أوشفيتز-بيركيناو: من الصعب نقل ما قد فقد في أوشفيتز. ولكثرة التكرار نجد ان عدد القتلى معروف جيدا. غرف الغاز، الاستعباد، والقتل العشوائي, كلها فصول من مبنى مصطلحات التاريخ الألماني والأوروبي.

للمحرقة أيضا معنى واضح لليهود، ضحاياه نموذجية: كبرهان ساحق ومخيب أنه ليس هناك امان في التعددية الأوروبية، الثقافة، أو “الحضارة”، في الحديث الراقي عن الإنسانية، الفردية، والمجتمع الدولي، أو في تهدئة التحليلات التي تقلل من شان اخطار مستقبلية.

وبالرغم من ان هذه انعكاسات هامة على “الدروس” و “المغزى” من معسكر أوشفيتز، ولكنها تحتل جزء كبير من حديثنا العام حول هذا الموضوع، تقريبا كما لو أننا على استعداد لمناقشة أي جانب من جوانب ذاك الحدث عدا التطرق الى الاختناق، والاجساد المرتجفه امام غرف الغاز الحقيقية. وظيفة أوشفيتز في كثير من الأحيان خلال الحياة اليومية وكأنه عصا لضرب جداول أعمالنا الاجتماعية أو السياسية، أداة للتعبير عن المخاوف والمشاعر الخاصة. وكأن هناك اجماع غير معلن أن أوشفيتز يعكس شيء نهائي وغير ملموس، لذلك فاننا نقوم فورا بتنجيسه.

ان هذا الاستخدام وسوء استخدام المحرقة النازيه يتم غالباً لأسباب نبيلة، صادقه، مثلا من قبل اولائك المروجين الذين، تحت الشعار “ابدا مرة أخرى” حيث يحولون المحرقة إلى درسا سياسيا-اخلاقيا عن مخاطر اخطاء الايديولوجيه التي تصورها النازيون: العنصرية والتطرف.

لا شك ان المحرقة كانت منتوج زمانها ومكانها، لسيكولوجية الشموليه والنظريه العرقية النازية. ولكن “درسها” و “أهميتها”، دائمان وفوريان على حد سواء. البنية التحتية الهائلة للموت، والذي هندس له بدقه؛ القتل الذي حدث وفقا لتصنيف واضح للبشر، ومحو فرادة الضحايا، بذلك محو أي تظاهر ممكن لذنوبهم، هي التي بنت منطقا لهذه الإبادة؛ وشعور القربة لجرائم القتل، الحميمة الجسدية بين القاتل والمقتول لأسابيع وأشهر وسنوات – مع هذه الإنجازات الصعبة المنال، بحث النازيون قسوة الإنسان عميقا.

عند النظر إليها عن قرب، كانت النازية بالكاد تجربة حكم شمولي أو تجمع متعصب — الصور المعتاد ربطها مع الرايخ الثالث – ولكنها اكثر اختبارا للمرونة ولحدود إلانسانيه.

المهندسين
وبهذا نجد شركة ألمانية عاديه، توبف & سانز من مدينة ايرفورت (علامة فعلية عند مدخل مكاتبها الإدارية: “سعيد دوماً لخدمتك”) تفخر باختيارها لبناء 46 فرنا لتعالج الاحراق اليومي لفوق ال-10,000 جثه كل يوم في أوشفيتز.

حتى ان الشركة قدمت طلبا لحقها في الاختراع (باتنت) عام 1941 لابتكار “فرن ترميد الجثث” الدائم العمل على مدار الساعة. على ما يبدو خوفا من سرقة ابتكاراتها لتكنولوجيا ترميد الجثة البشرية على يد المنافسين.

لم يخدع المهندسين بشأن هدف عملهم. عندما سئل كورت بروفير، مهندس خبير في توبف & سانز في استجواب له مارس 1946 عما إذا كان يعرف “ان غرفة الغاز، والمحارق [التي ساعد في بناءها في أوشفيتز] أودت بحياة الأبرياء من البشر،” قال أنه كان يعلم ذلك.

وقال بوضوح “كنت اعلم منذ ربيع عام 1943 ان الأبرياء من البشر قتلوا في غرف الغاز في معسكر أوشفيتز، وانه تم إحراق جثثهم في الافران بعدها”.

قبل ربيع عام 1943، عرف بروفير، أحد المهندسين المدنيين الاساسيين عن آلة الموت في أوشفيتز، والتي لم يبنها فحسب بل كذلك, لقد شارك بشكل فعال في صيانتها. قام بزيارة معسكر أوشفيتز ثلاث مرات بعد ذاك الربيع: في خريف عام 1943 “لفحص خلل في مدخنة الفرن [محرقة]”، في أوائل عام 1944 لفحص الإصلاحات في المدخنة، واخر مره في خريف عام 1944 لفحص التحديات الهندسية لنقل مرافق الموت عند تسلل القوات السوفيتية اقرب.

وكان أوشفيتز عباره عن مشروع مدروس، ومصان على يد رجال أسرة عاديين، ومثقفين متكريبن لحرفتهم. حتى ان بعضهم لم يكونوا أعضاء في الحزب النازي.

بعملهم الماهر، أصبح أوشفيتز كفء بشكل مذهل. بين عام 1941 وإغلاق معسكر الموت في يناير 1945، معظم السجناء الذين وصلوا إلى معسكر أوشفيتز-بيركيناو، 85% منهم على الاقل، أو حوالي 1.1 مليون شخص، قتلوا خلال أربع ساعات بعد وصولهم.

لتحقيق هذا المعدل من القتل الصناعي، كان على الآلية ان تكون سريعة. عند نزول الوافدين القطار قيل لهم بان يتوجهوا للاستحمام. خارج مبنى القتل، رسم على شاحنة تحتوي على غاز زيكلون ب رمزاً للصليب الأحمر. في كل من غرفتي الغاز الأكبر، كان ممكن قتل ال-2,500 وافد دفعه واحدة. وكان بامكان غرفتي غاز اصغر قتل 1,800 شخص في كل منها.

لم تكن المشكلة التنفيذية في مرحلة غرف الغاز واللتي استغرقت فقط ست إلى عشر دقائق قبل ان يرمى جميع مئات الوافدين في أكوام من الموتى. بل كانت المشكلة في تراكم الجثث انتظارا للحرق. فقد استغرقت عملية الحرق 30-40 دقيقة لحرق الجثث الثلاث التي تناسب كل فرن (أحياناً أربعة، إذا امكن أدخال طفل بين البالغين). لقد كان هذا الضغط البيروقراطي الذي أعطى المهندسين المدنيين دورا هاما في العملية في المخيم.

قبل نهاية عام 1944، أسابيع فقط قبل وصول قوات التحرير السوفياتي الى المخيم، “وظف” 1000 مستعبد يهودي في تشغيل مرافق الموت، للقيام بجميع أجزاء العمل باستثناء الغاز نفسه. لقد قادوا الوافدين إلى قاعة خلع الملابس، ثم إلى غرفة الغاز. لقد حملوا الجثث إلى الأفران للحرق، كلها تحت مراقبة ورغبة حراس SS في الانتقام.

تم معالجة الغاز نفسه بمجموعه من ضباط قوات الاس اس الخاصة المدربة على التعامل مع غاز زيكلون ب.

لقد كانت آليه واسعة ووحشية، تحت اشراف رجال حذرين ومدربين, تعمل بكفاءة عديمة الرحمه لمدة أربع سنوات طويلة قتلت 6 مليون شخص، خلالها اظهر لنا النازيون بقناعه تامة، انك لا تحتاج حتى للمتعصبين لفعل هذا.

لذلك فالقول أن أوشفيتز هو تحذير ضد العنصرية، أو حتى ضد مخاطر قلة الحساسية والانسانيه تحت أنظمة شمولية، قد ينسى الواقع القاسي للتجربة الفعلية. في أوشفيتز دفن يقيننا في إنسانية مشتركة، في القيم الداخليه، والتي لا يمكن إنكارها للكائن البشري. للتأكد من هذا، تبقى هذه المثل الاعلى، لكنها لم تعد عباره عن بديهيات تصف حالة الإنسان نفسه. فان أي حدود للقسوة البشرية، إذا كانت موجودة على الإطلاق، تكمن وراء اكبر ضراوة مسعورة يمكن للانسان ان يتصورها.

في محاضرة القيت عام 1965، عشرين عاماً بعد المحرقة، وفي ذروة المخاوف النووية للحرب الباردة، تسائل الناقد الاجتماعي ثيودور ادورنو حول الطريقة التي حطم بها اوشفيتز التظاهر “بالحضارة” وتقويض السرد العالمي للفلاسفة والأخلاقيين.

“في مواجهة التجارب التي حدثت، ليس فقط خلال معسكر أوشفيتز ولكن من خلال تقديم التعذيب كمؤسسة دائمة [مشيرا إلى معسكرات الاعتقال] ومن خلال القنبلة الذرية – كل هذه الأمور تشكل نوعا من وحدة جهنمية منسقه –لذا عند مواجهة هذه التجارب, يصبح التأكيد على ما له معنى..مهزلة؛ وعند مواجهة الضحايا يصبح هذا التأكيد بالتاكيد غير أخلاقي. لأي شخص يسمح لنفسه أن يكون مخدوعا بفكرة ان الأشياء التي لا توصف والتي لا يمكن إصلاحها مما قد حدث هي لربما جزئ من خطة سرية وان لكل هذا سوف يكون هدف معين.

“…لا يمكن أن يكون هناك شخص، والذي نظام حسه لم يمت تماما، والذي بالنسبة له العالم بعد أوشفيتز، هو العالم الذي فيه أوشفيتز ممكن وقد حصل، وهو نفس العالم كما كان عليه من قبل. ”

لاتمام القرأة باللغة الانجليزية اضغط هنا