في حين أن زعيما حزب “اليمين الجديد”، أييليت شاكيد ونفتالي بينيت، طالبا بعد أن أظهرت النتائج النهائية التي نشرتها لجنة الانتخابات المركزية عدم حصوله حزبها على كمية الأصوات المطلوبة لدخول الكنيست بإعادة فرز الأصوت، لكن يبدو أنه لا فرار من المصير المحتوم للحزب.

لقد تخلى الاثنان، اللذان يُعتبران من بين أكثر الوزراء شعبية في إسرائيل، عن حزب “البيت اليهودي” في شهر ديسمبر مع هدف معلن وهو توسيع كتلة اليمين، وأكدا على أن الحزب الديني القومي الرئيسي لن يتأثر بانشقاقهما.

وانتهى بهما الامر بتقليص قوة حزبهما السابق – الذي هبط من ثمانية مقاعد في الانتخابات المنتهية ولايتها إلى خمسة في إطار قائمة “اتحاد أحزاب اليمين” الذي تم تشيكله حديثا – في حين حصل حزبهما، اليمين الجديد، على صفر من المقاعد.

ربما فاجأ عدد الأصوات التي مُنحت لحزب اليمين الجديد، وبلغت 138,101 صوتا، أولئك الذين تابعوا استطلاعات الرأي خلال الحملة الانتخابية. فقد أشارت الاستطلاعات الاخيرة في نهاية الأسبوع الماضي إلى أن الفصيل الناشئ سيحصل على ما يصل إلى ستة مقاعد، وهو أقل بكثير من المقاعد العشرة التي توقعتها له بعد طلاقه من البيت اليهودي، لكن أيا من الاستطلاعات لم تتوقع عدم اجتياز الحزب نسبة الحسم الانتخابية (3.25%) اللازمة لدخول الكنيست.

ما الذي جرى اذا بشكل خاطئ؟

بداية، من المعروف بشكل عام أنه لا يمكن الاعتماد كثيرا على استطلاعات الرأي. ولكن من الناحية الجوهرية، فلقد ابتلى شاكيد وبينيت من البداية بجمهور ضيق وأجندة انتقائية بشكل مفرط. سوء تقديرهم المذهل في التخلي عن البيت اليهودي يعني الآن أن شاكيد ستودع وزارة العدل وأنه سيكون بإمكان بينيت التخلي عن حلمه في الحصول على وزارة الدفاع.

وزيرة العدل، أيليت شاكيد، إلى اليسار، ووزير التعليم نفتالي بينيت يعلنان تأسيس حزب “اليمين الجديد” في مؤتمر صحفي في تل أبيب في 29 ديسمبر 2018. (Jack Guez/AFP)

اجبار الصهاينة المتدينين على الاختيار

في تفسيره لقرار انفصاله عن البيت اليهودي في شهر ديسمبر، قال بينيت إنه أدرك أن “رئيس الوزراء يعرف أن الصهاينة المتدينين [كانوا] في جيبه”.

وبالتالي فإن حزبه الجديد، كما قال، سيشكل “شراكة حقيقية بين العلمانيين والمتدينين”.

ولكن لم يمر وقت طويل قبل أن يقوم اليمين الجديد بتغيير رسالة “الشراكة” هذه، حيث استنتج بسرعة كما يبدو أنها لن تأتي بأصوات كافية. هل كانت استطلاعات الرأي الخاصة بهم هي التي وجهتهما إلى هذا القرار المصيري أم أنهم فقدا أعصابهما وترجعا عن الدفاع عن رؤيتهما الأكثر ليبرالية لقضايا الدين والدولة؟

بدلا من ذلك، عاد بينيت وشاكيد إلى استهداف المجتمع الذي منحهما نجاحهما السياسي السابق: الصهاينة المتدينون الإسرائيليون، أو الذين يُعرفون أيضا بالمتدينين القوميين. لقد أدركا أن حزبهما السابق، البيت اليهودي – الذي تحالف مع حزبا “الاتحاد الوطني” و”عوتسما يهوديت” لتشكيل قائمة “اتحاد أحزاب اليمين” – لا يزال الفصيل الممثل للوسط القومي المتدين، ولكن يبدو أنهما اعتقد ان هذه القاعدة كانت كبيرة بما فيه الكفاية لتتسع لقائمتين، ويبدو أيضا أنهما اعتقدا أن الناخبين المحتملين سيسامحونهما على انفصالهما عن البيت اليهودي.

في جلسة أسئلة وأجوبة على “فيسبوك لايف” في الشهر الماضي قال بينيت إن “البيت اليهودي يُعتبر حزب ’حردليم’”، في إشارة إلى مجموعة متدينة وقومية متنامية من التيار الأرثوذكسي الصهيوني الإسرائيلي التي تهيمن على اتحاد أحزاب اليمين. على النقيض من ذلك، كما زعم بينيت، فإن حزب اليمين الجديد سوف “يمثل التيار السائد للصهيونية المتدينة، وسيقوم بربطها بالإسرائيليين العلمانيين”.

حزب ’البيت اليهودي’ يصوت على تحالف قبل الانتخابات مع حزب ’عوتسما يهوديت’ في بيتح تيكفا، 20 فبراير، 2019. (Yehuda Haim/Flash90)

بدأت كتيبات اليمين الجديد تظهر في الكنس في جميع أنحاء البلاد، في حين تعهدت شاكيد، وهي علمانية، بأن يواصل حزبها التشاور مع شخصيات دينية بارزة في التيار المتدين القومي قبل اتخاذ قرارات سياسية هامة.

أثارت هذه الاستراتيجية غضب قيادة اتحاد أحزاب اليمين، التي كانت لا تزال مجروحة من الانفصال الفجائي لهذا الثنائي عن الحزب، والتي عملت الآن على تذكير بينيت وشاكيد بأنهما بررا قرارهما بالانفصال عن البيت اليهودي بزعمهما أن حزبهما الجديد سيسعى إلى جذب أصوات جديدة إلى معسكر اليمين.

وقالت عضو الكنيست الجديدة، عيديت سيلمان (اتحاد أحزاب اليمين) لتايمز أوف إسرائيل في يوم الانتخابات، “في اللحظة التي عادا بها إلى قاعدة حركة الصهاينة المتدينين، فقدا كل شرعيتهما لإنشاء حزبهما”.

بطبيعة الحال وقفت وراء تصريحها دوافع سياسية، لكن حجتها القائلة بأن المعسكر الديني القومي ليست كبيرا بما يكفي ليتسع لحزب آخر فاقت الحقيقة مع بدء ظهور النتائج في وقت متأخر من الليلة نفسها.

لقد نجح حزب اليمين الجديد بالفوز بأغلبية الأصوات في بعض التجمعات الأكثر ليبرالية من الناحية الدينية مثل إفرات، ألون شفوت وتقوع في كتلة غوش عتصيون في الضفة الغربية. ولكن في المستوطنات الأكثر تشددا، وكذلك في بلدات ومدن الأطراف حيث تعيش الغالبية العظمى من الصهاينة المتدينين، فإن نسب الدعم لحزب بينيت وشاكيد لم تتجاوز الأرقام الأحادية، بعيدا عن الليكود واتحاد أحزاب اليمين.

على عكس معظم أفراد المجتمع الحريدي، لطاما اندمج الصهاينة المتدينين في المجتمع، ووزعوا أصواتهم (التي تساوي حوالي 18 مقعدا) بين الأحزاب السياسية من جميع الاتجاهات. وهذا في المقابل ترك قاعدة “حردليم” آخذة بالازدياد داعمة لحزب البيت اليهودي – متشددة كفاية لدعم تحالف مع حزب عوتسما يهوديت المتطرف على نحو ساحق في شهر فبراير.

إسرائيلي يدلي بصوته في مستوطنة إفرات، 17 مارس، 2015. (AP Photo/Dan Balilty)

لقد أمل بينيت وشاكيد أن يتمكن حزبهما من توفير بيت للصهاينة المتدينين الذين شعروا أن حزب البيت اليهودي ذهب خطوة أبعد مما ينبغي. وفي حين أن ناخبي البيت اليهودي خائبي الأمل صوتوا بالفعل لحزب اليمين الجديد، إلإ أن ما حسم مصير بينيت وشاكيد كان قيام الكثير من الإسرائيليين المتدينين الليبراليين بالتحول إلى أحزاب مركزية أكثر، بالإضافة إلى حزب موشيه فيغلين، “زهوت”، الذي فشل في اجتياز نسبة الحسم، منتزعا بذلك آلاف الأصوات التي كان من الممكن أن تذهب إلى اليمين الجديد.

قبل تشكيل حزب اليمين الجديد، لم يكن الصهانية المتدنيون المعنيون بالتصويت لحزب قطاعي مجبرين على الاختيار بين كونهم أكثر من “التيار الرئيسي” أو كونهم “حردليم”، وهذا ما طلبه بينيت وشاكيد منهم، ودفعا في النهاية ثمنا سياسيا باهظا نتيجة لذلك.

لا شيء يضاهي ’الغيفالت’

لقد ملأ تشكيل حزب “أزرق أبيض” بزعامة بيني غانتس فراغا في يسار الليكود لا يبدو أن بينيت وشاكيد كانا معنيين بالمنافسة عليه. بدلا من ذلك أدارا حلمتهما الانتخابية من يمين الليكود، كما فعلا دائما، مؤكدين على أن اعطاء القوة لحزب اليمين الجديد سيكون حاسما في منع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من ادخال أزرق أبيض إلى الإئتلاف الحكومي وإحباط خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي طال انتظارها للسلام.

ولكن خلال الحملة التي وصف نتنياهو خلالها غانتس بأنه يساري ضعيف ويحضر أحداثا لإحياء ذكرى عناصر حركة “حماس” ويحتاج لعلاج نفسي، أصبح من الواضح لمعظم الناخبين أن احتمال تشيكل حكومة وحدة وطنية بين الحزبين الكبيرين أصبح مستبعدا للغاية. نتيجة لذلك، خسر قادة اليمين الجديد بطاقة رابحة.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خلال جولة انتخابية في سوق محانيه يهودا في القدس، 8 أبريل، 2019. (Hadas Parush/Flash90)

وكما كان متوقعا، عندما بدأ نتنياهو في الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية بالتحذير من أن غانتس يشكل تهديدا حقيقيا على استمرار حكمه – ما يُسمى بحملة “غيفالت” التي قادها رئيس الوزراء – استجاب الكثير من الإسرائيليين اليمينيين للدعوة للتصويت لليكود بدلا من التصويت لحزب أصغر في اليمين. في نهاية المطاف، دفع هؤلاء الناخبين حزب الليكود بزعامة نتنياهو إلى الفوز ب36 مقعدا، ما تسبب بالضرر لاتحاد أحزاب اليمين أيضا، ولكن ترك بينيت وشاكيد خاليي الوفاض.

حتى محاولة اليمين الجديد التواصل مع الناخبين في بلدات الأطراف من خلال تجنيدهما لمالكة فرق “هبوعيل بئر السبع” لكرة القدم، ألونا بركات، في المكان الثالث على قائمة الحزب للكنيست لم يثبط من هيمنة الليكود في هذه المناطق.

بالكاد اعترفت البلدات المحلية في الجنوب، التي تعهدت بركات بتمثيلها في الكنيست، بحزب اليمين الجديد في صناديق الاقتراع. في سديروت ونتيفوت وأشكلون وأشدود، حصل اليمين الجديد على 2.8%، 2.8%، 2.1%، و2.9% من الأصوات تباعا.

إنها ليست المحاكم يا غبي

بالإضافة إلى اختيارهما توجيه حملتهما لجمهور ضيق ومحدد في معسكر قومي متدين متصدع أصلا، فإن رسالة حزب اليمين الجديد في حملته الإنتخابية كانت هي محدودة أيضا.

شعار الحزب الذي كُتب على الملصقات واللافتات الدعائية على امتداد الطرق السريعة في جميع أنحاء البلاد كان “شاكيد ستهزم محكمة العدل العليا، وبينيت سيهزم حماس”.

صفحة وزير العدل أييليت شاكيد في موقع ’فيسبوك’ تحمل الرسالة، “شاكيد ستهزم المحكمة العليا، بينيت سيهزم حماس”. (Facebook)

في حين أن الكثيرين في اليمين يقدّرون لشاكيد قيامهما بتعيين عدد أكبر من القضاة المحافظين في جميع مستويات المحاكم الإسرائيلية ويؤيدون هدفها المعلن بتمرير تشريع في الكنيست المقبلة يهدف إلى كبح صلاحية المحكمة العليا في إلغاء تشريعات، إلا أن هذه القضية النخبوية إلى حد كبير تتضاءل أمام المخاوف الأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي تشغل بال الكثير من الإسرائيليين عند وصولهم إلى صنادق الاقتراع.

أما بالنسبة لبينيت وتعهده بالقضاء على حماس، فإن مستويات الدعم البائسة التي حصل عليها في البلدات المحيطة بقطاع غزة تشير إلى أن السكان هناك يشعرون براحة أكبر في وضع أمنهم بين يدي نتنياهو.

الدين والدولة

المفارقة هي أن تعهد بينيت وشاكيد الذي قاما به عند إطلاق حملتهما الإنتخابية بتوحيد الإسرائيليين العلمانيين والمتدينين ربما كانت لديه القوة في تغيير الخطاب في اليمين حول قضايا الدين والدولة.

لقد تجنب الثنائي هذه القضية وكأنها طاعون خلال ولايتهما السابقة في الكنيست، مع العلم بأن مواقفهما الشخصية تجاه التيارات الأخرى في اليهودية وخصخصة الخدمات الدينية وحقوق المثليين كانت أكثر ليبرالية من تلك التي للقيادة الحاخامية في المعسكر القومي المتدين الذي مثلاه.

لقد وفر لهما تشكيل حزبهما الجديد، الذي لا يدين لهؤلاء الحاخامات بشيء، الفرصة في توضيح مواقف في هذه القضايا من شأنها جذب عدد متنام من الإسرائيليين المتدينين ذوي التفكير الليبرالي. بدلا من ذلك، اختارا مرة أخرى، بصورة لا يمكن فهمها، تجنب الموضوع، وأعلنا عن نيتهما تشكيل لجنة عامة لمناقشة شؤون الدين والدولة – وبشكل مريح، بعد إجراء الانتخابات.

رئيسا حزب “اليمين الجديد”، أييليت شاكيد (من اليمين) ونفتالي بينيت يخاطبنا مناصري الحزب في مقر الحملة الإنتخابية في بني براك، 9 أبريل، 2019. (Jacob Magid/Times of Israel)

وجاء حزب “زهوت”، الذي لبس عباءة حزب ديني يدعو لفصل الدين عن الدولة. الحزب المؤيد لتشريع القنب لم يجتز هو أيضا نسبة الحسم الانتخابية، لكن نتائج التصويت أشارت إلى أن عددا كبيرا من مؤيديه كانوا من الشباب المتدين القومي الذين ربما كانوا على استعداد للوقوف وراء بينيت وشاكيد لو ركز الاثنان حقا على الآثار المترتبة على “الشراكة العلمانية الدينية”.

وقد قال مسؤول سابق في حزب البيت اليهودي لتايمز أوف إسرائيل إن شاكيد عارضت في البداية خطة ترك الحزب، قبل أن تقتنع بها في النهاية لينطلق الثنائي في رحلة تشكيل حزب سيتسبب في وقت لاحق بإحداث انقسام في المعسكر القومي المتدين. مع فشلهما في انتخابات يوم الثلاثاء، يبدو أن الشراكة بين هذين الاثنين قد انتهت هي أيضا.