المسار البطيء والمتعرج للجزء الجنوبي من نهر الأردن يسير ويتعرج عبر القصب وأشجار الأثل وعبر 200 كيلومترا من الصراعات الجغرافية السياسية والتاريخية والدينية. إنه النهر صاحب أدنى إرتفاع في العالم. إنه النهر الذي يعمل كحد يفصل بين إسرائيل والأردن، النهر الذي يوفر لآلاف المزارعين من الجانبين مياه الري.

عاش البشر بإستمرار على ضفاف هذا النهر لأكثر من 10,000 عاما، وهو المكان الذي يؤمن المسيحيون بأن القديس يوحنا المعمدان قام بغمر السيد المسيح عند تعميده فيه.

وهو أيضا النهر الذي تم تحويله وبناء سد فيه، والمليء بمياه الصرف الصحي ونفايات الأسماك، بحسب مجموعة بيئية قامت بنشر خطة واسعة النطاق هذا الأسبوع، تقول بأنها من الممكن أن تكون الأساس لتنظيف هذه الكميات الكبيرة من النفايات وهو ما يحتاج إليه هذا النهر حاجة ماسة.

النهر ليس بالمشكلة الوحيدة: في الوادي حول النهر هناك طبقة من الفقر انتشرت فوق طبقة نزاع دائر نمت على طبقة من المناخ الجاف.

يدرك الخبراء أنه لتنظيف النهر بصورة فعالة، هناك حاجة للتعاون من جانب كل دولة تلامس إحدى ضفافه. بالنسبة لنهر الأردن يشمل ذلك إسرائيل والسلطة الفلسطينية والأردن وحتى سوريا، التي لديها روافد تغذي هذا النهر وسدود تمنع تدفقه.

جمع كل هؤلاء اللاعبين معا حول طاولة واحدة هو أقرب إلى المستحيل، ناهيك عن إقناعهم بالخروج بخطة لمعالجة هذه القضايا الشائكة.

يوم الثلاثاء، نشرت مجموعة “إكو-بيس” البيئية الإسرائيلية-الفلسطينية-الأردنية (أصدقاء الأرض الشرق الأوسط سابقا) خطة كبرى من 180 صفحة لمنظمات غير حكومية إقليمية لتنمية مستدامة لغور الأردن، وهو الجهد الأول لرسم الصورة التي يمكن أن يظهر فيها هذا المستوى من التعاون.

يشرح غدعون برومبرغ المدير الإسرائيلي لجمعية “إكو-بيس”، أنه “على مدى الأعوام الـ50 الماضية، بسبب الصراع وعقلية الصراع، حاول كل طرف وقف المياه من التدفق إلى نهر الأردن لأنه يشكل حدودا”، ويقول أنه عندما تكون الماء موردا طبيعيا ثمينا فلن تسمح للمياه بالإنسياب إلى أعدائك. “يتم تفريغ مياه الصرف الصحي من كل الجوانب بدلا من ذلك. إن هذه سوء إدارة لمصادر مياه شحيحة”.

مدراء اكوبيس خلال مؤتمر، 9 يونيو 2015 (courtesy: EcoPeace)

مدراء اكوبيس خلال مؤتمر، 9 يونيو 2015 (courtesy: EcoPeace)

الغرض من الخطة الكبرى، التي تم وضعها بشكل مستقل عن الحكومات ولكن بدعم من وكالات حكومية وسياسيين من الأطراف الثلاثة، هو توفير مخطط شامل للمنطقة بأسرها لمعالجة مياه النهر.

نطاق الخطة الكبرى طموح، مع 127 مشروع على جدول زمني يمتد لـ35 عاما تصل تكلفته إلى 5 مليار دولار. تم تقسيم المشاريع إلى أهداف قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى تصل حتى عام 2050.

على مدى الأسبوع الماضي، اجتمع أكثر من 200 شخص في عمان للإستماع إلى محاضرات عن الخطة الكبرى، من بينهم عضو الكنيست الإسرائيلي أيوب قرا (الليكود)، ونائب وزير الزراعة في السلطة الفلسطينية عبد الله لحلوح، ونائب وزير الشؤون المدنية في السلطة الفلسطينية معروف مهران، والأمين العام لسلطة وادي الأردن في الأردن سعد أبو حمور. كما وحضر المؤتمر رؤساء بلديات من البلدان الثلاثة، وخبير مياه كبير من البنك الدولي، وممثلين عن الدول المانحة والإتحاد الأوروبي ووكالات تنمية. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك أيضا ممثلون من الهند وباكستان اللتين يدور بينهما أيضا صراع على نهر أكبر ويأملون في تكرار جزء من هذا التعاون.

بعض جوانب هذه الخطة الكبرى تبدو غير واقعية، كإفتراض الجدول الزمني مثلا بأنه سيكون هناك دولة فلسطينية على طول حدود 1967 بحلول عام 2020. ولكن أحد أكثر الجوانب تميزا في الخطة البيئية هو تركيز “إكو-بيس” الشمولي على التنمية الإقتصادية المستدامة. جلب وظائف وأموال إلى المنطقة، كما تقول الجمعية، سيؤدي في نهاية المطاف إلى نظام بيئي صحي أكثر في النهر.

تنظيف المياه مع أوراق الدولار النقدية

غور الأردن هو أحد أفقر المناطق في الكيانات الثلاثة جميعا بسبب العزلة الفعلية من المراكز الحضرية وعدم وجود الصناعة، ناهيك عن الوضع السياسي المعقد الذي يجعل من الصعب البناء أو التطوير على جانب الضفة الغربية.

يساهم هذا الفقر لمشاكل التلوث القائمة. عدم وجود بنية تحتية ونقص التخطيط في الأردن، على سبيل المثال، مما يعني أن هناك مكبات نفايات كثيرة غير قانونية على بعد أمتار قليلة من الماء.

“أهم تدخل من جهة الأردن هو بناء شبكة صرف صحي ومصانع لمعالجة المياه”، قال منقذ مهيار، مدير اكوبيس الأردنية ورئيس المنظمة منذ عام 1998. بحيث أن المنازل لا ترتبط بشبكة الصرف الصحي، تحتفظ كل أسرة على بالوعة منفردة، والتي كثيرا ما تتم إساءة إدارتها. “تتغلغل البالوعات إلى المياه الجوفية وتلوثها”، قال مهيار.

مضيفا: “بدلا من اعتبار هذه المياه كمشكلة تلويثية، يمكننا أن نأخذها، معالجتها واستخدامها لأغراض الزراعة ومن ثم تحرير المياه المستخدمة لأغراض الزراعة لإستخدامات أخرى”.

صورة لنهر الاردن (Shmuel Bar-Am)

صورة لنهر الاردن (Shmuel Bar-Am)

اعترف مهيار أن بناء شبكة الصرف الصحي الشاملة في الأردن سيكلف مئات الملايين من الدولارات، وسيستغرق سنوات، لكنه قال أن الدول المانحة أعربت عن إهتمامها.

تقدر الدراسة أن 162,000 طن من النفايات البلدية سنويا تتراكم في غور الأردن، بما في ذلك 120,000 طن في الأردن، 24,000 طن في إسرائيل و18,000 طن في فلسطين، ولكن يتم نقل أقل من 10% منها بحيث يتم التخلص منها خارج الغور. في العديد من الأماكن في السلطة الفلسطينية والأردن، عادة ما يلقى بالقمامة خارج المدن.

“الرؤية من وراء الخطة الرئيسية هي تغيير المسارات، لإلقاء نظرة على غور الأردن من جديد كمصدر لحياة نشاط اقتصادي وللطبيعة”، قال برومبيرغ. “نظام مترابط ينتج زراعة أكثر كفاءة. تطهر نتائج الدراسة أنه فقط عندما نستخدم الترابط بين القطاعات سيمكننا خلق الإمكانيات المطلوبة للوظائف وتحسين معيشة مئات الآلاف من السكان”.

وليس فقط السكان يحتاجون إلى نهر صحي. مضيفا: “سيصبح نهر صحي ونظيف مصدر للسياحة (…) إن نهر الأردن مقدس لنصف البشرية”.

طقس العماد للمسيحيين الاورثوذوكس في نهر الاردن، 18 يناير 2015 (Hadas Parush/Flash90)

طقس العماد للمسيحيين الاورثوذوكس في نهر الاردن، 18 يناير 2015 (Hadas Parush/Flash90)

أكثر من نصف مليون شخص يأتي كل عام لزيارة الموقع الذي تعمد فيه السيد المسيح، يدعى بقصر-اليهود على الجانب الإسرائيلي وبيت عنيا على الجانب الأردني. مئات الآلاف من الأشخاص، معظمهم من المسيحيين الأرثوذكس الشرقيين، يقومون بالعماد في المياه، تجربة عاطفية ودينية. “لكن المياه تحتوي على الملوثات والاوساخ”، قال برومبيرج.

“إن المياه في موقع العماد غير صحية”، قال نادر الخطيب، المدير الفلسطيني لايكوبيس. “إنها تملك الكثير من المخاطر الصحية المحتملة. ونعتقد أن الذين يريدون أن يتعمدوا في ذلك الجزء من النهر يجب أن يفعلوا ذلك في مياه صحية جديدة”.

قطرة في دلو

على الرغم من الصعوبات السياسية الجارية، برومبيرغ ونظيريه الأردني والفلسطيني أشادا إسرائيل لإتخاذ بعض الخطوات الأولى لتنظيف النهر. بعد عام ونصف تقريبا، لأول مرة، بدأت إسرائيل بالسماح لجريان المياه من خلال سد بحيرة طبريا إلى مسارها الطبيعي في نهر الأردن.

تاريخيا، حوالي 600 مليون متر مكعب من المياه المستخدمة كانت تتدفق من بحيرة طبريا إلى نهر الأردن، وهو ما يكفي لملء حوالي 250,000 حمامات سباحة أولمبية كل عام. جاءت مياه إضافية من الروافد التي تغذي نهر الأردن، مثل نهر اليرموك، ليصبح المجموع 1.3 مليار متر مكعب مفرغة في البحر الميت. كما زاد عدد السكان في الغور، تم تحويل المزيد والمزيد من المياه للزراعة وللشرب. في عام 1964، بعد أن تم الإنتهاء من بناء السد في الطرف الجنوبي من بحيرة طبريا، توقف تدفق المياه إلى نهر الأردن من بحيرة طبريا إلى بشكل كامل.

هذا النقص في المياه الجارية، إلى جانب الممارسات كثيفة الإستخدام للمياه التي تستخدمها المصانع المعدنية على شواطئها، هم أسباب نقصان البحر الميت.

عمال عرب من اسرائيل يحملون انابيب مياه في وادي حيفر، 22 ابريل 2010 (Gili Yaari/Flash90)

عمال عرب من اسرائيل يحملون انابيب مياه في وادي حيفر، 22 ابريل 2010 (Gili Yaari/Flash90)

في أواخر عام 2013، افتتحت سلطة المياه أنبوب في سد ألوموت، للسماح لما يقارب 10 مليون متر مكعب بالتدفق إلى نهر الأردن كل سنة، مع خطة لزيادة هذه النسبة إلى 30 مليون متر مكعب بحلول عام 2016، قال أوري شور، المتحدث بإسم هيئة المياه الإسرائيلية.

“تتفهم سلطة المياه الأهمية الكبرى لإعادة تأهيل نهر الأردن الجنوبي، وتحقيقا لهذه الغاية دعمت دولة إسرائيل من خلال استثمار ملايين الشواقل في مشاريع لمعالجة مياه الصرف الصحي من طبريا والقرى المحيطة بها في مجلس غور الأردن”، قال شور.

السماح لتدفق المياه من بحيرة طبريا إلى نهر الأردن يخفف من التلوث ويساعد على إعادة تأهيل الموائل من خلال البدء في إعادة الأوضاع الطبيعية.

افتتحت سلطة المياه مصنع بيتانيا لمعالجة مياه الصرف الصحي مارس من هذا العام، الذي حل محل مصنع معالجة مياه الصرف الصحي القديم الذي قام بإلقاء النفايات السائلة إلى الأردن. سيقوم مصنع بيتانيا بعلاج كل من مياه الصرف الصحي من طبريا، وهذا يعني أن إسرائيل لم تعد تقم بإلقاء مياه الصرف الصحي في الأردن. وقال شور أن سلطة المياه تعمل أيضا على برامج التي من شأنها تحويل مياه بركة السمك لتحويلها للإستخدام الزراعي.

صورة ارشيف من مصنع تطهير المياه المالحة في عسقلان، 2005 (Edi Israel /Flash90)

صورة ارشيف من مصنع تطهير المياه المالحة في عسقلان، 2005 (Edi Israel /Flash90)

إدخال محطات تحلية للمياه، التي تقوم بتقليل الإعتماد على المياه العذبة من نهر الأردن، هو خطوة هامة أخرى نحو تحرير المياه من نهر الأردن. لدى إسرائيل حاليا أربع محطات تحلية للمياه، وواحدة أخرى قيد البناء وأخرى في مراحل التخطيط. كما وتخطط الأردن لمحطات تحلية للمياه في مدينة العقبة الساحلية. “اليوم مع التقدم في تكنولوجيا تحلية مياه البحر، تغير مسار اللعبة، ونعتقد انه يمكننا المضي قدما في ذلك”، قال الخطيب.

تقدر ايكوبيس أن 400 مليون لتر مكعب يمكن أن يتدفق في الأردن من ثلاثة دول، بما في ذلك من الروافد وبحيرة طبريا، سيكون ذلك الحد الأدنى المطلوب لبدء إعادة تأهيل النهر. وهذا من شأنه تمكين المزارعين من تحويل بعض الماء للري، على الرغم من ان جزء من الخطة الرئيسية يشمل مشاريع لتحسين الكفاءة الزراعية لزيادة خفض الحاجة للمياه. احد أوائل المشاريع قصيرة الأجل المقترحة هو زيادة ترشيد استهلاك المياه في السلطة الفلسطينية، لأن تلك خطوة تتطلب تعاون سياسي ضئيل ويمكن أن تنفذ على الفور.

نهر يجري من خلاله

قال بعض النشطاء، في حين تبدو بعض الحلول في الخطة الرئيسية المعروضة هذا الأسبوع كمستحيلة، ما يهم هو البدء في اتخاذ خطوات في الإتجاه الصحيح.

“قبل عشر سنوات سخر الناس منا عندما تحدثنا عن السماح لتدفق المياه إلى الأردن، شكل الاقتراح بمثابة نكتة للحكومة”، قالت ميرا ادلشتاين، المتحدثة بإسم اكوبيس. “اليوم، ليس انها ليست مجرد نكتة، إنهم يضخون كمية صغيرة كما نتكلم. إنها ليست إلا قطرة في دلو، ولكن يعتبر هذا تحول في الزخم والعقلية”.

التحول، مهما كان صغيرا، يذكر النشطاء بأهمية المضي قدما رغم التحديات الجيوسياسية.

“يمثل الشرق الأوسط كله تحديا للمساهمة في ذلك” اعترف مهيار. “الفيل في الغرفة هو العلاقة التي تربط بين إسرائيل وفلسطين. ولكننا بحاجة إلى بناء الثقة. الثقة، الثقة والثقة. إننا بحاجة ليعلم هؤلاء الناس في كلا الدولتين على أنه عندما يعملون معا سيستفيدون معا”.

وقال خطيب، المدير الفلسطيني: ” يحاول جميع الأطراف أن يضعوا في الإعتبار أن التعاون لا يمكن أن يعود سوى بالمنفعة، حتى لو كان التقدم بطيء ومحبط، وغالبا ما يبدو مستحيلا. إننا نتذكر هذه المنظمة الإقليمية التي تمكنت من جمع كل الأطراف الثلاثة، ويظهر هذا وضعا فائزا من جميع النواحي (…) يحافظ هذا على الزخم في منظمتنا. نحن لا نستسلم. على الرغم من كل عدم الإستقرار السياسي. إننا نؤمن في مستقبل أفضل”.

“تقترح الخطة بوجوب مساهمة جميع البلدان، لأن إسرائيل وحدها لا تكفي، فلسطين وحدها لا تستطيع، والأردن وحدها لا يمكنها. لكن معا، الأمر ممكن”.