجولة داخل الكيبوتس، الذي كان يشبه مدينة أشباح. تم إخلاء معظم السكان إلى كيوتسات أخرى عبر البلاد، الذين تطوعوا لإستقبال “اللاجئين المؤقتين” حتى تنتهي الحرب. من أصل حوالي 300 شخص من سكان الكيبتوس، كان هناك أقل من 100 في الكيبوتس. للحرب كان هناك تأثير سلبي على المكان. المروج والحدائق أصابها الجفاف، منازل أصابتها صواريخ تُركت مدمرة، ومشاريع سكنية جديدة كانت قد بدأت قبل الحرب بوقت قصيلا، حيث أن الكيبوتس كان يستعد لإستقبال عائلات جديدة، كانت عالقة في المراحل الأولية.

وعلى الرغم من ذلم، حتى وسط الفوضى، كان من السهل رؤية أن كيبوتس “ناحال عوز” هو مكان رائع. قال لي معوز، “عليك أن تأتي بعد أن تنتهي الحرب. سترى أي مكان خاص لدينا هنا”.

هل من الآمن العودة إلى المنزل؟

عندما عدت إلى تل أبيب في هذه الليلة، لم أتوقف عن الحديث عن زيارتي إلى “ناحال عوز”، وعن مدى إعجابي بالأشخاص الذين إستقبلوني هناك. جزء كبير من الجدل العام في إسرائيل في هذه المرحلة، قبل أسبوعين من نهاية الحرب، دار حول السؤال: “كيف سنعرف من انتصر؟”

الزيارة إلى “ناحال عوز” وتجمعات سكنية حدودية أخرى أعطتني أجابة واضحة على هذا السؤوال. صحيح أنه خلال الحرب عندما قامت حماس وفصائل إرهابية أخرى في غزة بإطلاق الصواريخ عبر كل إسرائيل لم تأت هذه الوصاريخ ب”إنجازات” حقيقية للإرهابيين، بفضل “القبة الحديدية”، لكتن هجمات حماس على البلدات الحدودية كانت تخلق ببطء نصرا رمزيا لها، في الوقت الذي قالت عائلات المنطقة لقنوات التلفزيون الإسرائيلية ليلة تلو الأخرى بأنها لن تعود إلى منازلها، حتى بعد نهاية الحرب.

في بث “واللا” الصباحي بعد أيام قليلة من ذلك، قلت رأيي الشخصي بأن الإجابة على سؤال “من انتصر” ستأتي فقط نصف عام بعد الحرب فقط، وسيحددها عنصر واحد أكثر من أي عنصر آخر: كم من الأشخاص سيتركون البلدات الحدودية، وما هو عدد الأشخاص الجدد الذين سيصلون إلى هناك؟

قلت، “إذا كانت أماكن مثل ’ناحال عوز’ ستكون فارغة بعد بضعة أشهر من الآن، بإمكان حماس أن يعلن الإنتصار”. وتابعت قائلا: “الناس في غزة سيواصلون العيش بين الأنقاض، ولكن حماس ستخبرهم أن معاناتهم لم تهب سدى، لأنه لأول مرة منذ قيام دولة إسرائيل، تم إبعاد الإسرائيليين عن أماكن داخل حدود 1948. سيكون بمقدورهم أن يقولوا لشعبهم – لقد حققنا سابقة”.

بعد البث، توجة إلي رئيس التحرير في ذلك الوقت، يينون ماغال (اليوم نائب في الكنيست عن حزب “البيت اليهودي”) وقال لي مبتسما، “كنت تتحدث هناك مثل مستوطن!” أن تأتي هذه الكلمات منه في عبارة عن مديح، ولكنها أغضبتني، لأنها مثلت واقعا مؤسفا.

بالنسبة للكثير من الإسرائيليين، هناك اليون خط واضح داخل المجتمع الإسرائيلي يفصل بين “اليساريين” الذين يتم وضعهم ضمن قالب نمطي بأنهم أبناء مدن مهتمين بحياتهم المهنية وتحقيق الذات فوق كل شيء آخر، و”المتناحليم” (المستوطنون في الضفة الغربية) الذين يمثلون الصهيونية، وارتباط مع الأرض، واستعدا على مواجهة المخارطر والصعوبات من أجل عقيدتهم. هذا التقسيم النمطي يضع كل مبادئ إسرائيل التأسيسية على جانب واحد من الخارطة السياسية – الطرق اليميني المتدين – ولا يترك مجالا لأشخاص مثل سكان “ناحال عوز”، الذين بمعظمهم علمانيون ويساريون، ولكن لا يستطيع أحد في إسرائيل أن يشكك بارتباطهم بالأرض.

حاولت إيجاد الكلمات المانسبة للرد على لسعة ماغال المقصودة تماما، ربما من خلال القول بأن حركة الإستيطان لا تملك حقوق ملكية على الصهيونية، ولكنني لم أتمكن حقا من الخروج برد مناسب فوري. وعلى أي حال، وقف إطلاق النار إنهار مجددا، وكان علينا العودة إلى الأستوديو. سُرعان ما تم نسيان زيارتي إلى “ناحال عوز”.

لكن “ناحال عوز” عادت إلى مركز الأحداث في ظروف مأساوية بعد أسبوع من ذلك، يوم الجمعة، 22 أغسطس. في الأيام التي سبقت هذه الجمعة، بدأ سكان الكيبوتسات على طول الحدود بالعودة إلى منازلهم، حيث كان يبدو أن الحرب تقترب من نهايتها. الصواريخ كانت ما زالت تتطاير، ولكن العملية الدبلوماسية التي قادتها مصر كانت على وشك تحقيق إنفراج، والجيش الإسرائيلي كان يشير للسكان أيضا بأن بإمكانهم العودة.

حوالي الساعة الرابعة عصرا سقطت قذيقة من حي “الشجاعية” داخل “ناحال عوز”. أصابت سيارة واقفة، ووتتطاير حطامها إلى داخل منزل مجاور، ما أسفر عن مقتل طفل يبلغ من العمر (4 أعوام)، ويُدعى دانييل تريغرمان. عائلة تريغرمان كانت إحدى الأسر التي قررت العودة إلى الكيبوتس، بعد أن شعرت بأن نهاية الحرب كانت قريبة.

قال والد دانييل، دورون، في لقاء أُجري معه بعد أيام قليلة من فقدانه لإبنه، “أردنا فقط العودة إلى المنزل”. وفاة دانييل وضعت البلاد بالكامل في حالة حداد.

بعد خمسة ايام منذ ذلك، تم الإعلان عن وقف إطلاق نار مؤقت آخر، وهذه المرة، نجح بالصمود. شهدت الحدود هدوءا معظم الوقت منذ ذلك الحين – أي حتى أحداث الأسابيع الثلاثة الأخيرة.

في “ناحال عوز”، قررت 17 عائلة على الأقل (من أصل 80 عائلة تعيش هناك) بترك الكيبوتس في أعقاب الحرب، من ضمنهم عائلة تريغرمان. لم يشهد اي مكان على طول الحدود أزمة بهذا المستوى. صحيفة “يسرائيل هيوم” المقربة من اليمين نشرت مقالا حول الوضع تحت عنوان “أنقذوا ناحال عوز”، ودعت الحكومة إلى تخصيص موارد إضافية لتعزيز الكيبوتس، وإلا ستصبح بلدة ضعيفة وكبيرة في السن ومهجورة.

فكرة مجنونة

بعد أسبوعين من نهاية الحرب، تلقيت إتصالا من نير مئير، ميدر جركة الكيبوتسات (المنظمة التي توحد 260 كيبوتس في إسرائيل). “أريد الحديث معك عن ناحل عوز”، قال لي وأضاف: “سمعتك تتحدث عنه خلال الحرب. لا بأس بالحديث والكتابة، ولكن إذا كنت ترغب حقا بالقيم بشيء، لماذا لا تنتقل إلى هناك؟ هم بحاجة إلى شبان في الوقت الحالي. إذا انتقلت إلى هناك من تل أبيب، سيكون ذلك أكثر أهمية من أية مقال تنشرته عنه”.

رد فعلي الأول كان أن هذه فكرة مجنونة. عملي كمراسل للشؤون الدبلوماسية كان مقسما بين تل أبيب، حيث السفارات الأجنبية وتقريبا حيث تتخذ الصناعة الإعلامية بكاملهما موقعا لها، والقدس، حيث مكتب رئيس الوزراء ووزارة الخارجية و”صناعة عملية السلام”. ترك شقتي في تل أبيب والإنتقال إلى الجنوب بدى معقدا جدا. تذكرت أن قيادة السيارة من “ناحال عوز” إلى تل أبيب إستغرقت بالضبط 60 دقيقة – ليس بهذا السوء – ولكن لم أتخيل نفسي أضيع وقتا في حركة المرور كل صباح.

ولكن على مدى الأسابيع التي تلت، بدأت أفكاري بالإنتقال من “لا” حازم إلى “ربما” مثيرة للإهتمام. ترك “ناحال عوز” إنطباعا قويا علي خلال زيارتي، ووجدت نفسي أفكر به كل يوم تقرييا. في إحدى الليالي، شاركت هذه “الفكرة المجنونة” مع خطيبتي، التي عاشت في تل أبيب معظم حياتها. كان ردها، “يعجبني جزء واحد من هذه الفكرة، ولست متأكدة من أنني أحب الجزء الآخر”. الجزء الذي أحبته هو الخروج من تل أبيب. منذ التقينا، كانت تتحدث عن حلم بعيد بالإبتعاد عن المدينة والإنتقال إلى مكان أصغر وأكثر خضورة، بشكل مثالي “كيبوتس يبعد ساعة بالسيارة من هنا”.

لكن الجزء الذي لم تكن متأكدة منه كان الإنتقال بالذات إلى “ناحال عوز”، مكان لم تزره من قبل. قالت لي، “هناك 20 كيبوتس بالقرب من الحدود مع غزة و12 آخرين على مسافة أبعد بقليل”، وأضافت، “لست متأكدة بأن علينا الذهاب بالذات إلى أكثر الأماكن التي تتعرض للقصف”. بعد بعض التشاروات، قررنا زيارة “ناحال عوز” وأن نرى كيف سيكون الشعور هناك.

يوم الجمعة، 26 سبتمبر – بعد شهر بالضبط من إنتهاء الحرب – قمنا بالسفر لمدة ساعة واحدة من تل أبيب إلى المنطقة الحدودية. كانت الليلة السابقة ممطرة، فالسماء كانت صافية والرؤية كانت مثالية. عندما وصلنا إلى “ناحال عوز”، كان بإمكاننا رؤية البحر المتوسط بوضوح من الغرب، وتلال يهودا في الضفة الغربية من الشرق. في الحقول، كانت التركتورات تعل على إصلاح الأضرار التي خلفتها الحرب. إستقبلتنا أوشريت ساباغ، سيدة متفائلة وتتمتع بطالقة كبيرة مسؤولة عن “النمو الديموغرافي” في الكيبوتس، أو بكلمات أخرى، إقناع الناس بالإنتقال للعيش فيه.

قالت لنا خلال تجولنا وإلقائنا نظرة على منازل شاغرة، “عدد من العائلات كان قد إنتقل للعيش هناك منذ نهاية الحرب”. وأضافت، “بعضهم وصلوا بعد عشرة أيام فقط من وقف إطلاق النار”.

قلت لها “من الجيد أن نعرف أننا لسنا بالأشخاص المجانين الوحيدين في البلاد”.

فردت أوشريت، “على العكسي، الأشخاص المجانين هم من في تل أبيب”.

تطلب الأمر زيارتين أخرتين قبل أن نقرر نهائيا القدوم إلى “ناحال عوز”. في الواقع قمنا بزيارة كيبوتسات أخرى في المنطقة، ولكن لم يعض أي منها الإحساس بالإنتماء للمجتمع مثل ذلك الذي أحسسنا به هنا. “ناحال عوز” هو مكان صغير. كل نقطة في الكيبوتس – من دكان البقالة إلى العبادة وحتى الحديقة الرئيسية حيت يتم الإعتفال بالأعياد بشكل جماعي – على بعد مسافة قريبة جدا سيرا على الأقدام من منزلنا. عند عودتك إلى المنزل من العمل، لا تحتاج إلى إستخدام سيارتك مرة اخرى. شعرنا أيضا شعورا جيدا إزاء جيراننا القريبين منا، معظمهم أصبحوا أصدقاء قريبين بسرعة. بعضهم وصل مثلنا فور إنتهاء الحرب، في حين أن آخرين إنتقلوا للعيش في “ناحال عوز” قبل أحداث الصيف الفائت، وقررا العودة إليه. منذ وصولنا في الخريق الفائت، إنضمت إلى الكيبوتس 10 عائلات أخرى.

ترحيب للذكرى

نهاية أسبوعنا الأولى في “ناحال عوز” كانت عرضا للحياة في المنطقة الحدودية. بدأ ذلك يوم الجمعة، بينما كنا مشغولين بفتح الصناديق، تم إطلاق صاروخ من غزة إلى داخل إسرائيل. سقط الصاروخ في منطقة مفتوحة بالقرب من الكبيوتس من الجنوب. لم يتم إطلاق صفارات الإنذار في منطقتنا، ولكن في الساعات التي تلت، لم تتوقف هواتفنا عن الرنين، حيث تلقينا إتصالات قلقة من الأصدقاء والعائلة. بعضهم شعر بالراحة لسماع أن الصاروخ سقط بعيدا عن منطقتنا، في حين أن آخرين – ربما بحثا عن قصة مثيرة ليروونها – بدوا خائبي الأمل بعض الشيء. بعد الظهر، بعد أن ذهبنا في للسير في حرش ثريب من الكيبوتس، بدأت سلسلة من الجيران بالحضور، حاملين معهم أشياء لذيذة كبادرة ترحيب.

بعض الزوار كانوا أعضاء في المجموعة التأسيسية – رجال ونساء جاءوا هنا في سنوات الخمسين، كفتيان وفتيات، في مهمة صهيونية لتأسيس كيبوتس جديد على الحدود. في ذلك الوقت، كان للحكومة الإسرائيلية سياسة بناء كيبوتسات بالقرب من “نقاط إشكالية” على طول الحدود الإسرائيلية لردع أعداء الدولة الفتية من محاولة مهاجمتها. الحديث مع هؤلاء الرجال والنساء، في السبيعنات أو بداية الثمانينات من العمر، حول تاريخ الكيوتس، كان أمر رائعا وملهما.

تبين أن هذا التباين في نهاية الأسبوع الأولى لنا هناك، الذي بدأ بحادثة أمنية، واستمر مع القيام بجولة في الطبيعة المحيطة في الكيبوتس، وإنتهى بترحيب دافئ جدا من مجتمعنا الجديد، لن يكن مجرد صدفة. في الواقع، كان هذه حياتنا الطبيعية الجديدة.

في نهاية الأسبوع التي تلت، استيقظنا صباح السبت على صوت إنفجار هز منزلنا حرفيا. عندا سألنا عن مصدره، شرح لنا جيراننا أن حماس تقوم بتجارب على صواريخ جديدة من خلال إطلاقها باتجاه البحر، وأن ما سمعناه كان لحظة إطلاق الصاروخ. بعد أن هدأنا، خرجنا للقيام بجولة لمدة ثلاث ساعات في الحقول، وتمتعنا الطقس المثالي التي يمكن فقط لشتاء إسرائيلي تقديمه. التجارب الصاروخية تم نسيانها.

نفس المخاوف الأمنية، أنماط تصويت مختلفة

بينما كنا مشغولين في الإعتياد على إهتزاز منزلنا من وقت لآخر، كانت تهتز أمور أخرى في إسرائيل أيضا. في بداية ديسمبر، قرر بنيامين نتنياهو حل حكومته والإعلان عن إنتخابات مبكرة. تغطية هذه الإنتخابات من منطقة الحدود مع غزة، وهي جزء من البلدان الهامشية الجنوبية لإسرائيل، كانت تجربة مثيرة بالنسبة لي.

قبل الإنتقال إلى “ناحال عوز”، كنت من سكان تل أبيب لمدة 12 عاما، وقضيت معظم حياتي الصحفية في الأساس في المدينة. تل أبيب كانت المدينة الوحيدة من بين المدن ال10 الأكبر في إسرائيل التي أعطت أكثر من 30% من أصواتها لحزب “العمل” (تحت مظلة “المعسكر الصهيوني) وأقل من 20% لحزب “الليكود”. في كل المدن الجنوبية الكبيرة – أشدود وأشكلون وبئر السبع وغيرها – حقق نتنياهو ومعسكر اليمين فوزا ساحقا. اليمين أيضا هزم معسكر يسار-الوسط في أقرب مدينتين لحدود غزة، سديروت (التي تبعد أقل من ميل واحد عن غزة) ونتيفوت (التي تبعد حوالي 8 أميال).

الكثير من المحللين في غسرائيل وصفوا نتائج هذه الإنتخابات كمؤشر على إنفصال تل أبيب عن باقي الدولة، وخاصة عن الجنوب. حقيقة أن معظم وسائل الإعلام المتمركزة في تل أبيب توقعت إنتصار لـ”المعسكر الصهيوني” عززت فقط من هذا الإختلاف. في حين أن بعض المحللين بعد الوفاة شرحوا أن الفرق بين كيفية التصويت في تل أبيب وكيف صوتت المدن الجنوبية كان نتيجة للحرب في الأساس، عرضت كبى الصحف الإقتصادية في إسرائيل، “ذا ماركر”، وجهة نظر مثيرة أخرى.

بعد يومين من الإنتخابات، وضعت الصحيفة رسمين بيانيين على صفحتها الأولى – أحد الرسمين أظهر كيف صوت الناس في سديروت، والآخر أظهر كيف صوت الناس في “ناحال عوز”. في سديروت، 43% صوتوا لحزب “الليكود”، وأكثر من 80% لمعسكر اليمين المتدين. في “ناحال عوز، 56% صوتوا لحزب “العمل”، و85% لمعسكر يسار-الوسط. 5% فقط صوتوا لحزب نتنياهو، “الليكود”. وطكتب الصحيفة في عنوانها، “تحت نفس صواؤيخ القسام”، مشددة على أن ما حدد نتائج الإنتخابات لم يكن سياسة الأحزاب الأمنية، كا وصفت الصحيفة ذلك، بل “القبلية المجتمعية الإسرائيلية”.

“ناحال عوز” وسديروت لم تكونا حالة شاذة. في كل الكيبوتسات على يمين الحدود مع غزة، فاز يسار-الوسط بفارق كبير؛ في كل البلدات القريبة، كان العكس هو الصحيح. نفس نمط التصويت كان على طول الحدود الشمالية لإسرائيل مع لبنان. في كيبوتس “ميسغاف عام”، الذي يقع على الحدود بالضبط، حصلت حزبي “العمل” و”ميرتس” معا على 72% من الأصوات. في مدينة كريات شمونا القريبة، حصل “الليكود” وشركائه من أحزاب اليمين المتدين على أكثر من 65%.

الناس في الكيبوتسات والمدن الحدودية ذهبوا إلى صناديق الإقتراح مع الإهتمام بأمنهم أولا وقبل كل شيء. ومع ذلك، صوتوا بطريقة مختلفة، على الرغم من أن ظروفهم الامنية كانت مماثلة.

الأيام التي تلت الإنتخابات كانت كئيبة في “ناحال عوز”. بعض جيراننا وأصدقائنا، الذين عادوا إلى الكيبوتس بعد الحرب أكدوا على أن “حماس لن تقرر لنا أين نعيش”، كان يتحدثون بجدية عن مغاردة البلاد بسبب إنتصار نتنياهو. كلهم بقوا في نهاية المطاف. أحد مؤسس الكيبوتس قال لي أن قلق من أنه لن يكون لأحفاده دولة ليعيشوا فيها لأن سياسات نتنياهو ستحول إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية.

ولكن كان هناك بوضوح شعورا محسوسا في معظم أنحاء إسرائيل خلال هذه الأيام، وأنا لم أشعر به ولا حتى لمرة واحدة في “ناحال عوز”: الكراهية. إجتاحت إسرائيل موجة من العدائية والمرارة في أواخر مارس، حيث تسبب كل التصريحات الفظيعة التي تم الغدلاء بها خلال موسم الإنتخابات بالتوتر بين اليمين واليسار، واليهود والعرب، والعلمانيين والمتدينين، وسكان تل أبيب وأولئك الذين يعيشون في “إسرائيل الثانية”. كان من الصعب ألا تسمع أو تشارك في حديث لم يحمل فيه الأشخاص الذين انتموا إلى واحدة من هذه المجموعات مسؤولية كل مشاكل إسرائيل على أولئك الذين ينتمون إلى المجموعة الأخرى.

ولكن الحياة في مكان مثل الحدود مع غزة يجعل التعميم صعبا. على سبيل المثال، أحد الأشخاص الذين حركوا جبالا من أجل “ناحال عوز” في السنوات الاخيرة هو بينحاس فاليرشتين، ناشط معروف للإستيطان اليهودي في الضفة الغربية. فاليرشتين، صهيوني متدين، كان أحد المؤسسين ل”غوش إمونيم”، الحركة التي بنت المستوطنات الاولى بعد حرب الستة أيام. قبل بضعة سنوات، قرر فاليرشتين تكريس طاقاته لتشجيع الإستيطان اليهودي في النقب (الموجود بالكامل تحت سيادة إسرائيل المعترف بها دوليا). تحول “ناحال عوز” إلى “إبنه المفضل”، وساعد الكيبوتس في الحصول على دعم حكومي لمشاريع سكنية جديدة.

في الصيف الماضي، في عمل تضامني رائع، قرر خلال الحرب إستئجار شقة في الكيبوتس وقضاء نصف كل أسبوع في “ناحال عوز”، بعيدا عن عائلته التي تعيش في مستوطنة في الضفة الغربية. هناك أقل من 10 أشخاص في الكيبوتس الذين يوافقونه على آرائه السياسية والدينية، ولكن في كل مرة سألت جيراني الجدد عنه، كل ما سمعته كان كلمات إيجابية، مثل “لن ننسى أبدا ما فعله من أجلنا”، بعد واحدة من أكثر الإنتخابات تقسيما في تاريخ إسرائيل، كان هناك شيء يبعث على الراحة عند سماع ذلك.

المذكرة لم تصل إلى الطرف الآخر

اليأس الذي تلا الإنتخابات لم يستمر طويلا. لم يغادر أي من جيراننا، واستمرت الحياة، كما تفعل دائما. وصل الربيع، وأقنعنا مرة أخرى بأن الإنتقال إلى هذه المنطقة كان قرار حكيما. ازدهرت الحقول والأحراش من حولنا، وفي كل نهاية أسبوع، كان لدينا جدول كامل لأصدقاء قادمين لزيارتنا من كل أنحاء البلاد, أملا في الحثول على بعض السحر الذي يرونه على حسابتنا على الفيسبوك والإنستغرام. إثنان من أصدقائنا، زوجين متدينين من القدس، إنتقلوا للعيش في موشاف قريب، بعد قضائهما نهاية أسبوع في “ناحال عوز” كضيوف عندنا.

في 21 ابريل، أحيت إسرائيل يوم ذكرى ضحايا معارك الدولة. في “ناحال عوز”، كما في عدة أماكن كثير أخرى في البلاد، كان هذا اليوم مؤلما بشكل خاص، حيث كان الأول منذ عملية “الجرف الصامد”. قبل بضعة دقائق من إطلاق صفارات الإنذار الي أعلنت عن بدء يوم الذكرى، تجمع كل أعضاء الكيبوتس بالقرب من الجدار التذكاري وسط الكيبوتس، حيث تم حفر أسماء السكان الذين توفيوا في معارك إسرائيل. كان إسم دانييل تريغرمان قد أٌضيف على الجدار، ولكن بالنسبة لكثير من الأشخاص، كانت هذه المرة الأولى التي توقفوا فيها لإلقاء نظرة عليه. بكى العشرات من المشاركين. عندما إنتهت الطقوس، عاد الناس إلى منازلهم بصمت مطلق، من دون قول كلمة واحدة. تم إجراء طقوس رسمية في اليوم التالي، ولكن في هذه الليلة الحزينة، لم يكن هناك حقا أي شيء يمكن قوله.

يوم الذكرى لضحايا معارك إسرائيل يُتبع مباشرة بـ”عيد الإستقلال”. الإنتقال السريع من الحزن التام إلى الفرح التام كان دائما غريبا بعض الشيء، وبالنسبة لي، كان ذلك غريبا بشكل خاص بعد الإحتشاد المؤثر والحزين بالقرب من الجدار التذكاري، استمتعنا بإحتفالات “عيد الإستقلال” في الحديقة الرئيسية للكيبوتس. أصدقاؤنا وجيراننا، الذين كانوا يبكون في الأمس، كانوا يغنون ويضحكون الآن خلال مشاهدتهم لأطفال الكبوتس وهم يقومون بعرض رقصة مضحة على المنصة المرتجلة. من على المنصة نفسها، طلبت مديرة الكيبوتس بدع ذلك من الجميع التصفيق للأسر والأزواج الحدد الذين انتقلوا للعيش في “ناحال عوز” في الأشهر الثمانية التي تلت الحرب، ومن ضمنهم نحن. ذكرني المشهد بأفكاري من فترة الحرب، حول السؤال “كيف سنعرف من انتصر؟” إذا كان الإمتحان هو النمو السكاني في الكيبوتسات على طول الحدود، فربما قد تكون الإجابة أمامي مباشرة. ربما نكون قد إنتصرنا بعد كل شيء.

ولكن حتى لو كنا قد انتصرنا، فإن المذكرة لم تصل إلى الطرف الآخر. في الليلة التالية، عندما كنا وجيراانا نقوم بتنظيف بقابا حفلة الشواء المشتركة، سمعنا بوضوح إنفجارين قويين عبر الحدود، وبعدها مر صاورخين فوق رؤوسنا. سقطا على بعد بضعة كيلومترات قليلة في الشرق، بالقرب من الشارع الرئيسي. كان ذلك بمثابة تذكير من الأشخاص على الجانب الآخر، الذين كانوا يقولون لنا – بإمكانكم الإحتفال كما تشاؤون، ولكننا ما زلنا هنا، ولن نذهب إلى أي مكان.

في شهر يوليو، أحيت إسرائيل الذكرى الأولى لعملية “الجرف الصامد”. بالنسبة لي، كان هذه فرصة للعودة إلى بداية قصتي الشخصية: الحقول المحيطة بالكيبوتس، التي جأت لرؤيتها في أحد أيام أغسطس من العام الماضي، غير مدركا للمغامرة التي كنت على وشك دخولها.

طلبت من إيتاي معوز الذي تجول معي خلال هذه الزيارة بأخذي بجولة أخرى، لرؤية إذا كان هناك أي تغيير. في عصر يوم ثلاثاء، إنطلقنا في سيارته إلى الغرب، باتجاه السياج الحدودي. كا رأيته لم كان بمثابة معجزة. الحقول نفسها التي كانت مدمرة تماما في العام الماضي، بعد أن مرت عليها دبابات وتم تفجيرها بحثا عن أنفاق هجومية، كانت الآن تنتج القمح والفواكة والخضار من جديد. قال إيتاي، “نجحنا في إصلاح كل حقل”. وأضاف، “حتى تلك التي تعرضت لأكبر الأضرار. كان عببنا الحفر لإخراج القمامة من الأأرض بأيدينا، وإصلاح أنظمة الري تحت الأرض وإستبدال بعض المحاصيل، لكن نجح ذلك”.

هذا رائع، قلت لإيتاي. وافقني الرأي، ولكنه قال لي أن علي رؤية أمر آخر. إقتربنا أكثر من السياج الحدودي. “أنظر إلى الشجاعية”، قال لي. “أرى ذلك في كل مرة أذهب غلى حقولنا، وبإمكاني أن أقول لك أنه على مدى العام المنصرم، لم يحدث هناك أي أمر جيد. لم يتم بناء بيوت جديدة. إن ذلك مثل قنبة زمنية في إنتظار أن تتفجر”.

كان محقا. على الرغم من أن إسرائيل تسمح لمئات الشاحنات محملة بالأسمنت بدخول غزة يوميا، فإن عملية إعادة البناء كانت بطيئة جدا. الدول التي تعهدت بالتبرع بمئات الملايين من الدولارات إلى غزة، لم تخرج حتى الآن أموالها من البنوك. غزة اليوم بائسة كما كانت عليه في العام الماضي. وعلى الرغمن الشائعات المستمرة حول مفاوضات سرية بين إسرائيل وحماس، التي من المفترض أنها تجرى من أجل تجنب جولة أخرى، يبدو حتى الآن أنه لم يتم التوصل إلى تفاهامات بين الطرفين.

قال إيتاي معوز لي، “بالنسبة لنا، فإن حربا جديدة ستعني أن كل العمل الصعب الذي قمنا به في العام الماضي سيذهب سدى”، وأضاف، “لمنع حرب كهذه، علينا إيجاد طريقة لتحسين الوضع على الجانب الآخر من الحدود أيضا. إذا لم نقم بذلك، فإن الكارثة القادمة هي مسألة وقت فقط”.

الأحداث التي وقعت في الأسابيع القليلة الأخيرة جعلت من هذا التحذير أكثر أهمية. في الواقع، قد يكون الوقت قد فات: في الوقت الذي ينشر فيه التحريض والأكاديب النار في القدس والضفة الغربية، من الصعب منعها من الوصول إلى غزة في نهاية المطاف. اليوم، عندما أنظر إلى “الشجاعية” من حقول “ناحال عوز”، بعد عام تقريبا من إنتقالي إلى هنا، فإن النقاش حول من انتصر في الحرب الأخيرة، يبدو فجأة بلا معنى. إذا اندلعت حرب أخرى غدا، سيخسر الجميع – من جديد.