تدور في هذه الأيام في أروقة السلطة معركة هادئة على الروح الإقتصادية لإسرائيل.

من جهة تقف سلطات إنفاذ القانون الإسرائيلية المنهكة وقليلة المصادر، والتي تسعى الآن متأخرة إلى معالجة أسوأ آفة فساد تضرب إسرائيل الحديثة. من جهة أخرى يقف هؤلاء الذين يسعون إلى تعميق سيطرة الإجرام على الدولة اليهودية.

عشر سنوات بعد أن بدأت شركة الخيارات الثنائية بالعمل في إسرائيل، وبعد عام من بدء تايمز أوف إسرائيل بالكشف عن صناعة الإحتيال هذه بلا هوادة، وبعد عام أيضا من قيام هيئة الأوراق المالية الإسرائيلية بمنع هذه الشركات من إستهداف الإسرائيليين، وقّع وزير المالية على مسودة تشريع لحظر هذه الشركات بالكامل. منعها من العمل في إسرائيل. منعها من إستهداف العملاء في أي مكان في العالم.

إستغرق لهيئة الأوراق المالية الإسرائيلية وقتا طويلا لإستيعاب مدى حجم هذه الصناعة – التي تُقدر أرباحها ما بين 5 مليار و10 مليار دولار سنويا – ومدى الضرر الذي تسببه. (10 مليار دولار هو رقم يشكل 10% وأكثر من الصادرات الإسرائيلية السنوية). يتوجه في العقد الأخير عشرات آلاف الإسرائيليين إلى عملهم يوميا في مراكز الإتصال في تل أبيب وهرتسليا ورمات غان وقيساريا وغيرها من المدن، ويقومون بسلب أموال ضحايا من جميع أنحاء العالم. ظاهريا هم يقومون بتقديم إستشارة للعملاء في استثمارات مربحة على المدى القصير من خلال منصات تداول معقدة، لكن مندوبي المبيعات المحتالين يقومون في الواقع في إستخدام مجموعة متنوعة من الحيل – من ضمنها الكذب بشأن هوياتهم وموقع عملهم وخبرتهم، التلاعب بمعطيات السوق، ورفض قاطع للسماح لزبائهم بسحب أموالهم – لضمان أن يخسر جميع الزبائن معظم أو كل أموالهم.

ولكن والحق يُقال في الأشهر الأخيرة أدركت هيئة الأوراق المالية الإسرائيلية ما يحدث، والضرر الذي تسببه شركات الخيارات الثنائية لسمعة إسرائيل الإقتصادية. يعود الفضل في ذلك في جزء منه إلى تغطيتنا الصحفية، وفي جزء آخر إلى الغضب المتزايد في العالم من صناعة الإحتيال هذه التي تتخذ من إسرائيل مقرا لها، والذي بدوره جاء بضغوطات من قبل مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي وهيئات رقابة مالية أخرى في العالم.

رئيس هيئة الأوراق المالية الإسرائيلية، شموئيل هاوزر، وصف في الصيف الماضي شركات الخيارات الثنائية بالمقززة  والمدمرة، وتعهد بإغلاقها. مكتب رئيس الوزراء أعرب عن دعمه للخطوة.

بالتعاون مع وزارة العدل ومكتب النائب العام، صاغ هاوزر تشريعا ضروريا في وقت سابق من هذا العام. في الشهر الماضي، وقّع وزير المالية موشيه كحلون على المسودة. وبدعم من المعارضة أيضا، حيث لعبت عضو الكنيست كارين إلهرار، رئيسة لجنة مراقبة الدولة في الكنيست، دورا هاما في تحفيز المضي قدما في إلإجراء، من المفترض المصادقة على التشريع من قبل اللجنة الوزارية للتشريع في الأيام القليلة المقبلة، قبل خروج الكنيست في عطلة.

لكن قبل أسبوعين، في جلسة خاصة للجنة مراقبة الدولة المعنية بهذه القضية، تحدث اثنان من ممثلي هذه الصناعة ضد قرار الحظر الكامل – وحاولا منع نفسهما من الضحك عندما حاولا الدفاع عن ما لا يمكن الدفاع عنه أخلاقيا. ادعى الرجلان أن إغلاق هذه الصناعة في إسرائيل سيدفع بها إلى نقل مكاتبها إلى خارج البلاد، حيث سيحصل آخرون على وظائف الإسرائيليين – قد يكون ذلك صحيحا، لكنه لا يبرر إستمرار عملية السرقة الجارية في إسرائيل. أحدهما ادعى في محاولة يائسة إن البعض من آلاف المواطنين العرب العاملين في هذه الشركات، إذا انتهى بهم الأمر من دون وظائف قد يلجؤون إلى الجرائم ذات الدوافع القومية. وحذر أيضا من أن المهاجرين الجدد، الذين يتم توظيفهم على نطاق واسع بسبب لغتهم الإنجليزية والفرنسية ومهارات لغوية أخرى لن يكونوا قادرين على إيجاد وظائف مماثلة براتب جيد، متجاهلا مرة أخرى اللا أخلاقية المتمثلة في هذا العمل. وادعى أيضا إنه سيتم إخلاء مباني مكاتب بين ليلة وضحاها، زاعما أن 20,000 إسرائيلي يعملون بصورة مباشرة في هذا المجال، في حين يعمل 60,000 آخرين في شركات مرتبطة بهذه الشركات – وهي أرقام أعلى من معطيات أشارت إليها مصادر أخرى في هذه الصناعة.

ورفضت إلهرار ومسؤولون آخرون، اقتنعوا منذ مدة طويلة بمدى خطورة شركات الإحتيال هذه، هذه المعطيات التي تم عرضها في الجلسة، معتبرين أنها تهدف إلى خدمة مصلحة الشركات نفسها وتبرير وتطبيع ما يُعتبر إلى حد كبير مشروع جنائي. في رد مباشر على أن المهاجرين الذين انتقلوا للعيش في إسرائيل للهرب من معاداة السامية سيجدون أنفسهم من دون عمل، قال هاوزر، رئيس هيئة الأوراق المالية الإسرائيلية: “لقد قلت أن الناس انتقلوا للعيش هنا للهروب من معاداة السامية. هل أتوا هنا لتأجيج معاداة السامية؟ هل لهذا الغرض جاؤوا إلى إسرائيل؟… لقد كنت في أوروبا قبل بضعة أسابيع مع جميع المسؤولين في هيئات الرقابة المالية وسمعت ما كان لديهم ليقولونه بشأن هذه الصناعة”.

لكن في الأيام التي تلت جلسة 28 فبراير، تعمل جماعات ضغط وأنصار لهذه الصناعة بهدوء من وراء الكواليس في محاولة لتقويض الدعم بين الوزراء للتشريع الجديد، مكررين الإدعاء أن الحظر سيبقي عددا كبيرا من الإسرائيليين من دون عمل، ومطالبين بتنظيم شركات الخيارات الثنائية بدلا من إغلاقها – على الرغم من حقيقة أن رئيس هيئة الأوراق المالية الإسرائيلية شموئيل هاوزر، الذي أعرب عن إشمئزازه من هذه الشركات وتأثيرها المدمر على سمعة إسرائيل الإقتصادية ومساهمتها في تأجيج معاداة السامية، هو الذي أشرف بنفسه على صياغة التشريع الذي يسعى إلى إغلاق هذه الصناعة بالكامل. (“لم أصادف حتى الآن شركة خيارات ثنائية شرعية واحدة”، كما قال جيسون روي، رئيس فرقة العمل ضد الخيارات الثنائية التي تم تشكيلها حديثا في كندا، في الأسبوع الماضي، طالبا من الحكومة الإسرائيلية إغلاق شركات الخيارات الثنائية “على الفور”).

هذه ليست المرة الأولى التي تكون هناك فيها محاولات لوقف عمل هذه الشركات في إسرائيل. في عام 2011، حاولت عضو الكنيست حينذاك عينات ويلف حظر عمل شركات الخيارات الثنائية والفوركس، لكن أنصار هذه الشركات نجحوا في إحباط هذه المحاولات. هذه المرة الأمور تختلف قليلا. هذه المرة تمت صياغة التشريع من قبل سلطات انفاذ القانون وهو يلقى دعما من الحكومة والمعارضة، وحصل على مصادقة وزير المالية وعلى دعم وزيرة العدل.

لكن مؤيدي الخيارات الثنائية يحظون بتمويل كبير وليسوا بساذجين. فهم لا يمارسون ضغوطا على الوزراء أو، في مرحلة لاحقة، على أعضاء كنيست للتصويت ضد القانون. سيبدو ذلك محرجا أمام الرأي العام. ما سيقومون به بدلا من ذلك هو العمل على تأخير القانون في طريقه الطويلة إلى المصادقة عليه في الكنيست، لأسابيع أو أشهر من خلال تعديلات مقترحة والتدقيق في أتفه تفاصيله حتى يتم التخلي عنه في نهاية المطاف.

سُمح لشركات الخيارات الثنائية بالإزدهار جزئيا لأن سلطات انفاذ القانون في إسرائيل تعمل على إخماد الكثير من الحرائق في عدة مجالات. فبعد كل شيء، هذا بلد “يفتخر” برئيس وزراء يقبع في السجن لإرتكابه مخالفات مالية وآخر، لا يزال في منصبه، يخضع للتحقيق في شبهات كسب غير مشروع، وحاخام أكبر على وشك دخول السجن لتلقيه رشاوى، ورئيس بنك سابق سُجن بتهمة الإحتيال، وضابط كبير سابق في الشرطة وُجهت إليه تهمة الإحتيال، وعدد من رؤساء البلديات الذين اعتُقلوا للإشتباه بتورطهم في سلسلة واسعة من تهم الإحتيال والمخالفات المالية. علاوة على ذلك، بعض ممثلي هذه الصناعة أصحاب علاقات قوية، بما في ذلك علاقات سياسية.

لا يوجد هناك من يقول أن السلطات غضت الطرف عن وباء الإحتيال بسبب ضغوط سياسية أو غيرها. ولكن الآن وبعد أن أصبحت السلطات – بما في ذلك ولكن ليس فقط مكتب رئيس الوزراء والوكالة اليهودية وهيئة الأوراق المالية الإسرائيلية ووزارة العدل والشرطة الإسرائيلية – على علم كامل بما يحدث، لن يكون هناك أي مبرر للمشرعين الإسرائيليين في عدم المصادقة على اتخاذ إجراءات حازمة أدركت هذه السلطات متأخرة بأنها ضرورية.

من خلال السماح لشركات الخيارات الثنائية المحتالة هذه بمواصلة عملها، ستتمكن صناعة الإحتيال هذه من الوصول لكل شخص وفي أي مكان وكل مكان من حول العالم، مع أساليبها المشحوذة جيدا لفصل أفراد عن أموالهم التي كسبوها بشق الأنفس، تاركة وراءها أشخاصا دمرت حياتهم. من خلال السماح لها بمواصلة عملها، ستجعل شركات الخيارات الثنائية المحتالة هذه من سلطة القانون موضع سخرية في هذه البلد وتقوم بتطبيع الإجرام. من خلال السماح لها بمواصلة عملها، ستواصل شركات الخيارات الثنائية المحتالة في إغواء الآلاف من الشبان الإسرائيليين في الدخول إلى حياة الجريمة.

وثق تايمز أوف إسرائيل حادثة إنتحار فريد توربيد المأساوية في كندا قبل ثلاثة أشهر بعد أن قامت شركة خيارات ثنائية إسرائيلية بالإحتيال عليه. إذا تمت عرقلة التشريع الذي جاء متأخرا أصلا هذه المرة، لن يكون بإمكان إسرائيل القول “لا تلقوا اللوم علينا. لم نكن على علم” بحالات فريد توربيد المقبلة. لن يكون بإمكان إسرائيل القول “لا تلقوا اللوم علينا. لم نكن على علم” بالضرر الذي يحلقه آلاف عديمي الضمير من مواطنينا  للآخرين ولنا.

___

ضحايا احتيال الخيارات الثنائية مدعوون للإتصال بتايمز أوف إسرائيل (على: office@timesofisrael)، و/أو الشرطة الإسرائيلية، و/أو هيئة الأوراق المالية الإسرائيلية، و/أو وزارة العدل. والأمر ذاته بالنسبة لموظفين حاليين أو سابقين في شركات الإحتيال.