حتى قبل بضع سنوات، في المؤتمر السنوي ل”إيباك”، اللوبي المؤيد لإسرائيل، في العاصمة الأمريكية واشنطن، كان يقام حفل عشاء لآلاف المشاركين الذي كان يبدأ بعرض استثنائي للقوة السياسية: قراءة الأسماء.

في منصة مركزية في القاعة الشاسعة لمركز المؤتمرات في العاصمة الأمريكية، قام اثنان أو ثلاثة من كبار الشخصيات في إيباك بقراءة مئات الأسماء – من كبار الشخصيات في الإدارة الأمريكية، أعضاء في الكونغرس، سفراء، وشخصيات بارزة أخرى بين الحضور – وسط تصفيق وهتاف الجمهور. استمر هذا التقليد لسنوات؛ فهناك الكثير من الشخصيات الهامة التي يجب ذكر اسمها والتصفيق لها على حضورها لإظهار التزامها بالعلاقات الأمريكية مع إسرائيل.

بصفتي شخصا قضى الأعوام العشرين الاولى من حياته في بريطانيا، وجدت هذه العرض المتباهي للقوة السياسية صادما ومربكا إلى حد ما. في المكان الذي نشأت فيه، لم يتباهى اليهود بأي نفوذ لهم، وأبقوا رؤوسهم منخفضة.

لقد وصل عدد كبير من اليهود إلى مناصب هامة في بريطانيا، والكثير من البريطانيين البارزين كرسوا طاقاتهم لقضايا يهودية وإسرائيلية. ولكن في حين أن موكب القوة السنوي لإيباك، والذي توقف في السنوات الأخيرة، بالأساس لأنه يستغرق وقتا طويلا – أكد على الطريقة التي يعيش فيها ملايين اليهود حياتهم بفخر وبصورة علنية في الولايات المتحدة، فإن اليهود الذين يبلغ عددهم حوالي 300,000 شخص في بريطانيا لم يتعاملوا يوما مع وجودهم المقبول كأمر مسّلم به.

عد 100 سنة إلى الوراء وستجد أن ديفيد ليندو ألكسندر، رئيس الهيئة الممثلة لليهود البريطانيين، “مجلس ممثلي يهود بريطانيا”، كتب رسالة إلى صحيفة “التايمز” في أواخر ربيع عام 1917 حاول فيها استباق “وعد بلفور”، خوفا كما يبدو من أن يؤدي ذلك إلى مطالبة يهود بريطانيا ويهود الشتات الآخرين بالانتقال إلى فلسطين. وحذر ألكسندر وقائد يهودي بريطاني بارز آخر بذعر من أن “إنشاء قومية يهودية في فلسطين لا بد من أن يكون له تأثير في جميع أنحاء العالم باعتبار اليهود غرباء في أرضهم، وبتقويض موقعهم الذي تحقق بشق الأنفس كمواطنين ورعايا في هذه الأرض”.

مع الانتقال سريعا إلى سنوات الثمانينيات من القرن العشرين، حتى مع مارغريت تاتشر الفيلوسامية والمؤيدة القوية لإسرائيل كرئيسة للوزاء، والحاخام الأكبر عمانويل جاكوبوفيتس كمستشار رئيسي غير رسمي لها، استمر يهود بريطانيا في الإصرار على محاولة عدم لفت الانتباه إليهم. وقد تجلى ذلك من خلال المدى الذي سعى فيه عدد من الوزراء اليهود في حكومات تاتشر – كيث جوزيف، ليون بريتان، مالكولم ريفكيند ونيغيل لوسون، وهم أربعة من أبرز هؤلاء – إلى التقليل من أهمية هويتهم اليهودية.

ومع ذلك، اليوم تغير كل هذا. حيث أن الجالية الأنجلو-يهودية تتعمد تصدر العناوين أكثر من أي وقت مضى. فهي تقوم بتنظيم تجمعات خارج البرلمان. قادتها يدلون بمقابلات دراماتيكية. صحفها تصدر تحذيرات ومطالبات. لقد خرجت من الظلال إلى الضوء.

وهي تفعل ذلك لأنها تخشى من أن بريطانيا قد تنتخب قريبا رجلا عنصريا ومعاديا للسامية رئيسا للوزراء.

ليس ساعيا إلى السلام

جيريمي كوربين، رئيس حزب “العمال” – الذي كان يوما البيت السياسي الطبيعي لما كان مجتمع الطبقة العاملة اليهودية – ليس الرابح الأكيد في الانتخابات المقبلة. ولكن بما أنه قاد حزب العمال إلى أداء أفضل بكثير مما كان متوقعا في الانتخابات التي أجريت في العام الماضي، وبما أن حزب “المحافظين” الحاكم يبدو مصمما على تمهيد طريقه إلى “10 داونينغ ستريت” – من خلال تمزيق نفسه في حالة من عدم الاستقرار والافتقار إلى الكفاءة، إلى حد كبير فيما يتعلق بقرار بريطانيا الانسحاب من الاتحاد الأوروبي – فإن احتمال أن يكون كوربين رئيسا للوزراء يبدو واقعيا تماما.

لقد أصبح حزب “العمال” بزعامة كوربين بمثابة دفيئة لمناهضة الصهيونية ومعاداة السامية – في صورة زعيمه اليسارية المتطرفة. خط دفاعه هو ومواليه، عندما يُتهمون بالفشل في معالجة البلاء، هو محاولة التمييز بين أمرين: نعم، وهم يعترفون بذلك وبفخر، كوربين وآخرون كثر في حزب “العمال” ينتقدون بشدة إسرائيل وسياساتها فيما يتعلق بالفلسطينيين، ولكن المزاعم بوجود معاداة للسامية ليست مجرد اتهامات واهية ومع ذلك يجري تصنيعها عمدا من أجل إسكات انتقادهم المشروع للدولة اليهودية.

بأسلوب نظام آيات الله الإيراني، يريدون منا تصديق أنهم يمقتون إسرائيل ولكن ليس لديهم أي شيء ضد اليهود.

رئيس حزب العمال البريطاني جيرمي كوربين بعد تقديم خطاب في جامعة كوينز في بلفاست، ايرلندا الشمالية، 24 مايو 2018 (Jeff J Mitchell/Getty Images via JTA)

وفي هذا السياق أجد أن إشارة بسيطة في الأسبوع الماضي إلى قيام كوربين برعاية لمجموعة مسماة “حملة الحركة العمالية من أجل فلسطين” في سنوات الثمانينيات من القرن الماضي هي إشارة مرعبة وتفسر الكثير.

في برنامجها الرسمي تعلن هذه المجموعة “معارضتها للدولة الصهيونية باعتبارها عنصرية، حصرية، توسعية ووكالة مباشرة للإمبريالية”. في مؤتمر عقدته المجموعة في عام 1984 طالبت المؤسسات الرئيسية لحزب “العمال” ب”دعم الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل دولة ديمقراطية وعلمانية في فلسطين كاملة”. في حال لم يفهم أحد المقصد، فإن حملة الحركة العمالية من أجل فلسطين أعلنت في المواد التي نشرتها في هذا الحدث لعام 1984 إنها تسعى “إلى القضاء على الصهيونية” لا أقل.

كين لينفينغستون في مقابلة على قناة Press TV الإيرانية حول اليوم العالمي لإحياء ذكرى المحرقة، 27 يناير، 2018. (Screen capture: YouTube)

بحسب كتاب ديف ريتش في عام 2016 “مشكلة اليسار اليهودية”، فإن كوربين قدم الرعاية والدعم لهذه المجموعة “طوال الثمانينيات”، وتحدث بشكل منتظم في الأحداث التي نظمتها، وترأس شخصيا المؤتمر في عام 1984. ويقول ريتش، الذي يشير أيضا إلى الحركة باسم “اللجنة العمالية لفلسطين”، إنها كانت برئاسة يهودي مناهض للصهيونية يُدعى توني غرينشتاين، الذي طُرد قبل ستة أشهر من حزب “العمال” لمعاداته للسامية. ويشير ريتش إلى أن المؤتمر الذي عُقد في عام 1984 كان باستضافة مجلس لندن الكبرى تحت قيادة كين ليفنيغستون. ليفينغستون، عمدة لندن الأسبق وحليف مقرب منذ فترة طويلة من كوربين، استُبعد عن الحزب بعد أن صرح أن هتلر “كان داعما للصهيونية قبل أن يجن وينتهي به الأمر بقتل ستة ملايين يهودي”. كوربين، الذي أثنى على قرار ليفينغستون بالاستقاله باعتباره “الفعل الصائب”، رفض حتى الآن دعوات من أعضاء في البرلمان ومؤيدين لحزب “العمال” بطرده.

ويسعى زعيم معارضة صاحبة الجلالة ومواليه إلى تقديم كوربين على أنه معارض شرس للاحتلال، ومنتقد حاد لأنشطة “غير قانونية وغير انسانية” يمارسها الجيش الإسرائيلي في غزة، ومؤيد لمقاطعة منتجات المستوطنات ولإعادة النظر في مبيعات الأسلحة البريطانية إلى إسرائيل، وساعي للسلام (حتى عندما أعرب بمضض عن ندمه لوصفه أعضاء “حماس” و”حزب الله” ب”الأصدقاء” خلال دعوة وجهها لهم للتحدث في البرلمان في عام 2009، أو عندما تم تصويره في مراسم وضع أكاليل من الزهور في مقبرة تونسية بالقرب من قبور إرهابيين فلسطينيين)… لكن أي شيء عدا وصفه بأنه معاد للسامية وعنصري.

جيريمي كوربين (الثاني من اليسار) يحمل إكليل زهور خلال زيارة إلى نصب ’شهداء فلسطين’ في تونس، أكتوبر 2014. (Facebook page of the Palestinian embassy in Tunisia)

ومع ذلك، كان ناشطا لسنوات في منظمة أعلنت، تماما مثل حماس وحزب الله وإيران، أن هدفها هو إنهاء إسرائيل. كما قال جوناثان فريدلاند، كاتب عمود في صحيفة “الغارديان”، والذي أشار إلى دور كوربين في حملة الحركة العمالية من أجل فلسطين في مقال له يوم الأربعاء، بشكل واضح، فإن موقف كوربين حول إسرائيل/فلسطين “ليس موقف موفق شاف لشعبين متحاربين، وإنما ’القضاء على الصهيونية’”.

كوربين لا يريد أن يشفي. فهو لا يدعو إلى حل الدولتين، ولم يكن معارضا لسياسات إسرائيلية محددة. فهو يريد أن لا يرى وجودا لإسرائيل.

إن دعم برنامج يطالب بالقضاء على الدولة اليهودية الوحيدة في العالم، والتي تم إحياؤها في عام 1948 على أساس تصويت في الأمم المتحدة قبل عام من ذلك، هو معاداة للسامية من الدرجة الأولى، وتحيز ضد اليهود. تأييد فكرة أن الدولة اليهودية، بشكل فريد، لا تملك الحق في السيادة، وبضرورة القضاء على حركتها القومية – هذا تمييز وتحريض. الإصرار على أنه لا يوجد للشعب اليهودي الحق في السيادة في المكان الوحيد على الأرض الذي تمتع فيه بالسيادة ولم يرغب بتركه أبدا وسعى دائما إلى العودة إليه؛ المطالبة بأن يتم استبدال إسرائيل بالكامل بدولة فلسطينية، وليس أن تعيش إسرائيل بسلام جنب إلى جنب مع دولة فلسطينية – هذا أمر غير معقول.

إن تأييد رئيس وزراء بريطانيا المحتمل لموقف كهذا لسنوات، ولقائه بعد ذلك وإشادته بمنظات إرهابية تعهدت بتدمير إسرائيل، هو أمر لا يمكن الدفاع عنه.

متحدث باسم كوربين زعم يوم الأحد، في رد على صورة نُشرت مؤخرا لزعيم حزب “العمال” وهو يجلس في حلقة نقاش في مؤتمر عُقد في عام 2012 في الدوحة مع عدد من الإرهابيين الفلسطينيين المدانين بالقتل، “لدى جيريمي كوربين سجل طويل في التضامن مع الشعب الفلسطيني والتواصل مع لاعبين في الصراع لدعم السلام والعدل في الشرق الأوسط. هذا هو الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله”. ولكن دعم السلام والعدل ليس ما كان يفعله.

رئيس حزب ’العمال’ البريطاني جيريمي كوربين (الثاني من اليمين) يشارك في مؤتمر عُقد في عام 2012 في الدوحة إلى جانب عدد من قادة في حركة ’حماس’ أدينوا بقتل إسرائيليين. (Screen capture: Twitter)

إن انتقاد سياسات معينة للحكومة الإسرائيلية ليس بالضرورة أمرا عنصريا بأي شكل من الأشكال؛ معارضة الصهيونية هي بشكل مؤكد كذلك. إن الصهيونية تدافع عن وطن سيادي يهودي، ولا تطالب بوطن قومي يهودي على حساب الفلسطينيين؛ وهي لا تتناقض مع حل الدولتين. في الواقع، جاءت ساعة إدراك الصهيونية مع اعتماد الأمم المتحدة لحل الدولتين في عام 1947 – في إعادة لإضفاء الشرعية للسيادة اليهودية والإنشاء المزمع لدولة فلسطينية. كان هذا حلا مقبولا على رواد إسرائيل الصهاينة لكنه لاقى رفضا من القادة العرب، الذين بدلا من إعلان دعمهم لإقامة دولة فلسطينية مستقلة لأول مرة على الإطلاق، اختاروا محاولة قتل إسرائيل قبل ولادتها.

قلب الأزمة

في العدد الكبير من المقالات عن معاداة كوربين وحزب “العمال” للسامية، صُدمت من غياب العناوين بشأن دعم ونشاط كوربين لسنوات في منظمة سعت إلى زوال إسرائيل – وهو دعم ونشاط لم يعتذر عليه أبدا، كما هو معلوم. كان هناك مقال في صحيفة “جويش كرونيكل” قبل نحو عامين. مراجع في كتاب ديف ريتش. والآن، ملاحظة عابرة في مقال في الغارديان.

ولكن دعم كوربين الطويل لقضية إقامة دولة فلسطينية “في كل فلسطين” يدخل في صميم الأزمة المحيطة بقيادته المحتملة لبريطانيا. فعليه يرتكز دعمه للإرهابيين، وفشله في معالجة معاداة السامية في حزب “العمال”، ومقاومته لاعتماد حزب “العمال” للتعريف الكامل الذي وضعه “التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة” لمعاداة السامية. بالطبع لا يمكن لحزبه اعتماد تعريف “التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة” لمعاداة السامية بالكامل؛ فلقد قام كوربين بانتهاكه بصورة متكررة: من بين الأمثلة على معاداة السامية المعاصرة التي وردت في تعريف التحالف “نفي حق الشعب اليهودي في تقرير المصير، على سبيل المثال، من خلال الإدعاء إن وجود دولة إسرائيل هو مسعى عنصري”، و”تشبيه السياسة الإسرائيلية المعاصرة بتلك النازية”. إن نشاطه نيابة عن “الحركة العمالية من أجل فلسطين” يتناقض مع البند الأول؛ تشبيه الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية بالاحتلال النازي لأوروبا في الحرب العالمية الثانية، كما أظهر مقطع فيديو من عام 2013 ظهر له هذا الشهر يُعتبر انتهاكا للبند الآخر.

في سبتمبر 2016، خلال موجة أخرى في إطار أزمة معاداة السامية في حزب “العمال”، سمح لنفسه على مضض، كما يبدو لأول مرة، بأن يقول إن “لإسرائيل الحق في الوجود… بموجب الاتفاق حول الحدود الأصلية لعام 1948″ (أيا كان معنى ذلك). ولكن فقط قبل عام من ذلك، حقق انجازا فريدا من نوعه، عندما تجنب خلال خطاب استمر لعشر دقائق في اجتماع ل”أصدقاء إسرائيل في حزب العمال” – في أول ظهور له كقائد للحزب في تجمع متعلق بإسرائيل – بتجنب التفوه باسم “إسرائيل”.

أحد الحاضرين صرخ عبثا “قل كلمة ’إسرائيل’. قل كلمة ’إسرائيل’”.

في عام 2011، في مقابلة أجرتها معه قناة Press TV الإيرانية انتقد كوربين “هيئة الإذاعة البريطانية” (BBC) متهما إياها بأنها “منحازة لإسرائيل بقولها إن… لإسرائيل الحق في الوجود”. من المفترض إذا، كما يرى كوربين، أن تحافظ BBC على موضوعتيها ونزاهتها وأن لا تعتبر أن لإسرائيل الحق في الوجود.

في هذا الشهر، في مقال نُشر في “الغارديان”، اصر على أنه “في السبعينيات ادعى البعض في اليسار بشكل خاطئ أن ’الصهيونية عنصرية’. كان ذلك خاطئا، لكن التأكيد على أن ’مناهضة الصهيونية هي عنصرية’ هو أمر خاطئ أيضا”. هذا المقال كان يهدف ظاهريا إلى رأب الصدع في علاقاته مع الجالية اليهودية.

هذا ما يتعامل معه اليهود في بريطانيا. هذا هو الشخص الذي حرك الجالية بعيدا عن قواعدها التقليدية المتمثلة في عدم السعي لإثارة ضجة. من دون الأعداد، كما تتجلى ثقة اليهود الأمريكيين من خلال منظمات مثل إيباك، لم ير يهود بريطانيا أي خيار أمامهم سوى وضع أنفسهم، بصورة غير مسبوقة، على المنصة الرئيسية في نزاع سياسي رئيسي، وذلك لأن جيريمي كوربين، وحزب “العمال” بقيادته، يشكلان تهديدا على يهود بريطانيا.

في مقاله الذي نُشر في 3 أغسطس في الغارديان كتب جيريمي كوربين إن “من مسؤولية حزب العمال اقتلاع معاداة السامية في حزبنا”، وتعهد بالقيام بذلك. ولكن من أجل أن ينجح حزب “العمال” باقتلاع معاداة السامية، عليه أولا طرد جيريمي كوربين.