في صف دراسي في معهد “شالوم هارتمان” في القدس، تتعلم مجموعة من الطلاب البالغين عن “تشعاه بآف” – أكثر الأيام حزنا في التقويم اليهودي، وقت دمار الهيكلين وسلسلة من الأحداث المأساوية التي تلت ذلك.

معلمهم، يهودا كرتسر، يتحدث عن فقدان الهيكلين، وعن “النخبة الحاخامية” في العصور القديمة التي إلتجأت إلى إستخدام المعابد اليهودية لإعطاء الديانة اليهودية نقاط الإتصال التي تحتاجها للبقاء. ويواصل الحديث للإشارة إلى الأيام الحالية بأنه “لا يوجد لدينا نخبة مسيطرة تعمل على تشكيل الرواية اليهودية”.

ويتواصل النقاش الجاد، أحدهم يأتي على ذكر المحرقة ومكانتها في الرواية اليهودية الجارية. “لا نعرف حتى الآن طبيعة اليهود بعد المحرقة”، يقول كرتسر، مقترحا أن هناك أولئك – مثل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو – الذين يرون بتراث المحرقة ضروريا لنكون يقظين، لأن اليهود لن يكونوا أبدا في أمان وأمن تام. آخرون سيسلطون الضوء على الحاجة “ألا نكون جناة أبدا” أو أشرار، وألا نسيء إستخدام سلطتنا، كما يقول. ومع ذلك، هناك آخرون يشددون على الإلتزام بألا نقف كمتفرجين عندما يتم إرتكاب أعمال شريرة.

الدرس معقد، ولكنه ليس من دون تبادل حديث مرح في بعض الأحيان، كما هو متوقع من صفوف “هارتمان”، وهو معهد أبحاث وتعليم تعددي لديه سمعة الإنفتاح داخل التقاليد اليهودية.

مع ذلك، فإن الأمر الإستثنائي هو أن الطلاب الذين يصل عددهم إلى حوالي 20 في صف كرتسر اليوم ليسوا يهودا، ولا مسيحيين أيضا. بل إنهم مسلمون، قادة أمريكيون مسلمون، على وجه التحديد. معظمهم في سنوات الـ -30 والـ -40 من العمر. أحدهم من أصول لبنانية، آخر جزائري، والثالث عراقي، جميعهم تقريبا يرتدون ملابس غربية. اثنتان من السيدات يرتدين الحجاب. وهم هنا، في القدس، لأنهم يريدون التعلم عن اليهودية والصهيونية وإسرائيل.

الحديث لا يدور هنا عن حوار بين الأديان. ولا تمرين في الحوار بين ديانتين شهدت علاقتهما الكثير من العنف والتوتر والمرارة. إنه برنامج تعليمي، جاء المشاركون فيه إلى إسرائيل لفهم لماذا يؤمن اليهود بما يؤمنون به، وكيف يرى اليهود تاريخهم، ولماذا يشعر اليهود بهذا الإرتباط الكبير بالأرض المتنازع عليها هذه – وبالتالي الإنخراط بشكل أفضل مع اليهود الأمريكيين عند عودتهم إلى الولايات المتحدة. إنه جهد قام به أشخاص حسنو النية، وهو معقد ومشحون وحتى خطير، لتسليط بعض الضوء على الهاوية المظلمة من الجهل والكراهية التي تفرق بين اليهود والمسلمين في جميع أنحاء العالم تقريبا.

مجموعة الطالب هذه هي “الفوج” الثالث – المجموعة الثالثة – لـ”مبادرة هارتمان للقيادة المسلمة” (MLI). تمر الأفواج في برنامج يستمر لعام واحد – مع أسبوعين في “هارتمان” بإسرائيل بداية، وسلسلة من المحاضرات في الولايات المتحدة، وأسبوعين آخرين في “هارتمان” في النهاية. صف يوم الأحد هو جزء من الأسبوعين الإقتتاحيين للفوج الثالث في إسرائيل.

في يوم جمعة، ذهبت المجموعة للصلاة في المسجد الأقصى، ومن المفترض أن يكون ذلك من أكثر الأجزاء متعة في الرحلة. بدلا من ذلك، كانت هذه تجربة مرهقة للأعصاب، لأن حقيقة وجودهم هنا في إسرائيل تم تصويرها من قبل بعض وسائل التواصل الإجتماعي المؤيدة لحركة “المقاطعة وسحب الإستثمارات وفرض العقوبات” على أنها ليست بأقل من خيانة. تم تصنيف المشاركين في البرنامجين السابقين من قبل نشطاء مناهضين لإسرائيل بأنهم “مسلمون صهاينة”، وخونة للمسلمين بشكل عام والقضية الفلسطينية بشكل خاص. اتُهموا بأنه تم خداعهم من خلال “غسيل ديني… عن طريق إستخدام الدين لتبييض الجرائم الإسرائيلية وتمييع الإحتلال”، وبتقويض “حركة التضامن الفلسطينية”، وبالمشاركة في “جهود لإلحاق الضرر بحدة الدعم لحقوق الفلسطينيين في صفوف المجتمعات الإسلامية في أمريكا الشمالية”، كما كتب أحد الكتاب الصحافيين في مجلة شهرية إسلامية في العام الماضي. هذا البرنامج “يقزم من محنة الفلسطينيين ويطبع الصهيونية – أيديولوجية عنصرية – ومؤسسة متناقضة مع تقاليدنا الإسلامية الخاصة بالعدالة الإجتماعية – داخل مجتمعاتنا”.

هذه المرة، تم نشر العريضة ضد المجموعة، وكانت هناك مخاوف من التعرض لهم جسديا خلال الصلاة.

لهذا السبب، لم يذهب الإمام عبد الله عنتبلي، المدير المؤسس لمركز “حياة المسلم” في جامعة “ديوك”، وأول رجل دين مسلم في الجامعة، والمحرك الرئيسي لبرنامج “MLI”، إلى الأقصى مع باقي أعضاء المجوعة في ذلك اليوم. إنه العضو الوحيد في المجموعة الذي تم نشر إسمه على نطاق واسع. بدلا من ذلك، جنبا إلى جنب مع يوسي كلاين هليفي، المدير المشارك لـ”MLI”، جلس معي لمدة ثلاث ساعات ليشرح لي سبب دفعه بقوة وإصرار ومن الشعور بحاجة ملحة لهذا البرنامج، الذي يهدف من خلاله في نهاية المطاف إلى جلب إسرائيل إلى “الكتلة الهامة” لقادة مسلمين أمريكيين واعدين – قادة شباب ملتزمون بفهم أفضل للأمريكيين اليهود والصهيونية وإسرائيل، ويسعون إلى بناء علاقات أفضل مع يهود أمريكا الشمالية.

هذا ليس من أجل إسرائيل، ولا من أجل اليهود، كما يؤكد، بل من أجل الإسلام، والمسلمين الأمريكيين بشكل خاص.

عنتبلي يدافع عما يصفه بأنه الإسلام الحقيقي. إسلام التسامح والمساواة، إسلام يسعى أتباعه الأمريكيون إلى إندماج بناء في التيار السائد للمجتمع الأمريكي. وإذا كنا نريد قبول هذا الإسلام الصادق في أمريكا تحمل ندبات من التطرف، كما يعتقد، فإن أحد الطرق الرئيسية لهذا القبول يمر عبر الطائفة اليهودية الأمريكية، التي نجحت بنفسها في الإندماج في أمريكا. ببساطة، إذا فهم اليهود الأمريكيون اسلام الأمريكيين وتعاطفوا معهم، والأهم من ذلك تعلموا أن يثقوا بهم، فإن عنتبلي متأكد من أن بقية أمريكا، التيار السائد المسيحي، سيحذو حذوهم تدريجيا.

وما أفضل طريقة، كمسلمين، أن تحاول إظهار أنه يمكن لليهود الأمريكيين أن يثقوا بك أكثر من تعلم اليهودية في واحد من المعاهد التعليمية الليبرالية اليهودية التي تحظى بتقدير كبير في العالم – ليس في أمريكا، ولكن في إسرائيل المزدحمة والمنقسمة والمعقدة؟

الشريك الممانع

طُلب من طالب الدراسات العليا عنتبلي قراءة كتاب بعنوان “عند مدخل جنة عدن”، وهو كتاب يفصل فيه هليفي بحثه عن أرضية مشتركة مع المسلمين والمسيحيين في الأراضي المقدسة، من قبل محاضر في “هارتفورد” يُدعى يحزقيل لانداو.

يقول عنتيبلي أنه قرأ الكتاب كأنه “قصة أحد أتباع مئير كهانا في السابق الذي قال أنه ربما توجد هناك طريق أخرى، طريق بديلة، والذي حاول رؤية وجود الله في المحادثات العابرة للأديان والعابرة للمعتقدات في الكتاب. كان ذلك بالضبط ما كنت فيه. شعرت بأنني أرغب بأن أكون قادرا على رؤية العالم من خلال عينيه، من خلال منظور القيم الذي تعلمه إياه ديانته”. بإختصار، “قلت أن علي أن ألتقي هذا الرجل”.

من خلال التخطيط لرحلة طلاب جامعة “ويسليان” إلى إسرئيل، قام بالإتصال بهليفي وطلب منه إلقاء محاضرة لهم. بالنسبة لعنتبلي “كان ذلك حب من النظرة الأولى، من المنظور الروحي والفكري، شعرت بأنه حقا الشخص الذي كنت أبحث عنه”.

الشعور كان متبادلا. “يوسي لم يكن معنيا”، يتذكر عنتبلي ضاحكا.

بعد ساعة من الصمت التام تقريبا، بدأ هليفي بالحديث. “تم إصدار ’عند مدخل جنة عدن’ في 11 سبتمبر، 2011 – كان هذا حرفيا تاريخ الإصدار”، كما يتذكر، وما زال مندهشا من التوقيت. “وبالنسبة لي، كان هذا بطريقة ما يرمز إلى مصير الرحلة: لقد حاولت. قضيت عاما ونصف العام وأنا أتجول بين ديانات جيراني. ذهبت إلى مساجد وأديرة. أردت ان أتعلم طريقهم إلى الله. أردت أن أتعلم كيف اختبر المسلمون والمسيحيون المقدس. وعندها جاءت الإنتفاضة الثانية، وبعدها 11/9، وبالأساس تبرأت من الكتاب لبعض الوقت”.

وبالتالي فهذا ليس بالوقت المناسب للتحدث مع هذا الزعيم الروحي المسلم الباحث عن الإنسجام وهذه المجموعة بعيدة الإحتمال من الطلاب الأمريكيين المسلمين واليهود. “كان ذلك عام 2003، وكنت قد سئمت حقا من الحركة الوطنية الفلسطينية، والشعور بالخيانة الذي شعر به معظم الإسرائيليون. حاولنا صنع السلام في عام 2000، وحصلنا في المقابل على حافلات تنفجر”.

“دعاني عبد الله للتحدث إلى طلابه، متوقعا ظهور مؤلف هذه الرحلة بين الأديان. وبدلا من ذلك ظهر له هذا الإسرائيلي خائب الأمل والغاضب”. قال هليفي أنه كان بإمكانه رؤية أن عنتبلي كان “شخصا لطيفا جدا. ولكنني لم أكن هناك. والحديث الذي أعطيته لطلابة لم يكن حقا الحديث الذي كان يرغب به”.

ولكن عنتبلي لم يسمح لمؤلف “جنة عدن” بالإفلات منه. سأل حول سبب تخلي هليفي عن الأمل في العلاقات بين المسلمين واليهود، وفسر له هليفي أنه فقد الأمل، وأنه لم تعد هناك أية علاقات. “أيا كان الحلم الذي كان لدي في هذه الرحلة، كان كذلك بالضبط – حلم”، كما شعر.

تلقى رسائل بريد إلكتروني في ذلك الوقت من بروتستانتيين أصحاب نية حسنة من التيار السائد، كما يتذكر، جاء فيها، “لقد قرأنا كتابك وتأثرنا به كثيرا. وكان ذلك يغضبني. كنت أقول، لماذا؟ لماذا تأثرتم بهذا الكتاب؟ هل تعتقدون أنه لأنني رقصت مع بعض الصوفيين، بأنه سيكون لدينا سلام في الشرق الأوسط؟! أنظروا إلى الواقع! هذا لا يحدث! كانت هذه تجربة غريبة جدا بالنسبة لي، أن أقوم بتنفير القراء ودفعهم بعيدا”.

يقر هليفي بأنه تأثر من “هذا الرجل المسلم الذي قرأ الكتاب وأراد التواصل معي. تأثرت جدا بذلك، ولكنني لم أعتقد أن أي شيء سيأتي من ذلك. واصل الضغط. قال، لن أسمح لك بأن تفلت؟، سنقوم بصنع شيء معا. قلت، حسنا، رائع. ولكنني لم أؤمن للحظة”.

ودخل معهد “هارتمان” في القصة.