أ ف ب – داخل خيمة في بلدة الطيبة البقاعية في شرق لبنان، تشرح سناء عبسي المتطوعة في منظمة “أطباء بلا حدود”، لمجموعة من اللاجئات السوريات وسائل منع الحمل، ما يثير ابتسامات خجولة لدى الشابات اللواتي يرى بعضهن للمرة الأولى “واق ذكري”.

تزيل سناء الواقي الذكري من الغلاف البلاستيكي أمام السيدات اللواتي يشاركن في برنامج استثنائي تديره منظمة “أطباء بلا حدود” حول تنظيم الأسرة، ويوفر للاجئات السوريات في لبنان وسائل منع حمل مجانية فضلا عن الرعاية الصحية قبل الإنجاب وبعده.

ويثير موضوع استخدام وسائل منع الحمل في مجتمعات محافظة، بعض الحساسية انطلاقا من خلفيات ثقافية وحتى سياسية. وفي الجزء الأكبر من الشرق الأوسط، ينظر الى العائلة الكبيرة بإعتبارها بركة من الله، في حين أن وسائل منع الحمل موضع شك وأحيانا مرفوضة بالكامل.

وفي لبنان حيث يقيم 1,1 مليون لاجئ سوري يرتب وجودهم عبئا متزايدا على الدولة ومؤسساتها، ثمة خشية من أن يفهم برنامجا مماثلا بوصفه محاولة لتشجيع اللاجئات على عدم الإنجاب.

تتعامل سناء (30 عاما)، وهي بدورها لاجئة تتحدر من محافظة درعا في جنوب سوريا، بحرص مع اللاجئات خلال تقديمها عرضا عن وسائل منع الحمل المتنوعة، لكنها تشرح في الوقت ذاته المعلومات بثقة وطريقة مباشرة داخل الخيمة التي تحولت الى صف في مركز إيواء في بلدة الطيبة في شرق لبنان.

وخلال شرحها كيفية استخدام الواقي الذكري، تبادر بعض السيدات الى الضحك، فتقاطعهن ممازحة “لماذا تضحكن؟ إنه يشبه البالون، صحيح؟”.

وتضيف، “يرفض العديد من الرجال استخدامه لأنهم يقولون انه يؤثر على شعورهم بالنشوة، لكن هذا الأمر نفسي فقط”.

وتعرب جميع المشاركات في الصف وعددهن ستة عشر، أن أزواجهن سيرفضون استخدام الواقي الذكري، ويفضلون اللجوء الى وسائل منع حمل أخرى.

تصحيح المفاهيم الخاطئة

تستعرض سناء الوسائل المختلفة لمنع الحمل من الحبوب والحقن الى اللولب بهدف تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة لديهنّ.

وتوضح أن بعض النساء يشتكين من الإزعاج الذي يسببه اللولب للرجال خلال ممارسة العلاقة الحميمة، قبل أن تضيف “هذا مستحيل”.

وتتابعة في شرحها كيفية تثبيت هذه الوسيلة وفوائدها بعد ان تعرض امامهن نموذجا عنها.

ومراعاة للحساسية التي تثيرها مسألة تحديد النسل في المجتمع، تستعين سناء بدقة بتبريرات دينية وإقتصادية وصحية لموضوع تنظيم الأسرة.

وتشرح قائلة: “يمكنكن أن تنجبن عشرة اطفال إن أردتن ذلك، ولكن يجب أن يحصل ذلك في فترات متباعدة”. وتضيف: “تذكرن أن القرآن يتحدث عن رضاعة الطفل لعامين على الأقل، ما يعني تحديدا فترات زمنية متباعدة”.

وتؤكد، “نحن اليوم في وضع مختلف تماما. عليكن ان تفكرن بالأزمة والظروف التي نعيشها”.

وهذه الظروف تحديدا هي التي دفعت بالكثير من النساء للمشاركة في هذه الدورة.

وتعيش غالبية هؤلاء النساء منذ سنوات في لبنان ومنهن من انتقل اليه منذ بدء حركة الاحتجاجات في سوريا في اذار/مارس 2011. ويعتمدن على المساعدات الانسانية او العمل بين الحين والآخر، في حين يفتقد اطفالهن التعليم المناسب في مخيمات حارة جدا في فصل الصيف وتغطيها الثلوج في فصل الشتاء.

تقول شمسة (35 عاما)، وهي أم لأحد عشر طفلا، “في سوريا، كل شيء كان سهلا، كل شيء كان رخيصا. أما هنا فعلينا ان نعتمد على المساعدات وهذا ما لم يعد متوفرا”.

وتضيف بابتسامة تظهر سنين من ذهب في فمها “يقال ان الطفل يأتي حاملا رزقته معه، إلا أن الحقيقة عكس ذلك تماما فمن الصعب جدا تأمين لقمة العيش له، ولذلك من الضروري جدا تنظيم الأسرة”.

معارضة الزوج

خضعت شمسة لعملية ربط قناة الفالوب بعد ولادة طفلها الاخير قبل تسعة اشهر. وتقول: “لو كان الوضع جيدا لانجبت المزيد من الأطفال، لكنني قررت التوقف في ظل هذه الظروف”.

وتوضح أن زوجها لم يوافق على اجرائها هذه العملية في بادئ الأمر لكنه اقتنع لاحقا، اذ انه اراد انجاب المزيد من الذكور بعد ان رزقا بتسع فتيات وصبيين اثنين.

وتجري منظمة “أطباء بلا حدود” منذ نيسان/ابريل 2013 دورات حول التنظيم الأسري في أربع مناطق مختلفة تأوي 15 مخيما للاجئين السوريين.

ولا تقتصر تلك الدورات على النساء بل يمكن للرجال المشاركة أيضا. وتقول بعض النساء ان أزواجهم يؤيدون الانجاب في فترات متباعدة.

وتقول فاطمة العبد الله (18 عاما)، وهي تزوجت قبل ستة أشهر انها ترغب بإنجاب طفل ولا تخطط لإستخدام وسائل منع الحمل لاحقا.

وتضيف: “نريد أربعة أو خمسة أطفال، لكن زوجي لا يريد ان ننجبهم عاما بعد عام”.

ويصر زوج حرية (27 عاما)، الحامل في الشهر الخامس بطفلها الخامس، على أن “وسائل منع الحمل ممنوعة دينيا”، كما تقول.”بالنسبة إليه اللي بيجي من الله ما أحلاه”.

وحرية أم لأربع فتيات، وكانت انجبت طفلا من ذوي الإحتياجات الخاصة لكنه سرعان ما توفي.

وتقول: “أتمنى أن أكون حاملا بطفل ذكر، إذا حصل ذلك، ساتوقف عن الإنجاب بعدها”. يمر زوجها من جانبها، يسحب نفسا من سيجارته ويضحك قائلا: “لا تصدقوها، تريد إثني عشر طفلا على الأقل”.