في شهري فبراير ومارس من هذا العام، في الوقت الذي كان فيه الإسرائيليون غارقين في أخبار الإنتخابات، ضجت وسائل الإعلام الفرنسية بتقارير حول عملية احتيال جريئة يُعتقد أن مصدرها كان في إسرائيل.

منذ عام 2015، يقوم شخص ما بانتحال شخصية وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان، ويقوم بالاتصال برؤساء دول أفريقية وسفراء ورجال دين ورجال أعمال، ويطلب منهم مساعدة فرنسا في دفع فدية لتحرير مواطنين فرنسيين اختطفهم تنظيم “داعش” ومجموعات إرهابية أخرى في سوريا.

في بعض الحالات، قام المنتحل بوضع قناع سيليكون  يجسد وجه الوزير الفرنسي وتحدث مع أهدافه عبر “سكايب” من مكتب مزين بالعلم الفرنسي وصورة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وفي حين أن عملية الاحتيال تجري منذ عدة سنوات، إلا أنه في الأشهر الأخيرة فقط قامت الشرطتين الفرنسية والبولندية باعتقال عدد من المشتبه بهم في القضية، وفي 14 فبراير، خصص برنامج التحقيقات التلفزيوني الفرنسي “إنفويي سبيسيال” حلقة كاملة لعملية الاحتيال، زُعم فيها إن المشتبه بهم نجحوا بجمع مبلغ 80 مليون يورو (حوالي 90 مليون دولار) من ضحاياهم.

بعد أسبوعين من بث البرنامج، اعتقلت الشرطة الإسرائيلية أربعة مشتبه بهم في مدينة نتانيا الساحلية.

بعد الاعتقالات قال ممثل وحدة الاحتيال في الشرطة لقاض “هذه قضية ذات تداعيات دبلوماسية دولية. إنها ليست بقضية عادية وإنما قضية ذات حساسيات دولية تسببت بحادثة دبلوماسية بين البلدين. يتم التحقيق في هذه القضية حول الساعة في إسرائيل وفرنسا”.

لقطة شاشة من محادثة ’سكايب’ مع شحص انتحل شخصية لودريان كما تظهر في برنامج التحقيقات التلفزيوني الفرنسي “إنفويي سبيسيال” (Screenshot)

خلال تحقيقاتها، أخذت الشرطة الإسرائيلية شهادة من وزير الخارجية الفرنسي بشخصه. في 29 مارس، أي بعد أسبوع من تقديم لائحة الاتهام، علق جان إيف لودريان على القضية لمراسلين فرنسيين.

وقال بشكل صارم “لا أحد يستطيع أن ينتحل شخصيتي. إذا انتحلت شخصيتي، فستذهب إلى السجن”، وأضاف بلهجة اقل حدة “حتى أنهم صنعوا قناعا يجسد وجهي. إذا شاهدتم مقاطع الفيديو، فالأمر لافت للنظر”.

في لوائح الاتهام التي تم تقديمها ضد المشتبه بهم الثلاثة في 21 مارس، وُجهت لفريدي جامي (47 عاما) من نتانيا، ودافيد إلياش (37 عاما) من هرتسليا، وشموئيل بن سيمون (37) من نتانيا، تهم التآمر لارتكاب جريمة بنية ارتكاب عملية احتيال، انتحال شخصية وعرقلة مجرى العدالة.

المرة الأخيرة التي عملت فيها المجموعة كانت في فبراير

وفقا للوائح الاتهام، قام جامي بانتحال شخصية مدير مكتب جان إيف لودريان في فبراير 2019، بينما قام شريك آخر، الذي لا تزال هويته غير معروفة للشرطة، بانتحال شخصية الوزير نفسه.

في 25 و26 فبراير من هذا العام، وفقا للشرطة الإسرائيلية، قام جامي بالاتصال بمدير منظمة غير ربحية فرنسية وأخبره أنه بحاجة ماسة إلى المساعدة لتحرير مواطنين فرنسيين اختُطفوا في سوريا. ويُزعم أن جامي أخبر هدفه الفرنسي أنه يجب دفع الفدية إلى طرف ثالث حتى لا يتم الكشف عن أن الحكومة تقوم بدفع الفدية لمنظمة إرهابية.

في سلسلة من المحادثات، زُعم أن جامي وشريكه أخبرا المسؤولين في المنظمة الفرنسية أنهم تمكنوا من جمع مبلغ 36 مليون يورو حتى الآن واقترحوا تحويل مبلغ ما بين 2 و4 ملايين يورو إضافي إلى حساب مصرفي في هونغ كونغ.

مدير المنظمة الغير ربحية الفرنسية أخبرهم أنه بحاجة إلى الوقت لمعرفة المبلغ الذي سيكون قادرا على توفيره وطلب الحصول على دليل يثبت صحة إدعاءاتهم، وفقا للائحة الاتهام.

وقال له المشتبه بهم إن وزير الخارجية سيكون سعيدا بلقائه وبأنهم سيعيدون له المبلغ في وقت لاحق، وقاموا أيضا بإرسال مذكرة مزورة للمنظمة غير الربحية تقر بأن وزارة الخارجية الفرنسية تدين بالمال للمنظمة.

في النهاية لم يقم مدير المنظمة الفرنسية بتحويل الأموال، لأنه اشتبه مع زملائه أنهم يتعرضون للاحتيال.

وفقا للشرطة، في 26 فبراير، قاما جامي وأحد المشتبه بهم الآخرين بأخذ الهاتف المحمول الذي استخدماه للاتصال بفرنسا في هذا اليوم  وألقياه في أحد شوارع نتانيا مع عدة هواتف أخرى.

’لا سند’ للتهم

وقالت وزارة العدل الإسرائيلية إنها لا تستطيع التعليق على قضية جارية، لكن دافيد فال، محامي دفاع فريدي جامي، قال لتايمز أوف إسرائيل إن موكله لم يشارك في أي نشاط احتيالي ولكنه رافق صديقه، لفترة وجيزة، إلى الشقة التي يُزعم أن عملية الاحتيال حدثت فيها.

وقال فال: “إن دخول ومغادرة شقة ليس مخالفا للقانون”.

المحامي دافيد فال (Courtesy)

وأضاف أنه عندما قبضت الشرطة على موكله واثنين آخرين من المشتبه بهم، ألقت بتهم مثل غسل الأموال والاحتيال، لكن بعد ثمان جلسات استجوب فيها محامو الدفاع الشرطة، قدم النيابة العامة في النهاية لائحة اتهام “ضعيفة” بتهمة التآمر لإرتكاب جريمة.

وقال المحامي: “لقد بدأت هذه القضية كجبل وتحولت إلى تل صغير”.

“إن موكلي رهن الحبس المنزلي حاليا، ونحن نستعد للمحاكمة التي من المقرر أن تبدأ في 12 يونيو. نأمل أن يرى القاضي أنه لا يوجد هناك سند لهذه الاتهامات ضد موكلي”.

ولدى سؤاله عن الضغوط التي تمارسها الحكومة الفرنسية، أجاب فال: “الكثير من الأشياء التي قيلت في وسائل الإعلام ليست دقيقة. هل هذه القضية مرتبطة بالقضية في وسائل الإعلام حول انتحال شخصية الوزير؟ لا أحد يعلم. أنا متأكد من أن فرنسا تضغط على إسرائيل لمعرفة من فعل هذا، لكنني لست متأكدا من أنهم يضغطون على إسرائيل في هذه الحالة على وجه الخصوص”.

هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها القبض على فريدي جامي من قبل الشرطة. لقد كان جامي مشتبها قبل أكثر من عشر سنوات في تحقيق كبير أجرته الشرطة تلتها محاكمة أحد زعماء الجريمة، ويُدعى آسي أبوطبول، وأعضاء آخرين في منظمته. حاليا يقضي أبوطبول عقوبة بالسجن لمدة 18 عاما لإدانته بتهم ابتزاز في الأساس. ولم يحاكم جامي في هذه القضية، التي لعب فيها دورا هامشيا، لكن شهادته للشرطة استُخدمت من قبل النيابة العامة الإسرائيلية في الحكم الصادر ضد المنظمة الإجرامية في عام 2019.

ويظهر اسم جامي في 49 مرة في قرار الإدانة من عام، حيث يوصف بأنه وسيط قام بتسليم أموال الحماية نيابة عن ضحية ابتزاز المنظمة.

وقال فال لتايمز أوف إسرائيل، في إشارة إلى محاكمة أبوطبول في 2009، “لقد تم التحقيق مع جامي لتورطه بشكل من الأشكال، ولكن لم تكن هناك أدلة كافية على ارتكابه أي مخالفة”

هجرة الجريمة المنظمة الفرنسية إلى إسرائيل

انتحال شخصية وزير الخارجية الفرنسي هي ليست سوى واحدة من بين سلسلة طويلة من عمليات الاحتيال على الإنترنت، والتي تعود لأكثر من عشر سنوات، وارتكبها مهاجرون فرنسيون جدد في إسرائيل. وشملت عمليات الاحتيال هذه إعلانات مزيفة، تأمين، أرصدة كربون، ألواح شمسية، انتحال شخصية رئيس تنفيذي لإحدى الشركات وانتحال شخصية منفذ وصية شخص متوف، بالإضافة إلى عدد من عمليات الاحتيال في مجال الاستثمار شُجع فيها الضحايا على الاستثمار في أسواق الفوركس والخيارات الثنائية والعملات الرقية والماس وحتى الأبقار.

اذا بحثت في الإنترنت عن كلمتي “احتيال” و”إسرائيل” باللغة الفرنسية ستجد مئات المقالات، الكثير منها مرفقة بشتائم معادية للسامية في قسم التعليقات. بحث مشابه باللغة العبرية يعطي عدد أقل من المقالات.

على الرغم من الأضرار التي تلحقها هذه الأنشطة الاحتيالية بسمعة إسرائيل، إلا أن السلطات الإسرائيلية نفذت القليل من الاعتقالات وحاكمت حتى عددا أقل من المشتبه بهم في العشر سنوات الأخيرة منذ ظهور هذه الظاهرة لأول مرة.

في مجتمع المهاجرين الفرنسيين في إسرائيل، والذين وصل حوالي 80،000 منهم إلى البلاد منذ عام 1989 ، هناك إحراج من عدم قيام السلطات الإسرائيلية ببذل المزيد من الجهد لإلقاء القبض على المجرمين، وفقا لسيرج دومونت، وهو خبير بلجيكي إسرائيلي معني بالجريمة الإسرائيلية المنظمة. ولم تصدر الشرطة أو الوكالات الحكومية الأخرى إحصائيات عن عدد المهاجرين الذين يُقدّر تورطهم في نشاط احتيالي أو مدى تأثير هذا النشاط على الاقتصاد الإسرائيلي.

وقالت مصادر مقربة من مجتمع المهاجرين الفرنسيين لتايمز أوف إسرائيل إن هناك بحسب تقديراتهم بضعة مئات من “الأسماك الكبيرة” المتورطين في عمليات احتيال، وأن بضعة آلاف من المهاجرين الفرنسيين، معظمهم شبان، عملوا في شركات احتيالية لدى هؤلاء المحتالين.

وتسمح محاكمة منظمة أبوطبول المذكورة أعلاه بإلقاء نظرة على أصول هذا النوع من النشاط في إسرائيل.

عدد كبير من ضحايا عمليات الابتزاز العنيفة للمنظمة الإجرامية كانوا قادمين جدد من فرنسا شاركوا في أعمال  في مجال” الإعلانات”، بعض الجناة في عمليات الابتزاز كانوا هم أيضا من فرنسا.

ولم يوضح الحكم طبيعة عمل هذه الإعلانات لكنها تتعلق عادة ببيع مساحات إعلانية في تقويم أو على موقع إلكتروني لشركات صغيرة في فرنسا وبلجيكا. في بعض الحالات، يكون هذا النشاط احتياليا.

وأشار الحكم الصادر في عام 2009 إلى أن ضحايا عمليات الابتزاز لمنظمة الجريمة أبوطبول من الإسرائيليين الفرنسيين كانوا بأنفسهم متورطين في حالات قليلة في أنشطة احتيالة، وإن كانت تتعلق بذوي الياقات البيضاء في طبيعتها.

أحد ضحايا الابتزاز قال للشرطة إنه كان “يعمل في عمليات احتيال في مجال الإعلانات في فرنسا بمبالغ ليست بالكبيرة، وأكد على أنه كان يسرق دائما من الأشخاص الذين لديهم تأمين وحرص على عدم المس بأفراد عاديين. وقال إنه إذا لم نقم بتحويل التفاصيل للشرطة في فرنسا، سيكون على استعداد لتقديم شهادته…” بحسب الحكم الصادر في عام 2009.

ووصف الحكم ضحية أخرى، وهو متخصص في الكمبيوتر وعمل في مجال الإعلان، بأنه شخص “تورط في عمليات احتيال وإجرام، والذي كسب أمواله بطريقة غير شريفة”، وأضاف أن “ذلك يفسر السبب في اعتباره هدفا مناسبا لمنظمة إجرامية”.

رابط الكربون

أما الضحايا الآخرون لعمليات الابتزاز التي مارستها منظمة أبوطبول والذين ظهرت أسماؤهم في الحكم، فقد تم اتهامهم أو إدانتهم في وقت لاحق في فرنسا لارتكابهم جرائم متصلة بالإنترنت. على سبيل المثال، أدين ريتشارد تويل، الذي عمل في الماضي في مجال الإعلانات، غيابيا في فرنسا مؤخرا مع شقيقيه فابريس ومايك، لدورهم في عملية احتيال ضريبة القيمة المضافة على الكربون، والتي أطلق عليها اسم “عملية احتيال القرن” “في فرنسا، حيث قام هو وعشرات آخرين بشراء وبيع أرصدة الكربون بسرعة عبر الإنترنت دون تحويل ضريبة القيمة المضافة، وبالتالي أدخلوا لجيوبهم عشرات الملايين من اليورو.

في كتابه “أسواق الاحتيال والكربون: رابط الكربون”، يفترض ماريوس كريستيان فرونزا، وهو باحث يدرس الجريمة المالية، أنه منذ مطلع القرن، وبالتحديد منذ عام 2008، مرت الجريمة المنظمة في أوروبا والاتحاد السوفييتي سابقا وإسرائيل بتحول عميق.

ماريوس كريستيان فرونزا، مؤلف كتاب “أسواق الاحتيال والكربون”(Facebook)

في حين أن الأرباح من جرائم عصابات “الشوارع” التقليدية، مثل الابتزاز والدعارة والمخدرات، تقلصت بشكل كبير في الوقت الذي حظيت فيه بكثير من الاهتمام من وسائل الإعلام والسلطات، كما يقول فرونزا في كتابه، فإن منظمات الجريمة التي نجحت بالتوسع إلى مجال الجريمة الإلكترونية والمالية حققت ثروة غير مسبوقة.

ويرى فرونزا في عملية احتيال ضريبة القيمة المضافة على الكربون، التي تم تنفيذ جزء كبير منها من إسرائيل من قبل مهاجرين فرنسيين في 2008 و2009، كلحظة فاصلة في هذا التحول، مشابهة للتأثير الذي كان لحظر الكحوليات على الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة في عشرينيات القرن الماضي.

ويكتب فرونزا، “إذا كانت عملية احتيال ضريبة القيمة المضافة على الكربون نسخة مقلدة من حظر الكحوليات فستكون من دون حرب على التفوق بين المنظمات المختلفة. إن الحلم المشرح للنفس بأن تتمكن جميع المجموعات الإجرامية مع العمل معا نتج عنه تطور صامت جدا لعملية الاحتيال، بدون مذبحة ’يوم القديس فالنتين’. في الواقع إن عدد الإصابات المزعومة المرتبطة بجريمة الكربون هو أقل من 12”.

ويقدم فرونزا تفسيرا للصعوبة التي واجهتها السلطات، بما في ذلك الإسرائيلية، في مواجهة هذه الجريمة.

ويرى الكاتب أن هذه الجريمة الإلكترونية ازدهرت في عصر ذهبي يتسم بالتعاون بين المجموعات الإجرامية. وهكذا، شاركت مجموعات الجريمة المنظمة الفرنسية والإسرائيلية والجورجية والروسية والبلغارية والبولندية والرومانية جميعها في عمليات الاحتيال المتعلقة بضريبة الكربون وأنشأت بينها علاقات ستخدمها في المستقبل.

بالإضافة إلى ذلك، كما يكتب فرونزا، فإنه في حين أن الجريمة المنظمة استقطبت في الماضي أفرادا من الفئات الدنيا في المجتمع، فإنها تجتذب اليوم أشخاصا من ذوي المستويات التعليمية العالية، الذين يمتلكون مهارات عالية وتجذبهم فرصة الحصول على دخل أعلى بكثير من الدخل الذي يمكنهم كسبه في عمل شرعي.

ويضيف أن الخطر في هذه التطورات هو أن الطبيعة الصامتة إلى حد كبير للجريمة الإلكترونية، والأرباح العالية التي تحققها، وحقيقة تورط عدد كبير من الأشخاص المتعلمين فيها، قد تطغى في نهاية المطاف على قدرة الحكومات في وضع حد لها.

وكتب فرونزا، “يخيل أن يكون تهديد الجريمة في المستقبل على نطاق واسع، حيث سيطغى على قدرة النظام القانوني الحالي في وقف الظاهرة أو السيطرة عليها”، ويضيف “في العصر الجديد للجريمة المنظمة، ستختلط جميع التهديدات الحالية التي تشدد عليها حالات الاحتيال في ضريبة القيمة المضافة في أسواق الكربون وستتضخم بشكل تلقائي، كما تفعل الألوان في قوس قزح”.