ربما تم بث المناظرة الرئاسية الأولى بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب في وقت الذروة في القنوات التلفزيونية الأمريكية، ولكن بالنسبة لإسرائيل جاء البث في وقت غير مريح، حيث انطلق في الساعة الرابعة صباحا. ولأولئك الذين انتظروه او استيقظوا لمشاهدته، بالكاد كانت هناك إشارة لنا لرفع معنوياتنا المتعبة في هذا الفجر – من دون الإشارة المباشرة لإسرائيل، مع ذكر إسم رئيس وزراءنا على لسان ترامب مرة واحدة فقط.

لكن مع ذلك تم طرح مسائل تعني إسرائيل كثيرا، بالأخص ما يشمل الإتفاق النووي الإيراني والحرب ضد الإرهاب.

فيما يلي أربع إستنتاجات في الصباح بعد المناظرة من القدس.

إسرائيل، غير مذكورة

مناظرة لمدة 90 دقيقة من دون ذكر “إسرائيل”؟! في الوقت الذي يتشابك فيه مصيرنا مع مصير العالم الحر وأمريكا كقائدة له، هل يجدر بنا أن نستاء من ذلك؟ لا أعتقد ذلك.

من مصلحة إسرائيل الكاملة عدم إستغلال إسمها في كرة قدم سياسية في حملة إنتخابية رئاسية حاقدة بشكل مذهل. نحن نقع على خط جبهة جغرافي وعملي في الحرب ضد التطرف الإسلامي الذي يهدد العالم الحر على نطاق واسع. نحن الديمقراطية الوحيدة في المنطقة (ولكن يسعدنا أن ينضم إلينا آخرون). نرغب ونحتاج ونشعر بأننا نستحق الدعم من مختلف ألوان الطيف السياسي الأمريكي.

إذا لم يجد هذان المرشحان اللذان على خلاف دائم شيئا مقنعا حول إسرائيل للإختلاف عليه، فهذا أفضل. لا شيء يُقال هنا. لنمضي قدما.

الخلاف حول إيران

على النقيض من ذلك، موضوع إيران، والإتفاق النووي مع نظام آيات الله الذي دفعت به إدارة أوباما ووقعت عليه ودافعت عنه ظهر كثيرا. وأتكهن أن تعاطف معظم الإسرائيليين الذين شاهدوا المناظرة كان مع ترامب.

الطريقة التي وصفت فيه كلينتون الإتفاق، “قضيت عاما ونصف العام في تشكيل تحالف شمل روسيا والصين لفرص أقسى العقوبات على إيران. ونجحنا في جلبهم إلى طاولة المفاوضات. وخلفي في المنصب، جون كيري، والرئيس أوباما حصلوا على إتفاق يحد من برنامج إيران النووي من دون إطلاق رصاصة واحدة. هذه هي الدبلوماسية. هذا هو بناء التحالفات. هذا هو العمل مع بلدان أخرى”، وأضافت لاحقا: “لا شك بأن لدينا مشاكل أخرى مع إيران. ولكن شخصيا، أفضل اتفاقا مع مشاكل أخرى يحد من برنامجهم النووي بدلا من الإستمرار في مواجهته”.

ترامب لم يتأثر من ذلك: “… أنت بدأت الإتفاق مع إيران”، كما ذكّر منافسته بمرارة. “هذا شيء رائع آخر عندما يكون لديك بلد على وشك الإنهيار. لقد كان وضعهم في غاية السوء. كانوا يختنقون تحت العقوبات. والآن سيكونون في الواقع قوة رئيسية على الأرجح في مرحلة ما قريبا جدا، بالطريقة التي يسيرون فيها”. وعادة إلى الفكرة الرئيسية بعد ذلك بوقت قصير: “هذا أحد أسوأ الإتفاقيات التي تم التوصل إليها على الإطلاق من قبل أي بلد في التاريخ. الإتفاق مع إيران سيؤدي إلى مشاكل نووية. كل ما عليهم فعله هو الجلوس لعشر سنوات، وليس عليهم فعل الكثير… وسينتهي بهم الأمر بالحصول على سلاح نووي. إلتقيت مع بيني نتنياهو في الأمس. صدقوني، هو غير سعيد”.

من هذه الشواطئ، بدت صفقة إيران كإتفاق ضعيف في الوقت الذي كان من الممكن فيه التفاوض على إتفاق أفضل. مجموعة 5+1 استعدت لتفكيك برنامج إيران النووي وفرض العقوبات التي تجبر النظام على الجلوس على طاولة المفاوضات، لكنها توصلت في النهاية إلى اتفاق يترك قسما كبيرا من البرنامج سليما، ولا يعمل على تجميد جميع عناصره، ويسمح لإيران بفترة تجاوز سريعة محتملة لترسانة نووية حتى لو التزمت بالبنود العديدة التي ستنتهي صلاحيتها في السنوات القادمة.

لإضافة الملح على الجرح، طلبت إدارة أوباما من إسرائيل التوقف عن إنتقاد الإتفاق قبل التوقيع عليه لأن قيادتنا لا تعرف ظاهريا ما الذي تتحدث عنه، بعد ذلك ادعت بأنه لم يكن من الممكن التوصل إلى إتفاق أفضل وأنه لا يوجد هناك إي اتفاق سيرضي إسرائيل، ومؤخرا أكد الرئيس بنفسه على أن “المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية” تقر الآن بأن الإتفاق هو “تغيير [إيجابي] في قواعد اللعبة”.

نتنياهو “ليس سعيدا”؟ أعتقد بأن رئيس الوزراء كان سيومئ برأسه سرا موافقا على ما قاله ترامب.

مشاهدة ممتعة

ما قبل القتال بين المصارعين، اعتبرت وسائل الإعلام الأمريكية هذه المناظرة الأولى على أنها توازي تقريبا “ثريلا في مانيلا”. شبكة “سكاي نيوز” البريطانية قالت بأن هذه المناظرة قد “تغير العالم”، وليس أقل من ذلك. ولكن إذا قام 100 مليون أمريكي حقا بمتابعة اللكمات والتضليل في البداية، أتساءل كم منهم استمر بمشاهدة المناظرة حتى جولاتها الأخيرة.

لم تكن هناك ضربة قاضية. بعد تعافيها من الإلتهاب الرئوي، لم تقم كلينتون بأكثر من التنحنح، ناهيك عن الترنح، الوقوع، أو السعال. والنقاشات في بداية المناظرة، حول الضرائب والقروض، كانت بالكاد تكفي للفت الإنتباه في التلفزيون.

لم تكن هذه بمناظرة نيسكون-كندي. ولم تكن أيضا، من هذه الناحية، إذا أردنا تذكر مناظرة حاسمة في الإنتخابات الإسرائيلية، المناظرة بين بيرس ونتنياهو: قبل عشرين عاما، في مايو 1996، قبل ثلاثة أيام من التوجه إلى صناديق الإقتراع لإنتخاب خليفة لرئيس الوزراء يتسحاق رابين الذي تم إغتياله، وافق المرشح صاحب الحظ الأوفر بالفوز بعد تردد على إجراء مناظرة تلفزيونية واحدة ضد زعيم المعارضة الشاب بنيامين نتنياهو. تردد بيرس لأنه كان لديه الكثير ليخسره: فقد كان سياسيا مخضرما، مرشح المؤسسة السياسية الذي عمل جاهدا للوصول إلى ما وصل إليه؛ كانت لديه الخبرة والحكمة المفترضة، وفي مواجهته كان هناك منافس غير متوقع وذكي وصاحب حضور.

اللحظة الحاسمة جاءت في نهاية المناظرة، عندما دعا الإعلامي دان مرغليت، الذي أدار المناظرة، كل مرشح إلى توجيه سؤال واحد لمنافسه. نتنياهو، كما فعل طوال المناظرة التلفزيونية وفي الواقع طوال الحملة الإنتخابية التي شهدت تفجيرات إنتحارية لحركة “حماس”، هاجم نتنياهو بيرس على عدم قدرته المزعومة في تصحيح الوضع الأمني “المتدهور”، وهو ما رد عليه بيرس بالقول إن منافسه يحاول تحقيق مكسب سياسي بصورة ساخرة من مخاوف الناس، ورفض توجيه اي سؤال، في محاولة للإشارة إلى أن نتنياهو مجرد هاو لا يمكنه أن يضيف أي قيمة حقيقية. لكن ما تم فهمه هو أن بيرس لم يتمكن بالخروج بسؤال لن يكون نتنياهو قادرا على الرد عليه بصورة فعالة.

بعد أيام من ذلك، خسر بيرس الإنتخابات لنتنياهو بنسبة أقل من 1% – 29,457 صوتا بالتحديد. المناظرة التلفزيونية لعبت من دون شك دورا في ذلك.

كلينتون عرفت بشكل واضح أفضل مما عرفه بيرس عن مخاطر التقليل من أهمية خصم حاد لا يعرف الرحمة. فهي ، كما قالت، “مستعدة لتكون رئيسة”. ومن الواضح أنها استعدت بصرامة لهذه المناظرة – مع معرفتها أن التلفزيون هو المنطقة التي يبرع فيها ترامب.

لم يغادر أي من المرشحين بشعور أنه هُزم. ولكن لا يمكن لأي منهما أيضا إعلان النصر الحاسم.

ومع ذلك

ومع ذلك، على الرغم من أن ترامب كان في بيئته الطبيعية لكنه فشل في توجيه ضربة قاضية، على الرغم من أن كلينتون بدت كفؤة وواثقة من نفسها ومطمئنة نسبيا، أنا أعتقد أن المرشح المبتدئ هو الذي بإمكانه السماح لنفسه بالشعور بالرضا أكثر بعد المناظرة الأولى من بين ثلاث مناظرات.

فها هو، من أتى من خارج المؤسسة السياسية بأسلوب خاص به، المرشح المناهض للمؤسسة ظاهريا، المنافس الذي لم يعطه أي شخص فرصة ولو صغيرة بالفوز ببطاقة الترشيح، يقف أخيرا على قدم المساواة مع سياسية مخضرمة، ويتبادل معها الإتهامات. على الشاشة التي قُسمت لنصفين، ببساطة لأنه أطول، كانت حتى هناك لحظات ظهرت فيها كلينتون وهي ترفع بنظرها إليه بين المرة والأخرى – لقطة حلم.

هل بدا في حالة ميؤوس منها مقابل قائدة سياسية صاحبة خبرة كبيرة؟ لا، لم يكن كذلك. هل أعطى ناخبيه المحتملين سببا قويا لإعادة التفكير بإنتخابه، أو الإبتعاد عنه؟ لا أعتقد ذلك. وهل أضر بفرصه بين المترددين؟ لا أعتقد ذلك أيضا. تناثرت حملته الإنتخابية مع إقتراحات سياسة سطحية وبعض التصريحات المروعة والرديئة؛ لقد نجح في الإبتعاد عن ذلك ليلة الإثنين.

تنبع جاذبية ترامب، في جزء منها، من حقيقة كونه متهورا ومثيرا للجدل ويتحدث من قلبه. يصبح عامل الجذب هذا محدودا إذا أظهر أيضا أنه غير مسؤول ولا يتحكم بأعصابه وخطير.

هل أقنعت هيلاري كلينتون ليلة الإثنين الأمريكيين بأنه لا ينبغي عليهم وضع ثقتهم في دونالد ترامب لقيادتهم والدفاع عن بلدهم؟ لا أعتقد أنها نجحت في ذلك. وقد يكون عليها فعل ذلك، إذا كانت تريد منعه من الفوز بالرئاسة.