ومرة أخرى كان هناك هدوء. على الأقل لبضعة أيام. هدوء في تل أبيب وأشدود وياهود وبئر السبع. ولم يُسمع دوي صفارات الإنذار في وسط البلاد وجنوبها أو في شمالها. وحتى في قطاع غزة لم يسمعوا أصوات الإنفجارات والقصف والغارات الإسرائيلية على مدى ثلاثة أيام. قاموا “فقط” بدفن أمواتهم وإخراج الجثث من تحت الأنقاض. ولكن اليوم في الساعة الثامنة صباحا انتهت التهدئة مع نهاية ال-72 ساعة من وقف إطلاق النار، ولم تتم المحافظة الهدوء الذي يحبه رئيس الحكومة نتنياهو كثيرا. منذ اللحظة الأولى من هذه الحرب سعت حكومة نتنياهو إلى إضعاف حماس وإلى لهدوء. أو كما وصف ذلك رئيس الحكومة بنفسه، “سيرد على الهدوء بهدوء”. حتى الآن تم تحقيق هذا الهدف جزئيا حيث أنه لا يوجد هدوء حقيقي. وهناك شك بحدوث ذلك. رفضت حماس وقف إطلاق النار بشكل كامل ولكن من الممكن أن تكتفي في الأيام المقبلة بإطلاق نار “رمزي” ومحدود إلى الجنوب، حتى تثبت للجمهور الفلسطيني بأنها لم تهزم. وفي المقابل صرحت الحركة بأنها معنية بمواصلة المفاوضات في القاهرة حول وقف إطلاق نار طويل الأمد. هدف حماس حاليا، هو عدم قبول الخطوط العريضة المصرية: أي وقف إطلاق النار أولا وبعد ذلك التفاوض. ولكن، التفاوض خلال إطلاق النار.

الهدف الثاني في الحركة، هو إنشاء ميناء بحري. هذا على الأقل ما صرح به المتحدثون بإسم الذراع العسكري للحركة الذي أكدوا أنه لن يكون هناك وقف لإطلاق النار من دون ميناء. لماذا ميناء بالذات؟ أولا، من المفترض أن يرمز ذلك لإنهاء الحصار. حتى لو تم ذلك تحت مراقبة دولية أو مراقبة السلطة الفلسطينية، هدف حماس هو أن تثبت للرأي العام الفلسطيني في غزة بأنها حققت انجازا هاما وميناء هو بالفعل دليل على أن “الجهد أتى بنتيجة”. السبب الثاني لإصرار الذراع العسكرية على ميناء، مرتبط بمصر. فمن الواضح أن فتح معبر رفح يشكل هو أيضا رمزا ذات أهمية ولكن حتى إذا تم فتح المعبر، فستظل حماس في المستقبل أيضا تحت رحمة السلطات في مصر. والميناء يكفل لهم إستقلالا جزئيا (بإمكان إسرائيل دائما منع دخول سفن إلى غزة أو الخروج منها، ولذلك هذه ليست سوى حرية تصرف بشكل جزئي).

تكمن المشكلة في أنه حتى لو توصلت حماس وإسرائيل إلى اتفاق وقف إطلاق نار في مرحلة ما، فهناك شك في أن يتغير الواقع هنا. للطرفين، نتنياهو وحماس، هناك مصلحة واضحة في الحفاظ على الهدوء ولكن ليس أكثر منذ لك. من دون التقدم لاتفاق سلام يلزم الطرفين بتنازلات كبيرة. ومن جهة نتنياهو على الأقل، أن لا يتدهور الوضع إلى حرب شاملة.

منذ دخول نتنياهو إلى منصبه عام 2009 قاد دولة إسرائيل بموجب استراتيجية واحدة واضحة: الهدوء. لا سلام لا سمح الله ولا حرب. هدوء شامل ومتواضع فقط، الذي يسمح لحكومته بالصمود ولا يضطره لاتخاذ قرارات سياسية صعبة. بموجب هذه السياسة التي عرضها مقربو نتنياهو في هذه السنوات لا يمكن حل المشكلة مع الفلسطينيين ولكن بالإمكان إدارتها. هذه التوجه التي بثها مكتب رئيس الحكومة أثرت أيضا على المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، التي حاولت المحافظة على الهدوء مع الفلسطينيين بكل طريقة ممكنة تقريبا: التخفيف من القيود هنا وهناك للفلسطينيين في الضفة الغربية، والحفاظ على التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية ومحاولة التقليل من الاحتكاك مع المواطنين الفلسطينيين. في القطاع بالمقابل، بالرغم من وجود عدو خطير على الطرف الثاني والذي دعا إلى إبادة دولة إسرائيل، تطورت علاقة غريبة وسرية، بين حكومة إسرائيل وحماس. كان مريحا للقدس التعامل مع هذا العدو الذي لم يخف من جهة سعيه إلى محو إسرائيل عن الخارطة وبذلك لم يفرض على حكومة نتنياهو اتخاذ قرارات صعبة مثل تنازلات عن أراض. في المقابل، وضحت المنظمة بأنها غير معنية بالتصعيد مع إسرائيل منذ عام 2012. بذلت حماس، منذ انتهاء عملية “عامود السحاب”، جهودا للحفاظ على الهدوء. قام بايقاف نشطاء من منظمات أخرى حاولوا إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل ومنعت بكل طريقة ممكنة تدهور الوضع. أحبت إسرائيل هذه الصيغة. فها هي منظمة لا توجد هناك حاجة للتفاوض معا حول أي مسألة ولكن بالإمكان “العمل” معها. وهكذا ولد هنا هذه الواقع الغريب الذي استمر منذ نوفمبر 2012 وحتى يوليو 2014: لا يوجد هناك سلام ولا توجد حرب. هدوء فقط.

ولكن شيء ما تغير في “نظرية الهدوء” هذه بعد اختطاف الفتية الإسرائيليين في 12 يونيو. في الأشهر التي سبقت ذلك، رفضوا في إسرائيل رؤية ما تقوم به “العشيقة” من غزة من وراء ظهر دولة إسرائيل. صحيح أننا كنا على علم بحفر الأنفاق، والتسلح بصواريخ متوسطة وطويلة المدى وعن مجموعة متنوعة من الهجمات. ومع ذلك أدت استراتيجية الهدوء إلى تكتيك معناه تجاهل لتجنب التصعيد. حتى في الجيش كانت هناك ميول لرؤية حماس كعنصر معتدل يمنع سقوط القطاع بين أيدي الجهاديين. وهكذا ولدت قناة وساطة بوساطة المخابرات المصرية: عندما علموا في إسرائيل عن نية نشطاء منظمات إرهابية “ضالة”، الذين لم يمتثلوا إلى تعليمات حماس، بإطلاق طواريخ باتجاه إسرائيل، تم نقل المعلومات ذات الصلة إلى رجال المخابرات المصرية حتى يتم إعلام المنظمة في غزة. وذلك بهدف أن تقوم حماس بإحباط إطلاق الصواريخ. في بعض الأحيان قامت المنظمة بالفعل بذلك، وفي بعض الأحيات تجاهلت ذلك أيضا. في حالة التجاهل، قامت إسرائيل باتخاذ إجراءات عقابية، محدودة جدا. حيث كانت تستعد طائرة لتنفيذ غارة على أحد معسكرات التدريب أو مراكز القيادة التابعة لحماس وتحلق في السماء لبضع ساعات. وذلك لضمان أن لا يكون في المكان نشطاء من المنظمة وفقط بعد التأكد من خلو المكان، يتم إطلاق صاروخ أو صاروخين نحو الهدف. أحيانا كانت الأضرار كبيرة جدا ولكن على الأقل لم يُقتل نشطاء حماس. بالرغم من أن ذلك يبدو غريبا، ولكن كانت هذه هي السياسة الإسرائيلية، بما في ذلك الجيش الإسرائيلي، بشأن المنظمة وعناصرها، حتى بعد إطلاق صواريخ “قليلة” باتجاه إسرائيل.

لكن بعد ذلك تخلت حماس عن المشاركة في الحكومة الفلسطينية. وبعد أن تحررت من قيود الحكومة، شعرت بحرية أكبر للمخاطرة والعمل، وخاصة للعودة إلى مركز المنصة السياسية العربية. بدأ ذلك في عملية الإختطاف في غوش عتصيون، حيث تلقى قائد الخلية حسام القواسمي، تمويلا ومساعدات من ممثلي المنظمة في غزة. كان شقيق حسام، كما نشرت هذا الأسبوع، من أسرى حماس الذين تم الإفراج عنهم ضمن صفقة شاليط وتم ترحيله إلى القطاع. وفي غزة، بدأ تدهور بطيء ولكن ثابت مع إسرائيل. بدأ ذلك بإطلاق صواريخ قليلة من منظمات “ضالة”، وبعد ذلك لمنظمات “مقاولة” لحماس وبعد أن قتل الجيش الإسرائيلي عن طريق الخطأ ناشطا في حماس على الحدود مع إسرائيل، بدأت المنظمة نفسها بإطلاق الصواريخ نحو إسرائيل. من الصعب التحديد ما إذا كانت هناك “خطة كبرى”، أو ما يُدعى “ماستر بلان”، ذات بداية ونهاية واضحة بالنسبة لحماس. قد تكون المنظمة قد أدركت أنها ترغب بتصعيد منضبط، ولكن هناك شك فيما إذا كانت تدرك أنها ستجد نفسها بعد 28 يوما من القتال مع إسرائيل، منهكة ومصابة، ومع عدم وجود أي انجاز على الأرض في في الوقت الذي تعاني فيه غزة من دمار هائل.

السؤال الذي يُطرح إلى أين يؤدي ذلك بدولة إسرائيل من هنا. قد تكون هذه الحملة لم تتسبب بجرح كبير للدولة كما فعلت حرب لبنان الثانية. أداء الجيش الإسرائيلي كان معقولا، وحتى أنه كان جيدا في بعض الأحيان: حقق الجيش الأهداف التي حددها لنفسه. وأيضا الجبهة الداخلية لم تظهر علامات انكسار. ومع ذلك، يبدو أننا عدنا إلى نفس النقطة التي بدأنا بها “الجرف الصامد”. لا تزال حماس واقفة على قدميها في غزة، من دون الرغبة في التصعيد بعد ذلك الذي كان في “الجرف الصامد”، ولكن مع قدرة عسكرية ستُبنى وتطور على مر السنين. حتى النقطة القادمة التي سترى فيها أن الوقت ملائم للهجوم من جديد. الإمكانية الوحيدة لتغيير شيئ ما في هذه المعادلة كما يبدو (عدا احتلال القطاع طبعا)، هو المبادرة بخطوة سياسية، مع السلطة الفلسطينية. مع حماس لا يمكن القيام بالكثير، ربما إلحاق الضرر بهم في الرأي العام ودوليا، على سبيل المثال أن يُعرض عليهم كل شيء: ميناء بحري ورفع الحصار وزيارة لأسبوع في مدينة الملاهي في تل أبيب. ولكن في المقابل، نزع سلاح قطاع غزة بالكامل وتفكيك الأنفاق. أو بكلمات أخرى منحهم فرصة الإختيار بين “غزة تحت الأرض” أو غزة فوق الأرض. حماس سترفض، وستربح إسرائيل بضع نقاط من جهتها. ولكن إذا كنا نريد إلحاق الضرر بحماس بالفعل، علينا اضعافها من الداخل عند الرأي العام، ينبغي على دولة إسرائيل استئناف مفاوضات السلام حتى لو كان ثمن ذلك تجميد البناء في المستوطنات. أثبت رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) في الأشهر الأخيرة بأنه شريك حقيقي، في الحرب ضد الإرهاب وفي تحقيق الإستقرار في المنطقة. حتى أن حكومة التكنوقراط التي شكلها تبدو فجأة في عيون صناع القرار في إسرائيل بأنها عنصر من الممكن التعامل معه (على عكس التصريحات بشأن حكومة الإرهاب التي تلت تشكيل هذه الحكومة).

ولكن إذا أردنا أن نكون واقعيين للحظة، فإن استراتيجية الهدوء لن تتغير قريبا. في الحقيقة لا يريد نتنياهو إضعاف حماس، وبكل تأكيد هو لا يريد مفاوضات ستضطره إلى القيام بتسوية على الأراضي لا سمح الله.