تدخل هذه الجولة من الصراع بين إسرائيل وحماس يوما حاسما. فقد يعلن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ووزير الخارجية الأمريكي جون كيري يوم الثلاثاء عن وقف إطلاق نار إنساني طويل الامد، ويرافق ذلك دعوة لرفع الحصار الإسرائيلي-المصري عن غزة. ويبدو أن إسرائيل وحماس، في هذه المرحلة، متعطشتان لوقف القتال. فهما تدركان أنه إذا لم يدخل وقف لإطلاق النار حير التنفيذ يوم الثلاثاء، فقد تكون هناك أسابيع من القتالات الدامية.

أشارت تقارير إعلامية يوم الإثنين أن حماس قد تميل إلى قبول الشروط التي تستند على المقترح المصري الأصلي- لوضع حد غير مشروط للقتال- مع تحسن طفيف في دعوة لرفع الحصار. قد يعني ذلك أن حماس ستتنازل عن مطالبها التي تتحدث عن أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار يجب أن يوفر فتح معبر رفح الحدودي، وإطلاق الأسرى بمن فيهم أولئك الذين أعيد اعتقالهم من صفقة شاليط.

إذا كان هناك تغيير في موقف حماس – ولنشدد على كلمة “إذا”، لأنه لم يكن هناك إعلان رسمي حتى لحظة كتابة هذه السطور – فإن هذا التغيير جاء خلال لقاء يوم الإثنين بين عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل. ليس واضحا ما الذي أدى إلى هذه التغيير، إذا كان بالفعل هناك تغيير. ربما تشعر حماس بأنها حققت إنجازا مهما بقتل 25 جنديا، وعلى رأس ذلك تأكيدها المستمر على اختطاف جندي إسرائيلي (حيا أو ميتا). قد يكون ذلك، بالإضافة إلى إرداكها للدمار الذي حل على حي الشجاعية وعلى أماكن أخرى في غزة، ومئات القتلى، واقتراب عيد الفطر، ما دفعها إلى تغيير موقفها.

والجانب الإسرائيلي؟ قد تقبل إسرائيل أيضا بصيغة وقف إطلاق النار. حاليا لا توجد أية دلالة على وجود أية مبادرة أخرى من جانب رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو، ويعود ذلك على الغالب إلى أن مطالب حماس متعلقة بمعظمها بمصر، وليس بإسرائيل. مع ذلك، بإمكان نتنياهو أن يظهر إبداعا ورغبة أكثر للتوصل إلى حل سياسي شامل، بطريقة من شأنها تعزيز مكانة إسرائيل الدولية لدرجة ما على الأقل. لن يكون هناك ضرر لو صرح نتنياهو بأن إسرائيل على استعداد لفتح المعابر بين غزة وإسرائيل، وبناء ميناء ومطار تحت مراقبة دولية، ما دامت حماس ستقوم بنزع سلاحها والسماح للسلطة الفلسطينية التي يرأسها عباس بإدارة المعابر الحدودية. على الأرجح أن حماس لن توافق على مقترج كهذا، مما يساعد بدوره على تحسين صورة إسرائيل في العالم – أكثر كصانعة سلام، وأقل كدولة يُنظر إليها بأنها تقصف أحياء سكنية بشكل عشوائي.

ضاحية غزة
مع سقوط 60 قتيلا، وأكثر من 400 جريح وعشرات المباني التي سويت بالارض خلال عملية الجيش الإسرائيلي ليلة السبت-الأحد، يبدو حي الشجاعية في شمال غزة الآن كنسخة فلسطينية للضاحية التي تسكنها أغلبية شيعية جنوبي بيروت، والتي لحقت بها أضرار كبيرة خلال حرب لبنان الثانية عام 2006.

مع أن مستوى الدمار في الشجاعية ليس بنفس الحجم الذي رأيناه في مخيم جنين للاجئين خلال عملية “السور الواقي” في الضفة الغربية عام 2002، فإن الصور التي تبثها وسائل الإعلام العربية خلال الهدنة التي استمرت لعدة ساعات مع حماس يوم الأحد، والتي منحتها إسرائيل للسماح بإخلاء المدنيين والضحايا في الموقع، ذكرتنا بمنطقة كوارث.

خلق مدى الدمار والموت في هذ الحي في غزة تأثيرا مشابها لذلك الذي شهدناه خلال قصف الجيش الإسرائيلي للضاحية في بيروت حيث يسيطر حزب الله. إذا انتهت هذه الجولة من العنف وعندما تنتهي، قد تجعل المعاناة التي حلت على سكان الشجاعية وخاصة الأسر التي قُتل أطفالها، حماس تفكر مرتين قبل استئناف الهجمات ضد إسرائيل من القطاع. ستحمل حماس ندبة الشجاعية، شبيهة لندبات الضاحية ومخيم جنين للاجئين، لعدة سنوات قادمة.

في الوقت الراهن، مع ذلك، فإن حماس في مزاج احتفالي. بسبب حصيلة القتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي من جهة، والضربة الموجعة التي تلقاها السكان المدنيين الفلسطينيين من جهة أخرى، ترى حماس نفسها بأنها منتصرة. ادعاء الجناح العسكري أنه اختطف جنديا، بالرغم من نفي الجيش، دفع بمئات الفلسطينيين إلى النزول إلى شوارع غزة واالضفة الغربية للاحتفال. بالرغم من الأحداث الرهيبة التي وقعت في الشجاعية، فإن حماس موجودة في واحدة من أفضل فتراتها، سياسيا وشعبيا.

المزيج من القتال الشرس ضد الجيش الإسرائيلي، الذي أدى إلى مقتل 13 جنديا في صفوف “الصهاينة” في ليلة السبت-الأحد، والأسطورة المخلدة لوقوع مذبحة في الشجاعية، أدى إلى دعم غير مسبوق للمنظمة في صفوف الفلسطينيين، وخاصة في الضفة الغربية. مع ذلك، خلقت أسطورة هذه “المذبحة” حالة من الذعر بين سكان غزة.

إن الشعور بين صفوف السكان في غزة هو شعور بهستيريا جماعية. ذلك يعني أنه خلال العملية القادمة في الشجاعية، أو في أي حي آخر، فإن الجيش الإسرائيلي سيواجه عددا أقل بكثير من المدنيين. من الآن فصاعدا سيفر غالبية سكان غزة في مناطق القتال – في الشجاعية وفي أماكن أخرى – من منازلهم للنجاة بحياتهم – وسينصاعون لتحذيرات الجيش بالمغادرة، وليس لدعوات حماس بالبقاء.

مشكلة أخرى سيتعين على حماس التعامل معها ستكون الذاكرة قصيرة المدى للجمهور. من دون ما يُنظر إليه كإنجازات حقيقية في نهاية هذه الحرب، فإن التأييد الشعبي سيضعف واحترام الغزيين للحركة الإرهابية سيتبخر.

في الايام التي تلت عملية “عامود السحاب” في نوفمبر 2012، خرج نصف مليون شخص لاستقبال خالد مشعل الذي قام بزيارة للقطاع، وتهنئته على النصر في غزة. بعد أسابيع قليلة فقط، بعد أن أدرك الغزيون أن شيئا لم يتغير في الواقع، احتفل أكثر من نصف مليون بذكرى تأسيس فتح، منافس حماس السياسي.

وهذا ما سيحدد ما إذا كان يُنظر إلى هذه الصراع على أنه نصر أو هزيمة لحماس. إذا لم يكن هناك انجاز هام، ستدفع حماس الثمن في تأييد الرأي العام لها.

قد نعرف يوم الثلاثاء ما إذا كانت حماس تسجل حلقة مجيدة في تاريخها، أو أنه سيُنظر إليها بأنها تسببت بقتل 600 شخص من أجل لا شيء.