قبل بضعة أسابيع من انتخابات الكنيست في 9 أبريل، تلقى يوفال كاتس رسالة مصاغة بطريقة مبهمة عبر تطبيق “واتس آب” يصف فيها فيها فرصة “لعمل سهل وكسب الكثير من المال” في يوم الإنتخابات العامة.

الرابط المرفق أوصله إلى “نموذج غوغل” الذي فسر بطريقة شفرية الوظيفة التي تنطوي على تقديم المساعدة للعاملين في محطات الاقتراع المتمركزة في المدن العربية، وجاء فيه أنه سيتم مشاركة “القليل من التفاصيل الإضافية” بشأن الوظيفة في إحاطة  قبل أربعة أيام من الانتخابات مع الوزير من حزب “الليكود” يوآف غالانت. قام الشاب البالغ من العمر 26 عاما، والذي كان يبحث عن عمل في ذلك الوقت وعن فرصة لتحقيق ربح سريع، بتسجيل اسمه للوظيفة.

في الإحاطة، كشف منظمو العملية لكاتس ولأربعين شابا آخر تم توظيفيهم للعمل “كمنسقين ميدايين” بأنهم سيكونون مسؤولين عن الإشراف على ما يقرب عددهم 30 شابا أصغر سنا منهم والذين سيكونون مسلحين بكاميرات خفية، بهدف توثيق تزوير مزعوم للعملية الانتخابية في محطات الاقتراع في الوسط العربي.

وتم تحذيرهم من بعض “الحالات المحرجة” التي قد تظهر في حال تم الكشف عن أي من هذه الكاميرات الخفية.

لكن هذا كان بعيدا كل البعد عن الواقع الذي وجد كاتس وكل واحد تقريبا من الشبان الذين أشرف عليهم فيه بعد فتح صناديق الإقتراع على الفور تقريبا.

رجل اسرائيلي يصل محطة اقتراع للتصويت في انتخابات اسرائيل البرلمانية، في بلدة الطيبة بشمال اسرائيل، 9 ابريل 2019 (Ahmad Gharabli/AFP)

خلال يوم الانتخابات، قام المنسق الميداني الجديد بتلقي مكالمات من مراهقين مذعورين لم يكونوا مستعدين لرد الفعل الغاضب على مشاركتهم في عملية المراقبة المستهدفة. التعليمات من الأعلى أوعزت بإبقائهم في مراكز الاقتراع، مهما حدث. ولكن خوفا على سلامتهم، توسل العديد من المراهقين لكاتس لإخراجهم من هناك.

وبنفس السرعة التي تم فيها اكتشاف مراقبي الانتخابات، كشفت وسائل الإعلام عن العملية. ردود الفعل الغاضبة على العملية كانت واسعة النطاق، ولكن المشروع السري الذي تم بتمويل حزب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو – وتحت إشرافه الوثيق – كان قانونيا بما فيه الكفاية للحصول على مصادقة لجنة الإنتخابات العامة في وقت لاحق من اليوم.

وقامت الشرطة لمدة قصيرة بمنع حاملي الكاميرات من دخول محطات الإقتراع في الوقت الذي درس فيه رئيس لجنة الإنتخابات، حنان ملتسر، قراره، لكنه قاضي المحكمة العليا أعطى في النهاية الضوء الأخضر لاستخدام الكاميرات في حالات يوجد فيها “خشية كبيرة” من وجود تزوير. ولكن، مع عدم قيامه بتحديد ما الذي يمكن اعتباره “خشية كبيرة”، ترك ملتسر لممثلي حزب الليكود في لجانة الاقتراع حرية اتخاذ القرار بأنفسهم.

منتقدو الخطوة قالوا إن الكاميرات ساهمت في الإقبال الضعيف للناخبين العرب على صناديق الاقتراع، لكن بعض أعضاء المجتمع العربي شككوا بأنفسهم بهذا الإدعاء. ربما بسبب اعتبار أن المشروع يقع ضمن حدود القانون، حظيت العملية بتغطية محدودة في الصحافة.

ولكن تفاصيل تنفيذ العملية تظهر إلى أي مدى كان حزب الليكود على استعداد للذهاب من أجل منع ما يزعم أنه تزوير  للانتخابات في الوسط العربي – وهي الدائرة الانتخابية نفسها التي حذر منها نتنياهو في يوم الانتخابات السابق في عام 2015. عندما حذر من أن العرب “يتوجهون إلى صناديق الاقتراع بأعداد كبيرة”. عندها، اعُتبرت مشاركة الناخبين العرب في العملية الديمقراطية تهديدا. هذه المرة، وُصفت بأنها قد تكون غير قانونية.

يزعم أن كاميرات خفية تسللت إلى مراكز اقتراع في بلدات عربية من قبل مراقبي الليكود خلال الانتخابات البرلمانية في 9 أبريل 2019. (Courtesy Hadash-Ta’al)

بمجرد الانتهاء من التصويت في 9 أبريل، نقل الليكود إلى السلطات الانتخابية مئات التسجيلات من تلك الكاميرات الخفية، والتي قال إنها تثبت مدى التزوير الذي حدث في البلدات العربية. ولكن فيما يتعلق بالشرطة، مرت الانتخابات بمن دون أحداث تذكر والأدلة التي تم تقديمها لم تكن أكثر من روايات متناقلة.

والآن، بعد شعوره بالرضا عن عملية أبريل وغير متأثر بالانتقادات، يستعد الليكود مرة أخرى لتنفيذ العملية في انتخابات سبتمبر القادمة، لكن هذه المرة على نطاق أوسع. وكان من المقرر أن تجتمع لجنة الانتخابات المركزية يوم الخميس لمناقشة ما إذا كانت ستغير موقفها من الكاميرات، لكن منظمي العملية الذين تحدثوا إلى تايمز أوف إسرائيل قالوا إنهم واثقون من قدرتهم على دخول مراكز الاقتراع في البلدات العربية والكاميرات بين أيديهم مرة اخرى.

عملية المعايير الأخلاقية

اعترف كاتس، “المنسق الميداني”- الذي طلب التعريف عنه باستخدام اسم مستعار لحماية خصوصيته – أنه شعر في البداية بعدم الارتياح لطبيعة العملية ، لكنه قال إنه شعر بالإطمئان لدى علمه بانخراط غالانت، وهو جنرال سابق في الجيش الإسرائيلي وشغل منصب وزير الإسكان لعدة سنوات، فيها.

وقال إنه فكر في قرارة نفسه قبل الاجتماع الذي سبق الإنتخابات “إذا كان وزير سيكون هناك، فيبدو الأمر شرعي”.

بدأت الإحاطة بخطابات قصيرة من قبل منظمي “عملية المعايير الأخلاقية” من شركة الاتصالات “كايزرل-عنبار”. ساغي كايزلر وعوفر عنبار كانا قد شاركا في مشروع مماثل تقريبا خلال انتخابات عام 2015 – والذي تم هو أيضا بتمويل وتعاون من حزب الليكود – لكنهما اختارا البقاء بعيدا عن الأنظار في ذلك الوقت.

وقال أحد مسؤولي الليكود المنخرطين في المشروع والذي تحدث مع تايمز أوف إسرائيل شريطة عدم الكشف عن اسمه: “الهدف بسيط جدا وهو منع تزوير الانتخابات”، وشرح الدافع الذي وقف وراء العملية في شهر أبريل وتكرارها على نطاق أوسع في شهر سبتمبر.

وقال المنظم: “لقد لاحظنا على مر السنين أن هناك بعض المدن التي تتراوح نسبة الإقبال فيها بين 90-100%، ولم يتوافق ذلك مع جميع الدعوات التي سمعناها في صفوف السكان العرب لمقاطعة الانتخابات”، لكنه لم يوفر أي أمثلة إحصائية لدعم فرضيته.

وقد دعا بعض الناشطين والشخصيات الإعلامية في الوسط العربي أفراد مجتمعهم إلى مقاطعة الانتخابات في السنوات الأخيرة، لكن نسبة الإقبال على صناديق الإقتراع في الوسط العربي لم تتجاوز 80% منذ عام 1965 وبلغ متوسطها 55.8% فقط في الانتخابات الخمس الأخيرة، وفقا لمعطيات من “معهد إسرائيل للديمقراطية”.

ومع ذلك، عازمين على وقف هذه “الظاهرة الجامحة”، قال المسؤول من حزب الليكود إن كايزلر-عنبار قامت بتجنيد حوالي 1,200 ناشط من المعاهد الدينية التابعة للتيار القومي المتدين قبل انتخابات شهر أبريل، وسلحتهم بكاميرات خفية تم وضعها على أجسادهم وتوزيعهم بصفة ممثلين في مراكز الاقتراع في البلدات العربية في جميع أنحاء البلاد.

تسمح لوائح الانتخابات الإسرائيلية لأعضاء أحزاب منفصلة بوضع ثلاثة ممثلين من بين العاملين الأربعة في كل مركز اقتراع. ويمكن أن يكون شخص خامس تابع لحزب إضافي حاضرا كمراقب للعملية الإنتخابية.

عرب من مواطني إسرائيل يرفعون علما فلسطينيا خلال تظاهرة ضد قانون القومية في تل أبيب، إسرائيل، 11 أفسطس، 2018. (AP/Ariel Schalit)

يتناسب عدد موظفي مراكز الاقتراع الذي يحصل عليه كل حزب مع عدد المقاعد التي حصل عليه في الانتخابات الأخيرة، مما منح الليكود أكبر عدد من الممثلين في أبريل. الغالبية العظمى من موظفي صناديق الاقتراع الذين قامت كايزلر-عنبار بتجنيدهم عملوا نيابة عن الليكود، لكن حزب نتنياهو أبرم أيضا صفقات مع الفصائل اليمينية الأخرى، والتي “أقرضت” موظفي مراكز اقتراع ومراقبين في سبيل القضية.

وادعى مسؤول الليكود أن وضع ممثلين يهود في مراكز الاقتراع في البلدات العربية حال دون حدوث عمليات تزوير واسعة النطاق في كل من عملية عام 2015 التي لم يتم إبرازها ، والعملية الأكبر في أبريل. في عام 2015، بحسب ادعى المسؤول، “تبين لنا من أرقامنا أننا أحبطنا ما يعادل 3 مقاعد في الكنيست تبلغ قيمتها (حوالي 108,000 صوتا).” ولم يقدم البيانات الداخلية التي تثبت مزاعمه وأوضح لاحقا أنها استندت على أدلة سردية.

ومثلما فعل خلال الإحاطة مع المنظمين الميدانيين، تابع المسؤول في الليكود حديثه لشرح الأنواع المختلفة من التزوير التي قد تحدث في يوم الانتخابات، وقال إن النوع الأكثر جوهرية يحدث بعد الانتهاء من التصويت وإغلاق مراكز الاقتراع.

وفسر قائلا: “لنفترض أن اللجنة الانتخابية لاحظت أن 50% فقط من السكان صوتت. عندها بإمكانهم ابرام صفقات حيث يوافقون على إعطاء نسبة مئوية معينة من الأصوات الإضافية لليكود، على سبيل المثال، مقابل نسبة مئوية إضافية إلى القائمة (العربية) المشتركة”.

وأضاف أنه بناء على ذلك، فإن الغرض من الكاميرات هو مراقبة سلوك أعضاء لجنة الاقتراع الآخرين بدلا من الناخبين أنفسهم. وأضاف مسؤول الليكود أن هؤلاء الممثلين المسلحين بالكاميرات لم يذهبوا وراء صناديق الاقتراع، حيث وضع الناخبون أوراق الاقتراع في مظاريفهم، وبقوا على طاولات التسجيل طوال اليوم.

وتوجت الإحاطة التي سبقت الانتخابات بخطاب لغالانت، الذي شدد فيه للمنظمين الميدانيين على أهمية المهمة المطروحة. بحسب كاتس “لم يتحدث (غالانت) عن كونه ضد العرب، لكنه وضع في الحقيقة إطارا للمناقشة القائمة على القيم وأبرز أهمية إجراء انتخابات نزيهة”.

الوزير من الليكود، يوآف غالانت (يمين) خلال زيارة إلى سوق ’هاتيكفا’ في تل أبيب، 28 مارس، 2019. (Raoul Wootliff/Times of Israel)

المنسق الميداني ابن الـ 26 عاما شعر بأن المنظمين تجاوزا الحدود عندما تم طُرح سؤال بشأن المكان الذي سيدلي فيه موظفو مراكز الاقتراع بأصواتهم.

تلزم لوائح الانتخابات المواطنين بالتصويت في بلدة منشأهم. ومع ذلك، لن يتمكن هؤلاء النشطاء الذين تم تعيينهم كمراقبين لمراكز الاقتراع من القيام بذلك، بالنظر إلى توقعات المنظمين بأن يظلوا حاضرين في مراكز الاقتراع التي تم وضعهم فيها في البلدات العربية طوال اليوم.

وقال كاتس إن أحد المنظمين أخبرهم أنه سيكون بإمكان مراقبي مراكز الاقتراع التصويت في أي مركز اقتراع اذا وقعوا على استمارة تفيد أنهم غير قادرين على التصويت في أي مكان آخر. هذا الإجراء مخصص للأشخاص المعاقين، لكنهم “قالوا لنا إن لا أحد يفحص ذلك على الإطلاق”.

وتابع كاتس حديثه منتقدا: “يتحدثون عن المعايير الأخلاقية في الوقت الذي يقومون فيه بتشغيل نشطاء بشكل غير قانوني في يوم الإنتخابات”.

ونفى المسؤول في حزب الليكود هذه المزاعم.

فوضى مخطط لها

وقال كاتس إنه توقع أن يكون قادرا على قضاء يومه في مقهى في مكان ما في شمال البلاد، والاتصال عبر الهاتف مع 30 من موظفي مراكز الاقتراع الذين تحت إشرافه في البلدات المجاورة والوصول إلى مراكز الاقتراع المختلفة عند ظهور مشاكل.

“ما حدث في الواقع هو أن [موظفي مراكز الاقتراع العرب] بدأوا بملاحظة الكاميرات بعد ساعة واحدة فقط من بدء عملية التصويت، وبدأ [النشطاء] بتلقي تهديدات”، حسبما قال.

في الساعة 10:28 صباحا، نشر موقع “واينت” الإخباري مقطع فيديو حصري لأحد السكان المحليين العرب وهو يمسك بأحد موظفي مراكز الاقتراع من حزب الليكود مع كاميرا خفية بحوزته.

وتكهن بعض المنتقدين بأن شخصا من كايزلر-عنبار قام بتسريب المقطع للصحافة في محاولة لإثارة ضجة حول وضع الكاميرات في البلدات العربية، وبالتالي ثني المواطنين العرب عن التوجه إلى مراكز الاقتراع.، والآن أدرك الناخبون العرب الذين يخشون من أن يعرف معارفهم حول مشاركتهم في العملية الانتخابية في ضوء الدعوات المتزايدة للمقاطعة بأنه سيتم تصويرهم عند دخولهم مركز الاقتراع.

ردا على سؤال حول ما إذا كان هو من يقف وراء نشر الفيديو في واينت، رد أحد المنظمين ضاحكا: “لن أجيب على ذلك. استنتج من ذلك ما تريد”.

بغض النظر، فإن الدعاية الإضافية زادت من تعقيد وظيفة كاتس.

حيث بدأ بتلقي مكالمات محمومة من موظفي مراكز الاقتراع المسؤول عنهم، والذين بلغت أعمارهم ما بين 18-19 عاما، طالبين منه المساعدة.

وقال: “حاولت تهدئتهم وذكّرتهم بأن كل ما يفعلونه كان قانونيا”.

لا تتضمن لوائح الانتخابات الحالية أي بند يحظر وضع الكاميرات في مراكز الاقتراع، والقوانين المتعلقة بحماية الخصوصية تشير إلى المواطنين الذين يقفون وراء كشك الاقتراع، وليس لموظفي مراكز الاقتراع الجالسين على طاولة تسجيل الناخبين.

الأوامر من أعلى كانت أنه لا ينبغي تحت أي ظرف من الظروف أن يقوم موظفو صناديق الاقتراع الشباب بترك مراكز الاقتراع، لكن كاتس قرر كما قال التخلي عن هذه المهمة في وقت مبكر.

“العملية لم تتماشى مع أجندتي السياسية، لذلك أصبح شاغلي الوحيد هو ضمان سلامة هؤلاء الفتية”.

وقال إن منظمي العملية وضعوه “في وضع مستحيل” ، مضيفا أنه لم يتم مسبقا إطلاع العديد من موظفي صناديق الاقتراع الذين كانوا في سن المراهقة بالشيء الذي يقحمون أنفسهم فيه.

وقال كاتس: “أخبرونا بطريقة مبهمة أنه قد يجد بعض النشطاء أنفسهم في مواقف غير مريحة … لكن لم يكن من الواضح أن هذا سيحدث لكل واحد منهم”.

وقام قادة المجتمع العربي باستدعاء الشرطة وطلبوا منها إخراج ممثلي الليكود وكاميراتهم من عشرات مراكز الاقتراع، وتم استدعاء كاتس من أجل التدخل نيابة عن بعض هؤلاء المراهقين. في ثلاث حالات أخرى، طلب موظفو مراكز اقتراع من فريقه إخراجهم من مراكز الاقتراع. وقال المنسق الميداني أنه استجاب لطلبات الفتية.

عائلة تدلي بصوتها خلال الإنتخابات في مدينة رهط البدوية، 9 أبريل، 2019. (AP/Tsafrir Abayov)

اتجاه أم أدلة متداولة؟

في غضون ذلك، في وقت لاحق من صباح يوم الإنتخابات، قدم حزبا “الجبهة-العربية للتغيير” و”التجمع-الموحدة” العربيان شكاوى للجنة الإننتخابات المركزية طالبا فيها بإزالة الكاميرات من مراكز الاقتراع.

بحلول الساعة 12:30، أصدر ملتسر قراره – والذي قال المسؤول من حزب الليكود الذي تحدث مع تايمز أوف إسرائيل أنه وضع “ختم المصادقة على المشروع بأكلمه”.

وقال ملتسر أنه يمكن استخدام الكاميرات خلال ساعات التصويت “فقط في الحالات التي يكون فيها هناك خشية كبيرة من حدوث انتهاك كبير لنزاهة الانتخابات … مثل توجيه تهديدات إلى أعضاء لجان الاقتراع أو اقتراحات رشوة أو الخوف من العنف خلال يوم الانتخابات”.

وردا على سؤال عما إذا كان من المفترض أن يكون كل فرد قادرا على تحديد ما الذي يشكل “خشية كبيرة من انتهاك جوهري لنزاهة الانتخابات”، رفض متحدث بإسم لجنة الانتخابات المركزية الرد وأكد أن القرار واضح.

وقال أحد منظمي “عملية المعايير الأخلاقية”: “يمكن لكل شخص أن يقرر بنفسه عندما يكون هناك مثل هذا الخوف”.

كما أعطى ملتسر الضوء الأخصر لاستخدام التسجيل الصوتي طوال ساعات اليوم الإنتخابي، وصادق على استخدام الكاميرات خلال فرز الأصوات ولكن فقط بعد إخطار الأعضاء الآخرين في لجنة الانتخابات بأنه يتم تصويرهم.

القاضي حنان ملتسر، رئيس لجنة الانتخابات المركزية للكنيست ال21، يشارك في جلسة في الكنيست، 3 أبريل، 2019. (Yonatan Sindel/Flash90)

واستشهد كاتس بقرارات ملتسر في دفاعه عن “عملية المعايير الأخلاقية”، على الرغم من عدم ارتياحه “للوضع المستحيل” الذي وضعه منظمو العملية فيه.

وقال: “أنا أدرك أنه تم تصوير الأمر للجمهور على أنه محاولة لمنع العرب من التصويت، ولكن مما رأيته طوال اليوم، فلقد قاموا بالفعل بالغش بعض الشيء”، وتحدث عن محاولات من قبل الناخبين للوصول مرتين إلى نفس مركز الاقتراع مع بطاقات هوية مختلفة؛ وعن موظف في أحد مراكز الاقتراع الذي أعطى كل ناخب مغلفين للإدلاء بصوته؛ وعرض رشاوى على ممثلي حزب الليكود في مراكز الاقتراع في نهاية اليوم خلال فرز الأصوات.

وقال كاتس: “ربما لم يكن لذلك تأثير كبير… ولكن كان بالإمكان رؤية أنهم يخططون لشيء ما، ويحاولون دائما إخراجك من الغرفة حتى تكون لهم حرية أكبر في العمل”.

في قرية نحف العربية في شمال البلاد، قال ممثل حزب الليكود في احد مراكز الاقتراع، ويُدعى أفيف كاتان، إن أحد الأشخاص عرض عليه هو وزميله القهوة. في حين رفض كاتان تناول فنجانه، أنهى زميله الفنجان ليجد في قاع الفنجان قرصين، وسرعان ما بدأ بالشعور بالغثيان وركض مسرعا إلى الحمام. كاتان قام بسكب الفنجان الذي قُدم له ليجد هو أيضا قرصين في القاع.

وقام الشاب البالغ من العمر 24 عاما بالاتصال بالشرطة التي وصلت إلى مكان الحادث، وأخرجت المشتبه به من مركز الاقتراع وقامت بجمع الأدلة.

وأكدتت متحدثة بإسم الشرطة أنه تم فتح تحقيق بعد التأكد من أن الأقراص تسبب الإسهال. وقالت إن السلطات لا تزال تتداول فيما إذا كانت ستوجه لائحة اتهام ضد المشتبه به أم لا.

وقال كاتان في وقت لاحق إنه على الرغم من مدة قصيرة تعرض فيها للمضايقات من قبل الموظفين الآخرين في مركز الاقتراع بسبب جلبه للكاميرا الخفية، إلا أن التجربة كانت ممتعة وتستحق العناء.

وقال بفخر: “لقد دُفع لي مبلغ 1,200 شيكل (340 دولار) وساعدت اليمين على ضمان الفوز”.

ولكن بالنسبة لمحمد دياب، الذي عمل كموظف في أحد مراكز الاقتراع في مدينة طمرة، فإن المرة الوحيدة التي سمع فيها عن حدوث تزوير في الانتخابات كانت في الأخبار.

وقال متسائلا: “يتحدثون دائما عن حقيقة وجود تزوير للانتخابات في بلدتنا، ولكنني لم أر ذلك مطلقا. من سيسول له غباؤه المخاطرة بدخول السجن مقابل مبلغ 1,200 شيكل الذي يعطوننا اياه؟”

محمد دياب، مراقب انتخابات في مدرسة ’ابن سينا’ في طمرة، 9 أبريل، 2019. (Adam Rasgon/Times of Israel)

وأضاف: “أدرك أن القانون يسمح للكاميرات ولكن ما يزعجني هو أنهم اختاروا فقط استهدافنا” في الوسط العربي. “لقد حرصت على حصول موظف مركز الاقتراع [من الليكود] على وجبة طعام كوشير ليأكلها ومع ذلك لا يزال يفترض بأنني موجود هناك لأغش”.

ولدى سؤاله عما إذا كان يتفهم المنتقدين الذين يشعرون بعدم ارتياح بشأن طبيعة العملية التي تستهدف قطاعا معينا من المواطنين، قال المسؤول في الليكود “بالطبع أنا أفهمهم”.

وقال: “ما نود أن نراه هو تشريع يلزم بتركيب كاميرات في كل مركز اقتراع، وليس فقط في البلدات العربية”.

وأشار المسؤول في الليكود إلى مواطني الدولة الحريديم كوسط آخر يجب مراقبته في مراكز الاقتراع الخاصة بهم.

ومع ذلك، أوضح أنه حتى يتم إقرار قانون ينظم مراقبة مراكز الاقتراع، يختار الليكود استخدام موارده المحدودة في استهداف الاحتيال الذي تستفيد منه الأحزاب العربية بدلا من الشريحة التي تصوت لصالح الأحزاب التي يعتبرها نتنياهو “شركاء طبيعيين” في إئتلافه.

تحديد النجاح

مسؤولون في الليكود الذين تحدثوا مع تايمز اوف إسرائيل حول هذا التقرير قالوا إن الحزب، وعلى رأسه رئيس الوزراء، راض جدا عن العمل الذي قامت به كايزلر-عنبار.

وقال أحد منظمي العملية إنه على الرغم من أن نتنياهو لم يبادر للمشروع، إلا أنه سرعان ما تمسك به وكان على اتصال مع المشاركين فيه طوال عام 2015 وحتى الآن.

بعد لحظات من وصول الأخبار عن نتائج الانتخابات لرئيس الوزراء في وقت متأخر من ليلة 9 أبريل، قام بالاتصال بالمشاركين في كواليس حملة الليكود في قاعة “كفوتسات شلومو” في تل أبيب وشكرهم على عملهم. وكان كايزلر وزميل آخر له من بين الذين تم دعوتهم للمشاركة في حفل نصر الليكود في وقت متأخر من الليلة نفسها، حيث نجحا في التقاط صورة مع نتنياهو وزوجته سارة.

وتم مشاركة تلك الصورة على نطاق واسع في اليوم التالي عندما أرفقتها شركة كايزلر-عنبار بمنشور على فيسبوك تباهت فيه شركة العلاقات العامة بمسؤوليتها عن “زرع” الكاميرات التي ساعدت في تقليص نسبة مشاركة العرب في الانتخابات إلى أقل من 50%. (حسب معهد إسرائيل للديمقراطية فإن نسبة المشاركة العربية في أبريل كانت 49.2% مقارنة مع المعدل الإجمالي في الدولة الذي بلغ 68.5%. في انتخابات عام 2015، كانت هذه الأرقام 63.8% و68.5% على التوالي).

ساغي كايزلر وغادي دعي في صورة مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وزوجته سارة بعد الاعلان عن نتائج الانتخابات في 9 ابريل 2019 (Kaizler-Inbar)

وبدأت شركة العلاقات العامة المنشور بالقول، “اششش.. لا تخبروا أحدا. نحن من فعل ذلك. هل رأيتم التقارير في الصحافة التي أثارت الغضب في يوم الإنتخابات؟ تلك التي تحدثت عن الكاميرات التي تم زرعها في مراكز الاقتراع في الوسط العربي ومنعت الآلاف من الإدلاء بأصواتهم؟”

“إذن نعم، نحن ’مذنبون’ بالوقوف وراء هذه العملية”.

“بعد فترة تحضير طويلة، وتنظيم لوجستي مذهل، وتعاون عميق ووثيق مع أفضل الأشخاص في الليكود، أطلقنا عملية ساهمت بشكل حاسم في أحد أهم الانجازات في معسكر [اليمين] الوطني: معايير أخلاقية في الوسط العربي”.

وتباهت الشركة “وبفضل حقيقة أن مراقبينا وُضعوا في كل مركز اقتراع عربي، انخفضت نسبة إقبال الناخبين إلى أقل من 50% – النسبة الأقل في السنوات الأخيرة”.

وتم اقتباس هذا المنشور في عدة التماسات تم تقديمها للجنة الإنتخابات المركزية قبل جلسة يوم الخميس ضد السماح بعملية كهذه في انتخابات 17 سبتمبر.

المعايير الدولية

من بين أولئك الذين حاولوا اتخاذ إجراءات قانونية ضد “عملية المعايير الأخلاقية”، كانت مجموعة “عدالة – المركز القانوني لحماية حقوق الأقلية العربية”. وقالت سوسن زهر، وهي محامية في المنظمة غير الحكومية اليسارية، بأن منشور كايزلر-عنبار على فيسبوك أثبت أن المنظمين لم يكونوا مهتمين بضمان نزاهة الإنتخابات، بل “بالتحريض ضد الجمهور العربي”.

بالإضافة إلى ذلك، أكدت زهر على أن وضع كاميرات خفية يُعتبر انتهاكا للوائح الإنتخابات التي تلزم بأن تتم عملية التصويت “بشكل سري”.

لكن من الواضح أن لملتسر كان رأي مختلف عندما سمح بالاستخدام المشروط لأجهزة التسجيل في أبريل.

في حين أن العديد من الديمقراطيات الغربية تحظر التصوير في مراكز الاقتراع، بما في ذلك كندا وأستراليا، فإن هناك سوابق يإمكان رئيس لجنة الإنتخابات المركزية الاعتماد عليها في قراره.

في بريطانيا لا يمنع قانون الإنتخابات بشكل واضح استخدام الكاميرات ما دفع بعض خبراء القانون هناك إلى القول بأن ذلك يترك مجالا لتصوير الحوادث التي تحدث مع أجهزة التصويت بحيث يمكن الإبلاغ عنها بشكل صحيح.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يحيي مناصريه بعد إغلاق صناديق الاقتراع في الانتخابات العامة الإسرائيلية، تل أبيب، 19 أبريل، 2019. (AP Photo/Ariel Schalit)

لوائح الانتخابات في الغالبية العظمى من الولايات في الولايات المتحدة، بما في ذلك فلوريدا ونيفادا وتكساس، تحظر صراحة استخدام الكاميرات في مراكز الاقتراع، لكن مجموعة قليلة من الولايات الأمريكية الأخرى – مثل لويزيانا – تسمح لمراقبي العملية الانتخابية بالتصوير في مراكز الاقتراع طالما أن ذلك لا يعطل العملية الانتخابية.

قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2016، أعلن أندرو أنجلين، زعيم النازيين الجدد المؤيد لترامب ، إلى جانب نشطاء من موقع اليمين المتطرف “the Right Stuff”، عن خطط لتركيب كاميرات خفية في مراكز الاقتراع في فيلادلفيا فيما وصفوه بأنه جهد لإبقاء الناخبين السود بعيدا عن صناديق الاقتراع. وانتشرت أخبار خطتهم بسرعة، مما أثار غضبا واسعا وحتى رسالة من السناتور من بنسلفانيا، بوب كيسي، التي حث فيها وزارة العدل على اتخاذ الإجراءات اللازمة. بعد أقل من 24 ساعة، تراجع المنظمون عن خطتهم وأكدوا على أنهم لا يعتزمون تنفيذها بالفعل.

لم يعثر تايمزأوف إسرائيل على أي مثال لبرامج مراقبة بادر إليها حزب معين في الولايات المتحدة في العقود الأخيرة استهدفت قطاعات معينة من المجتمع في يوم الانتخابات.

المعايير الأخلاقية 2.0

قام الليكود، الذي كان راضيا كما هو واضح عن عمل كايزلر-عنبار، باستئجار خدمات الشركة مرة أخرى للانتخابات المقبلة في سبتمبر، وضاعف ميزانية الشركة إلى حوالي 2 مليون شيكل جديد (570,000 دولار).

وقال أحد منظمي العملية إن الأموال الإضافية ستخصص لوضع مراقبي إنتخابات في “المواقع الأكثر إشكالية”.

وقال عضو الكنيست دافيد بيتان (الليكود)، والذي يشغل منصب أحد نواب ملتسر في لجنة الانتخابات المركزية واشرف في الوقت نفسه عن كثب على عملية “المعايير الأخلاقية” في أبريل، إن “العملية نجحت”.

عضو الكنيست عيساوي فريج (ميرتس)، يسار، يخاطب عضو الكنيست دافيد بيتان (الليكود)، يمين، خارج جلسة للجنة الإنتخابات المركزية في الكنيست، 6 مارس، 2019، بشأن خوض حزب ’عوتسما يهوديت’ المتطرف لإنتخابات الكنيست. في وسط الصورة رئيسة حزب ميرتس، عضوة الكنيست تمار زاندبرغ. (Noam Revkin Fenton/Flash90)

وفيما يتعلق بالمواد التي جمعها مراقبو الانتخابات عن حزب الليكود في أبريل، قال بيتان إنه تم تقديم جميع المواد للجنة الإنتخابات المركزية. أحد منظمي العملية قال إن هذه المواد تشمل أكثر من 400 دليل، معظمها تسجيلات صوتية ومجموعة صغيرة من لقطات الفيديو.

وأرسل المنظم أربعة من هذه التسجيلات الصوتية إلى تايمز أوف إسرائيل، وقال إنها مأخوذة من مراكز الاقتراع في بلدتي أم الفحم وعرابة في شمال البلاد. في كل منها، يمكن سماع أصوات المسؤولين المحليين في مراكز الاقتراع وهم يحاولون إقناع نظرائهم من الليكود بإضافة أوراق اقتراع إضافية إلى إجمالي الأصوات لأحزاب المختلفة خلال عملية الفرز.

لكن في نهاية المطاف، فتحت الشرطة تحقيقات بشأن شبهات بوجود تزوير في محطتي اقتراع: الأولى في مدينة العفولة والأخرى في بلدة كسرى- سميع الدرزية. ولم تكن أي من هاتين المحطتين هدفا لحزب الليكود في برنامج المراقبة الخاص به.

وقال بيتان إن نشطاء “المعايير الأخلاقية” وجدوا أدلة تشير إلى وجود تزوير كبير في 58 مركز اقتراع.

وردا على سؤال حول كيف يمكن أن يشرح التناقض بين عدد تحقيقات التي فتحتها الشرطة وكمية الأدلة الدامغة التي ادعت كايزلر-عنبار أنها قامت بجمعها، أجاب مسؤول في الليكود، “إنها مسألة أولويات. أنا مهتم أكثر بإقرار تشريع يلزم بوضع كاميرات في جميع مراكز الاقتراع”.

وأضاف المسؤول أنه في أعقاب جهود الحزب في يوم الانتخابات، أدرج الليكود فقرة في آخر مفاوضات إئتلافية تطالب الأحزاب بالالتزام بتمرير تشريع إصلاح الانتخابات في الحكومة المقبلة. على الرغم من أن نتنياهو لم ينجح في تشكيل ائتلاف بعد الإنتخابات في أبريل، إلا أن المسؤول قال إنه سيتم إدراج البند نفسه في الجولة المقبلة من المفاوضات إذا كان حزب رئيس الوزراء هو من سيقودها.

وقال مسؤول الليكود أنه واثق من أن “المعايير الأخلاقية” ستلعب مرة أخرى دورا في ضمان فوز آخر لنتنياهو.

في محاولة لتجنب تكرار المشاهد من شهر أبريل والتي قررت خلالها الشرطة في البداية إبعاد العشرات من ممثلي حزب الليكود من مراكز الاقتراع للاشتباه بإخلالاهم بالنظام العام، قال أحد منظمي العملية إن بيتان قد طلب من ملتسر أن يفصل كتابة ما يمكن وما لا يمكن لمراقبي الانتخابات المسلحين بالكاميرات القيام بذلك هذه المرة. كما طلب من رئيس اللجنة نشر عناصر الشرطة في مراكز الاقتراع “الأكثر إشكالية” لحماية ممثلي الليكود حاملي الكاميرات، حسبما قال المنظم.

على النقيض من ذلك، قدمت أحزاب من اليسار في الأسابيع الأخيرة العديد من الالتماسات لملتسر مطالبة بحظر الكاميرات تماما.

ولهذا السبب قام ملتسر بعقد جلسة يوم الخميس، حيث من المتوقع أن يصدر قراره بعد وقت قصير من ذلك.

سيدة إسرائيلية تدي بصوتها خلال الإنتخابات في مدينة رهط البدوية، 9 أبريل، 2019. (AP/Tsafrir Abayov)

قبل ساعات من بدء الجلسة، قدم النائب العام أفيحاي ماندلبليت رأيه القانون لملتسر بشأن المسألة. وحذر ماندبلبيت، الذي بدا أن رأيه يتناقض مع قرار ملتسر في يوم الإنتخابات في شهر أبريل أو على الأقل يضعفه، من أن استخدام الكاميرات في مراكز الاقتراع قد يُعتبر، في حالات معينة، تدخلا في العملية الإنتخابية – وهو ما يُعتبر بحد ذاته جريمة جنائية.

ومع ذلك، قال مسؤول الليكود الضالع في التخطيط لعملية “المعايير الأخلاقية” إنه مع وجود بيتان في لجنة الانتخابات إلى جانب ملتسر، فهو لا يشعر بقلق كبيرا إزاء إمكانية حظر الكاميرات تماما.

وقال: “لقد أصبحت الكاميرات سلاحنا السري في الإنتخابات، على الرغم من أنها لم تعد بهذه السرية”.