كالحركة الساعية تقريبا، في غضون ساعات من سقوط القذائف أو الصواريخ من الجولان – نيران ضالة من القتال في جنوب سوريا – تحدثت وسائل إعلام عربية عن غارات إسرائيلية ضد مواقع مدفعية تابعة للنظام السوري، تبعها تأكيد رسمي من الجيش الإسرائيلي بعد وقت قصير، بعد هبوط الطائرات في إسرائيل.

حدث ذلك مرتين الثلاثاء، حيث قامت طائرات سلاح الجو الإسرائيلي بقصف بطاريات مدفعية تابعة للجيش السوري بعد منتصف الليل وفي وقت متأخر من الليلة نفسها، بعد سقوط أربع قذائف في الأراضي الإسرائيلية ليلة الإثنين وخلال النهار يوم الثلاثاء.

الحدود مع سوريا، التي كانت هادئة لمدة شهور، شهدت تصعيدا في حوادث “النيران الضالة” هذه، في الوقت الذي حول فيه الرئيس السوري بشار الأسد، الذي حصل على تعزيز لقوته مؤخرا، تركيزه على هضبة الجولان ومحاولات إستعادة السيطرة عليها من عدد من مجموعات المتمردين التي تمركزت هناك، كما قال د. يهودا بالانغا، من قسم الشرق الأوسط في جامعة بار إيلان، لتايمز أوف إسرائيل.

على الرغم من وقف إطلاق النار، يشن الجيش السوري، مدعما بعناصر من “حزب الله” بحسب تقارير، حربا دامية على “جبهة فتح الشام”، وهو تنظيم تابع لل”القاعدة” وعُرف سابقا بإسم “جبهة النصرة”، و”جيش خالد بن الوليد”، التابع لتنظيم “داعش” وخليفة “لواء شهداء اليرموك”.

بالإضافة إلى هذه التنظيمات الكبيرة، هناك أيضا عدد من الميليشيات الأصغر حجما التي تشارك في القتال بالقرب من الحدود الإسرائيلية، بحسب بالانغا.

بحسب المنطق الإسرائيلي في الأِشهر الأخيرة، فإن الدولة اليهودية لا يهمها حقا هوية التنظيم الذي قام بإطلاق قذيفة معينة: في نهاية المطاف الحكومة السورية هي المسؤولة عما يخرج من الجانب الآخر من الحدود، وبالتالي فإن الجيش السوري سيكون مستهدفا.

هذه السياسة فتحت المجال أمام “نظرية مؤامرة” التي يتحدث عنها نظام الأسد وبعض المحللين وعضو كنيست إسرائيلي وتقول بأن المتمردين يستغلون طرق العمل الإسرائيلية ويتعمدون إطلاق النار على هضبة الجولان لإستدراج إسرائيل إلى قصف مواقع للجيش السوري، ما يجعل من الجيش الإسرائيلي حليفا حقيقيا بشكل أو بآخر للمتمردين، كما يقول بالانغا.

وقال في محادثة هاتفية: “إنها نظرية مؤامرة يحب الإعلام السوري التعبير عنها بشكل خاص”.

وبالفعل، بعد الغارتين في الصباح الباكر وفي وقت متأخر من ليل الثلاثاء، وكالة الأنباء السورية “سانا”، وهي بوق للحكومة ينشر تقاريره باللغات العربية والإنجليزية والعبرية ولغات أخرى، ادعت ذلك.

وكتب الموقع الإخباري صباح الأربعاء حول الغارة الجوية الليلية “الهجوم يأتي ضمن السياسة الإسرائيلية في دعم المنظمات الإرهابية في سوريا”.

عضو الكنيست أكرم حسون، عضو في حزب (كولانو)، ذهب أبعد من ذلك واتهم وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان بتوفير الحماية والدعم اللوجستي، وربما “أمتعة متقدمة تكنولوجيا” أيضا لـ”جبهة فتح الشام” خلال عملياته في جنوب سوريا.

بالنسبة لبالانغا فإن هذه النظرية مجرد هراء.

وقال بالانغا: “أنا لا أؤمن بالمؤامرة، على الرغم من أنه سيكون من الجيد للمتمردين إذا قامت إسرائيل بدخول الحرب وتكون هي من يسقط الأسد”.

وأضاف: “لا يريد المتمردون على الإطلاق بأن يتم ربط اسمهم بتلقي مساعدات من إسرائيل، من الصهاينة”.

تفسير بالانغا لسقوط القذائف في إسرائيل هو السبب الجلي: سقوط القذائف هو نتيجة لإطلاق نيران ضالة جراء القتال في سوريا، وليس طريقة ملتوية للحصول على دعم جوي من الجيش الإسرائيلي.

في بيان أصدره ليلة الثلاثاء بعد الغارات الجوية الليلية، وضح الجيش الإسرائيلي أيضا موقفه في هذه المسألة.

وقال الجيش في بيان له إن “الجيش الإسرائيلي يرى بالنظام مسؤولا عن ما يحدث في أرضه، مع ذلك لن يتردد [الجيش] في العمل ضد أي من قوات المعارضة في سوريا”.

هذه في الواقع كانت طريقة عمل إسرائيل في الماضي، ضرب مصدر النار الضالة، وليس بالضرورة مواقع للجيش السوري.

وقال بالانغا: “عندما كانت هناك نيران ضالة كهذه، عرفت إسرائيل كيفية توجيه الرسالة إلى كل من الأسد والمعارضة السورية”. وأضاف: “وبالتالي كانت هناك بضعة أشهر من الهدوء”.

تسجيل نقاط في العلاقات العامة

بنفس القدر الذي لا تريد فيه جماعات المعارضة تدخلا إسرائيليا مباشرا في القتال في سوريا، يفضل الأسد وجيشه أيضا إبقاء الدولة اليهودية خارج الحرب الأهلية، كما يقول بالانغا.

في حين أن الجيش السوري سجل بعد الإنتصارات ويشعر بثقة كافية لتحويل أنظاره مجددا إلى مدينة القنيطرة والمنطقة المحيطة بها، فإن إضافة الجيش الإسرائيلي إلى قائمة خصومه المباشرين ليست على رأس أولويات نظام الأسد.

لماذ إذا قام الجيش السوري بقصف صورايخ أرض-جو باتجاه الطائرات المقاتلة الإسرائيلية التي نفذت الهجمات صباح الثلاثاء، وهي خطوة – إذا كانت قد نجحت – كانت ستدفع الجيش الإسرائيلي إلى رد دراماتيكي؟

بالانغا، باحث مختص في التاريخ السوري الحديث، يرى بأن النيران السورية المضادة للطائرات هي خطوة علاقات عامة أكثر من كونها هجوما عسكريا حقيقيا.

صباح الثلاثاء، احتفل الإعلام السوري بالإعلان عن إسقاط جيش الأسد، وفقا لروايات مختلفة، طائرة مقاتلة إسرائيلية أو طائرة بدون طيار أو كلاهما، خلال القصف الليلي الإسرائيلي، وهو ما نفاه الجيش الإسرائيلي بسرعة.

بطارية الدفاع الصاروخي “إس-200” التي استخدمتها سوريا كانت في موقع بعيد عن المنطفة التي عملت فيها الطائرات الإسرائيلية “ولم تشكل تهديدا على قواتنا”، وفقا لما قاله الجيش ردا على المزاعم السورية.

لكن بالنسبة للأسد فإن إطلاق النار على الطائرات الإسرائيلية والإدعاء بأنه تم إسقاطها كان بحد ذاته بمثابة إنتصار.

وقال بالانغا: “الأسد يفوز في هذه الحرب، ولكن بضعة إنتصارات قليلة ستساعده فقط، ولن تضره. ولن يكون هناك في الرأي العام السوري من سيقوم حقا بالتساؤل عمّا يحدث”.

“إذا [كان الإعلام السوري يقول] بأنه تم إسقاط طائرة، فلا بأس بذلك”.