إن اعتراف كانبيرا بالقدس الغربية كعاصمة إسرائيل يوم السبت يمكن أن يُنظر إليه على أفضل وجه باعتباره مسار العودة لأداة “البوميرانغ” – وهي أداة يقال أنها نشأت بين صائدي السكان الأصليين في أستراليا. في الواقع، بالكاد هناك استعارة أفضل لتوضيح كيف أن الحماسة التي حثت بها الدولة اليهودية وأنصارها حول العالم على إتباع تحرك واشنطن في العام الماضي قد عادت بنتائج عكسية.

في حين احتفل الصهاينة الأستراليون بالقرار بأنه “تاريخي”، فإن الاعتراف بالقدس الغربية فقط كعاصمة لإسرائيل قد يكون في الواقع ضارا لجهود الدولة اليهودية لتأمين دعم المجتمع الدولي للسيادة الإسرائيلية على المدينة بأكملها.

تحدى كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون الكثير من الضغوط الداخلية والإجماع الدولي عندما أصدروا إعلاناتهم حول وضع القدس. وقال كلاهما إنه في النهاية يجب تحديد حدود المدينة في المفاوضات المستقبلية بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

لكن التصريحين مختلفان بشكل كبير. لقد رحبت إسرائيل بحماس بواحد منها، ورفضت الآخر بحرارة.

في 6 ديسمبر 2017، اعترف ترامب “بالقدس” كعاصمة لإسرائيل، موضحا – على الرغم من عدم التوضيح صراحة – أنه يعني المدينة بأكملها، بما في ذلك الجزء الشرقي منها، الذي يدعي الفلسطينيون أنه عاصمتهم. تعهد بنقل السفارة إلى القدس، وهو تعهد أوفى به بعد نصف عام، وقال لاحقا إنه أخذ قضية القدس “خارج الطاولة”.

رئيس باراغواي، كارتيس (إلى اليسار) ورئيس الوزراء نتنياهو يفتتحان سفارة باراغواي الجديدة في القدس، 21 مايو 2018 (Amos Ben Gershom/GPO)

كانت الحكومة الإسرائيلية في حالة نشوة، داعية العالم إلى أن يحذو حذو الولايات المتحدة. وقد كشف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في أبريل/نيسان عن وجود “ما لا يقل عن ستة دول تتحدث معنا بجدية حول إعادة توطين سفاراتها في القدس”.

ومنذ ذلك الحين، قامت غواتيمالا وباراغواي فقط بنقل سفارتيهما بالفعل، وقد أعادت الأخيرة نقل سفارتها إلى تل أبيب منذ هذه الخطوة.

أعلن رئيس الجمهورية التشيكية ميلوس زيمان عن عزم بلاده نقل سفارتها إلى القدس، لكن وزارة الخارجية في براغ سرعان ما أعلنت أن عاصمة إسرائيل هي فقط “في حدود عام 1967”.

لنضع استراليا في الصورة.

في 16 أكتوبر، أعلن موريسون، رئيس وزراء أستراليا المحافظ، ووزيرة خارجيته، ماريز باين، أنهما “سيدرسان الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، دون المساس بحدودها النهائية”.

وفي بيان مشترك، قال موريسون وباين إنهما سينظران في نقل سفارة أستراليا إلى القدس الغربية، والاعتراف بالجزء الشرقي من المدينة “كعاصمة متوقعة لدولة فلسطينية مستقبلية”.

في ذلك الوقت، كانت الكتابة على الجدار واضحة: إعلان أستراليا سيكون أقرب إلى اعتراف روسيا المفاجئ في أبريل 2017 بالقدس الغربية كعاصمة لإسرائيل من قربه لإعلان ترامب الأكثر تحديا في 6 ديسمبر.

ولم يشعر المسؤولون الإسرائيليون بالسعادة حيال تصريح موسكو الذي أكد أن القدس الشرقية ستكون “عاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية”.

رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون، من ابسار، يتحدث لوسائل الإعلام إلى جانب وزيرة خارجيته ماريز باين في مبنى البرلمان في كانبرا، 16 أكتوبر، 2018. (Mick Tsikas/AAP Image via AP)

لكن عندما أصدرت أستراليا بيانا مماثلا، إتصل نتنياهو بموريسون لشكره. قالت سفارة اسرائيل في كانبيرا في بيان رسمي في ذلك الوقت ان “القدس كانت ودوما ستكون عاصمة لاسرائيل والاعتراف بهذا هو حقيقة لا جدال فيها”.

اعتراف موريسون يوم السبت، الذي لم يأت في شكل إعلان رسمي، بل كان مجرد جزء من خطاب مطول للسياسة الخارجية في معهد سيدني، لم يكن على الإطلاق ما كانت إسرائيل تأمله، لأن أي اعتراف بمزاعم إسرائيل بشأن القدس الغربية تعني ضمنا رفض مطالبها على الجزء الشرقي من المدينة. إسرائيل، التي احتلت القدس الشرقية والمدينة القديمة من الأردن في حرب عام 1967، تدعي السيادة في جميع أنحاء المدينة.

وعلى غرار إعلان روسيا غير المحبب، قال موريسون إن “الحكومة الأسترالية قد عقدت العزم على الاعتراف بتطلعات الشعب الفلسطيني من أجل دولة مستقبلية مع عاصمة في القدس الشرقية”.

وشدد أيضا على أن “الوضع النهائي للقدس، بما في ذلك حدودها وأطرافها، هو مسألة الوضع النهائي التي يتعين حلها بين الطرفين”. ولجعل الأمور أسوأ، أشار إلى التزام أستراليا الثابت بقراري مجلس الأمن 478 و 2334، اللذان يدينان، دون أي شك، ضم إسرائيل للقدس الشرقية.

في جلسة الأسئلة والأجوبة التي تلت كلمته، تعهد موريسون صراحة بالولاء إلى “حدود 1967”.

كما شجب سياسات إسرائيل الاستيطانية.

“عبرت الحكومة الاسترالية عن قلقها الشديد بشأن إعتمادات اسرائيل للأراضي وهدمها ونشاطها الاستيطاني”، قال في وقت سابق. “المستوطنات تقوض السلام – وتسهم في حالة الجمود التي نراها الآن”.

كما وعد أيضا بفتح “مكتب تجاري ودفاعي في القدس الغربية” والبدء في البحث عن مبانٍ لسفارة في نهاية المطاف هناك – والتي شدد على أنها لن تتحرك إلا “بعد تحديد الوضع النهائي” – وكان ذلك بمثابة طمأنة صغيرة للمسؤولين الإسرائيليين الذين لم يبذلوا أي جهد لإخفاء خيبة أملهم.

مهما يبدو الأمر غير بديهيا، من وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية، فأن عدم الاعتراف بالقدس هو أفضل من الاعتراف الجزئي الذي ينطوي على تقسيم مستقبلي للمدينة.

لو كان نتنياهو يعرف أن هذا هو ما كان سيعنيه إعلان ترامب بشأن القدس حتى لأقرب حلفاء إسرائيل، لربما قال ببساطة: “شكرا، رفيقي، لكن لا شكرا”.