اليافطات الإعلانبة عند مدخل رام الله الشمالي تعرض أسعارا مغرية لسكان المدينة على مركبات الدفع الرباعي من طراز “هيونداي”. يبدو ذلك النقيض التام ولكن في الإلتفات إلى الأحداث الماضية، فإن هذه هي الحملة المطلوبة للمشهد الذي يظهر بعد بضعة عشرات الأمتار فقط على الطريق المؤدية إلى الحاجز الإسرائيلي لما كان مرة فندق “سيتي إين”.

إكتسى الشارع كله بالسواد، وأصبح لونه أغمق من اللون المعروف للأسفلت. في كل متر هناك بقايا لإطارات محروقة وما زال بالإمكان ملاحظة الدخان المتصاعد جراء المواجهات التي شهدها يوم الأمس في المفرق سيء السمعة. في الأيام الأولى للإنتفاضة الثانية، في أواخر شهر سبتمبر وبداية أكتوبر 2000، كان هذا الموقع ميدان الإشتباكات المركزي بين الفلسطينيين وجنود الجيش الإسرائيلي من الجهة المقابلة، الذين انتشروا في منطقة “يهودا والسامرة”.

في كل يوم تدفق إلى هنا الآلاف، من بينهم مسلحون. بداية كان يتم إلقاء الحجارة وسرعان ما كان ذلك يتحول إلى إطلاق نار بإتجاه مقر قيادة الجبش الإسرائيلي في الضفة الغربية. من جهته، كان الجيش الإسرائيلي يرد بإطلاق نار كثيف وكانت الحشود تتفرق بكل إتجاه. قناصة من الوحدات الخاصة إحتلوا الطوابق العليا من فندق “سيتي إين”، في محاولة لإصابة المسلحين بدقة ولكن لا توجد هناك حاجة للإشارة بأنه في تظاهرات كهذه، التي يقوم فيها مسلحون بإطلاق النار من بين الحشود، كانت هناك عدد ليس بقبيل من المصابين في صفوف المتظاهرين الغير مسلحين. بعد مضي بضعة أسابيع لم يتيقى الكثير من الفندق. ولكن حتى بعد أشهر من ذلك رفرفت أعلام عدد من البلدان عند المدخل للمبنى، ولكن الصمت سيطر على المكان حتى تم إغلاقه في النهاية.

منذ ذلك الوقت مر حوالي 15 عاما. تم ترميم المنطقة بالكامل. وتم إنشاء المزيد من المباني الجديدة في مكان في الماضي ساحة للمعارك، إلى جانب مراكز تجارية فاخرة. رئيس السلطة الفلسطينية بنفسه محمود عباس يقطن على بعد بضعة مئات الأمتار من المفرق. تم بناء حديقة ألعاب للأطفال ونصب تذكاري ضخم. بعيدا كل البعد عن الصور من أيام الإنتفاضة الثانية. حتى أنه تم بيع مبنى “سيتي إين” وبدأت في المكان أعمال الترميم.

ولكن عندها بدأت موجة التصعيد الأخيرة، أو “إنتفاضة القدس”، ويبدو أن اللعنة ترفض ترك هذا الفندق. في كل يوم في الأسابيع الأخيرة يتجمع هنا العشرات أو المئات من الشبان الفلسطينيين لإلقاء الحجارة بإتجاه القوات الإسرائيلية التي تمنعهم من الإقتراب من الحاجز. ليس واضحا كيف بدأ كل ذلك.

قوات الأمن الإسرائيلية في مكان وقوع فلسطينيان حاولا تنفيذ هجوم طعن في بيت شيمش، 22 اكتوبر 2015 (Yaakov Lederman/Flash90)

قوات الأمن الإسرائيلية في مكان وقوع فلسطينيان حاولا تنفيذ هجوم طعن في بيت شيمش، 22 اكتوبر 2015 (Yaakov Lederman/Flash90)

وفقا لمصدر فلسطيني، بدأت التظاهرات في المفرق بعد أن قام مستوطنون بمهاجمة بيوت الفلسطينيين الذين يعيشون بالقرب من الحاجز. على الجانب الإسرائيلي يقولون إن طلاب “الكتلة”، إتحاد الطلبة التابع لحماس في جامعة “بير زيت”، إهتموا بتوفير حافلات خاصة لنقل الطلاب إلى المفرق من أجل خلق إحتكاك مع القوات الإسرائيلية وربح بضعة نقاط إضافية في الرأي العام الفلسطيني. في نهاية المطاف إنضم لمناصري حماس مؤيدو فتح أيضا، شبان وأطفال يقومون بهذه الطريقة بتمضية ساعات بعد الظهر.

الحديث لا يدور عن جمهور كبير، ليس بالآلاف وبكل تأكيد ليس بعشرات الآلاف ولكن على الأقل يخلق ذلك شعورا بـ”إنتفاضة شعبية”. ولكن الحقيقة هي أنه إذا قمنا بتسمية هذه الظاهرة بالإنتفاضة أم لا، فإن البعد الشعبي فيها هو أمر ثانوي. هجمات السكاكين في الخليل والقدس هي التي توضح على أن هناك ظاهرة إستثنائية ونادرة يخرج فيها بعض الفلسطينيين يوميا لتنفيذ هجمات وهو على إستعداد للموت في إطار هذه المحاولات. يشكل ذلك تحديا شبه مستحيل بالنسبة لقوى الأمن. لا توجد هنا بنية تحتية أو قائد، لا واحد ولا عدة قادة. يوجد هنا مزيج من الغليان العام بأعداد ليست بالمرتفعة، إلى جانب عمليات فدائية تهز شعور الأمن الإسرائيلي.

’الطبيعي’ الجديد؟

ربما يكون هذا هو نوع جديد من الإنتفاضة ولكن على عكس ما يراه عدد من المحللين والمختصين، فإن هذا “الشيء” لا يبدو أنه سيختفي أو سيمضي قريبا.

التحريض على العنف ليس مؤسسيا (هناك تحريض مؤسسي، ولكنه ليس بالشيء الرئيسي) ولكنه أخطر بكثير – إنه إجتماعي، على طريقة “صديق يأتي بصديق” بمساعدة مواقع التواصل الإجتماعي، وبالطبع، كل منفذ هجوم يُقتل، وكل نحتج يتعرض للإصابة، يأتي بالمزيد من منفذي الهجمات المحتملين، تمام مثل العُدر، الوحش الأسطوري صاحب الرؤوس المتعددة الذي في كل مرة يتم فيه قطع أحد رؤوسها، يظهر رأسين جديدين من تحته.

نجحت الإنتفاضة الجديدة بإخراج الرأي العام الإسرائيلي من عدم إكتراثه لما يحدث في الساحة الفلسطينية. أبو مازن، فتح، حماس، عادوا جميعهم إلى تصدر العناوين. في سياق سلبي طبعا، ولكن فجأة تُسمح الأصوات مجددا التي تحدثت عن ضرورة التوصل إلى إتفاق سياسي أو فك الإرتباط. نجح منفذو الهجمات في خلق جو من الذعر المفهوم في إسرائيل، وحتى الهستيريا أحيانا، مثال على ذلك هو الحادثة التي وقعت في القدس ليلة الأربعاء، حسث قاتل طالب ديني يهودي بسبب الاعتقاد انه فلسطيني.

من الصعب القول أن هذا هو الشعور في قلب رام الله. صباح الأربعاء، اكتظ مركز المدينة بالناس. التجار والزبائن والسيارات. بدا مقهى “رام الله” الذي يقع عند ميدان أبو عمار هادئا وكذلك الأمر بالنسبة لمن جلس فيه. كل شخص مهتم بشؤونه وفقط البث الخاص الموضوع على “كتم الصوت” على شاشة التلفزيون لقناة “فلسطين اليوم” دل على ما يحدث في أماكن أخرى من الضفة وخاصة في الخليل. تسير الأمور كالمعتاد. الإنتفاضة نسخة 3.0 تجتاح شوارع القدس والخليل، ولكن هنا على الأقل يبدو أن ما يهم معظم الناس هو أمور المعيشة.

ولكن يوجد هناك أيضا من تعنيه هذه المسألة بدرجة كبيرة. جواد، صاحب دكان أزهار قريب، يجهز باقة ورود رومانسية ويقوم خلال ذلك بإطلاق مونولج سياسي غير مستغرب. بحسب أقواله فإن الشعب الفلطسيني كله يرى بهذه الهجمات (العمليات كما يصفها) ردا شرعيا على المس بالأقصى وعلى هجمات المستوطنين.

’نحن نرغب بالسلام ولا نريد حربا… لكن الهجمات على الفلسطينيين من قبل المستوطنين يجب أن تتوقف’

“بنظرنا فإن هؤلاء هو عصابات مجرمين والهجمات ضد اليهود هي مجرد إحتجاج”، كما يقول. “نحن نرغب بالسلام ولا نريد حربا، ليكن ذلك واضحا. ولكن الهجمات على الفلسطينيين من قبل المستوطنين يجب أن تتوقف”.

محمد صاحب دكان العصائر الطبيعية في ميدان المنارة القريب لا يرى بهذه الأحداث إنتفاضة حتى الآن. “في الوضع فإن الشيء الوحيد الذي تفهمه إسرائيل هو القوة. عندما يشعرون بفقدان الأمن يبحثون عن حل. حتى الآن لم يكترثوا بالمرة. 90% من الجمهور يؤيد اليوم ’العمليات’ (الهجمات) وحتى السلطة وأجهزة الأمن لا تندد بها.

“إفهم، لا يمكن للسلطة اليوم أن تفرض على الفلسطينيين ألا يفعلوا شيئا. وبالتأكيد لا يمكنها القيام بذلك في أيام لا تقدم فيها الحلول. يحاولون تهدئة الأوضاع ولكنهم يدركون أنهم لا يملكون القدرة للقيام بأكثر من ذلك”.

محمد، الذي يتمتع محل العصائر الطبيعية الذي يملكه بشعبية كبيرة، يصف بدقة الوضع الدبلوماسي-سياسي للسلطة الفلسطينية ومن يقف على رأسها، عباس. من جهة تقوم أجهزة الأمن الفلسطينية بجهود لمنع هجمات ضد إسرائيليين وحتى لمنع إطلاق نار من داخل التظاهرات، ولكنها في المقابل لا تحاول وقف التظاهرات بشكل كامل، والسلطة لن تخرج للتنديد بالهجمات. الوضع الحالي يشكل خطرا عليها وقد يخرج “النمر” عن السيطرة بسهولة، ولكن في الوقت الحالي لا تملك السلطة خيارات أخرى. حتى لو قامت بالتنديد ومحاولة وقف منفذي الهجمات، فهي لا تملك اليوم القدرة على القيام بذلك. بالتالي وجدت لنفسها طريقا وسطا، مريح نسبيا. الحفاظ على الاستقرار النسبي في الضفة وعلى حكم السلطة، ووقف كل ما يبدو كإرهاب منظم تقف وراءه حماس بالطبع، في الوقت الذي تقوم به بإطلاق البخار في نقاط الإحتكاك مثل مفرق “بيت إيل”، وعدم التنديد بالهجمات في القدس والخليل.

مطالب لن يقبلها نتنياهو

في السلطة الفلسطينية يدركون أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تحت الضغط. تصريحاته هذا الأسبوع حول مفتي القدس وهتلر هي خير دليل على ذلك. وفي السلطة يتذكرون تماما ماذا يحدث عندما يكون نتنياهو تحت الضغط. يقوم بالتراجع، كما فعل بعد أحداث النفق في الحرم القدسي عام 1996 التي أدت إلى إنسحاب من الخليل بعد رفض متواصل لنتنياهو للخروج من أجزاء من “مدينة الآباء”.

من هنا ولدت أيضا خطة كاملة للسلطة للضغط على إسرائيل والحصول منها على تنازلات كبيرة. في السلطة الفلسطينية قاموا بوضع قائمة مطالب سيتم تقديمها لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري خلال لقائه مع عباس يوم السبت، والتي تبدو غير واقعية، ربما من منطلق محاولة إستغلال الموقف: يتم عرض المطالب وسيتم الموافقة على بعضها بكل تأكيد.

هذه المطالب مقسمة لثلاث مستويات: على المدى البعيد والمتوسط والقصير. على المدى البعيد يطالب الفلسطينيون بإستئناف مفاوضات السلام مع جدول زمني محدد ومعروف بالإستناد على فكرة الدولتين في حدود عام 1967. على المدى المتوسط، تطالب السلطة بإجراء سلسلة من المحادثات لبحث الإتفاقات المؤقتة الموقعة بين الطرفين والتي تتعلق في الترتيبات الأمنية والإقتصادية. وعلى المدى الفوري، إسرائيل مطالبة بإتخاذ سلسلة من الخطوات: وقف مصادرة الأراضي، نقل أجزاء من منطقة (C) إلى سيادة السلطة، وقف عنف المستوطنين، والأهم من ذلك كله العودة إلى الوضع الراهن في الحرم القدسي كما كان عليه قبل دخول شارون إليه في سبتمبر 2000. بكلمات أخرى، أن يكون الوقف هو من يقرر من سيدخل إلى الموقع ومتى، وليس الشرطة الإسرائيلية.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مؤتمر سلام في واشنطن، 2 سبتمبر 2010 (Moshe Milner/GPO/Flash90

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مؤتمر سلام في واشنطن، 2 سبتمبر 2010 (Moshe Milner/GPO/Flash90

عندما شرحت للمسؤولين الفلسطينيين في رام الله بأن نتنياهو لن يوافق على هذه الخطوات، وإذا وافق عليها سيؤدي ذلك إلى سقوط حكومته، لم يبدو عليهم التأثر الكبير من ذلك، وهددوا، “إذا لم تكن هناك خطوات إسرائيلية دراماتيكية، سنوقف التنسيق الأمني”. بالنسبة لهم فإن الخاسر الوحيد من الوضع الحالي هو إسرائيل. فالسلطة الفلسطينية لا تملك القدرة أصلا على السيطرة على ما يحدث على الأرض.

في هذه الإثناء فإن نتنياهو بعيد كل البعد عن الموافقة على المطالب الفلسطينية. قالت لي مصادر عربية هذا الأسبوع أن رئيس الوزراء قام بتمرير إقتراح للقصر الملكي الأردني بموجبه ستقوم إسرائيل بتقليص عدد الزوار اليهود في الحرم القدسي مقابل دعوة مشتركة للتهدئة. ولكن بالنسبة للملك عبد الله وعباس فهذا الإقتراح مهين. يدخل الحرم القدسي حوالي 12,000 زائر يهودي كل عام، ما الفرق الذي سيشكله دخول 11,000 بالنسبة لهما؟ مكتب نتنياهو نفى طبعا هذا التقرير، ولكن على أي حال فإن عباس وعبد الله يطالبان بتغيير جذري لن يوافق عليه رئيس الوزراء وإذا وافق كما ذكر أعلاه، ستسقط حكومته. إعادة السيادة للوقف.

هذه الفجوة الهائلة بين ما يُطلب من نتنياهو القيام به للتوصل إلى تهدئة وبين ما هو قادر على فعله من ناحية سياسية، يؤدي إلى إستنتاج كئيب جدا: “خطة الخروج”، أو الحل للوضع الحالي، لا يظهران في الأفق.