بعد ظهر الخميس، فورا بعد إجتماع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مع مجموعة من الصحافيين الإسرائيليين في مقره برام الله، أوقفني أحد مساعديه المقربين ليقول لي بضع كلمات، بعيد عن مسمع من زملائه. “ما الذي لا تفهمونه؟” سألني، بمرارة وانفعال. “إذا ’ذهب’ (عباس، لن تجدوا أي شخص معتدل مثله. ألا يعي (رئيس الوزراء بنيامين) نتنياهو ما نقوم به – بأننا نمنع هجمات ضد الإسرائيليين يوميا، بأن فقدان الأمل بين الشباب يجرهم إلى عنف يومي؟ على نتنياهو الجلوس والتحدث معه. الأمر رهيب”.

لكن نتنياهو ليس على عجلة من أمره للقاء عباس، والحكومة الإسرائيلية غير راغبة في إستيعاب ما يحدث في الضفة الغربية، ومع الجمهور الفلسطيني.

مع ازدياد الأصوات الفلسطينية المعارضة لحل الدولتين، والداعمة للدولة الواحدة ثنائية القومية، كان من المتوقع أن يصحو أحدهم على الجانب الإسرائيلي، يأخذ بزمام المبادرة، يدفع بشيئ ما. لماذ لم يحدث ذلك؟ السؤال لا يحتاج إلى عبقري للرد عليه.

عباس بنفسه قال إنه قام بإتصالات لترتيب قمة، التي كان من الممكن أن تساعد في تهدئة الواقع اليومي، ولكن هذه الجهود عُلقت بعد أن خشي الجانب الإسرائيلي فجأة من الإستمرار. مكتب نتنياهو ينفي ذلك بشدة، ولكن ليس من الصعب تخيل ما الذي كان سيحدث لرئيس الوزراء في المناخ السياسي المحلي الحالي لو قام بالإجتماع مع عباس في أوقات كهذه. كما هو الوضع لآن، نتنياهو مضطر بإستمرار إلى مواجهة هجمات من المتشددين داخل إئتلافه الحكومي. قمة مع عباس ما كانت لتعزز حظوظ حكومته بالبقاء. أما بالنسبة لمفاوضات جوهرية، فانسوا الأمر.

لقاء عباس مع الصحافة الإسرائيلية كان واحدا من أكثر ظهوراته المثيرة للإعجاب في السنوات الأخيرة. فقد كان مسترخيا وحادا وواثقا من نفسه (ليس هذه الحال دائما) ومرحا. سيبلغ مع العمر (81 عاما) في شهر مارس، وحرص أحد زملائي على تذكيره بذلك، ولكنه يبدو في صحة جيدة. في الواقع فإن الرسالة الرئيسية التي أراد إيصالها إلى الرأي العام والقيادة الإسرائيليين بأنه غير ذاهب إلى أي مكان. صحيح، صراع الخلافة مستعر في الخارج بين شخصيات رفيعة في فتح، وصحيح، معظم الفلسطينيين يريدون إستقالته. ولكن، وكما أشار هو بحزم، فهو لا يزال صامدا، ولم ينته بعد.

على وجه التحديد، بإفتراض أنه من غير المتوقع إستئناف المفاوضات، فخطط عباس للأشهر القادمة، كما أشاره إليها هو، ستكون كما يلي:

1. عقد مؤتمر دولي حول الفلسطينيين، ما سيتسبب بإحراج ليس بقليل لإسرائيل.

2. السعي إلى تمرير قرار يصنف المستوطنات بأنها غير قانونية عبر مجلس الأمن الدولي.

3. مناشدة هيئات أممية معنية للحصول على حماية للفلسطينيين.

لم يخض عباس في تفاصيل كل هذه الخطوات. ولكن قد تقوم لجنة خاصة تابعة للجامعة العربية، وتضم الأردن ومصر والمغرب والسعودية وفلسطين بإتخاذ القرار حول كيفية وتوقيت التوجه إلى مجلس الأمن.

هذه ليست بخطوات غير مسبوقة. مجلس الأمن الدولي مرر قرارات تتعلق بالمستوطنات في الماضي. تم سماع دعوات لحماية دولية في السابق. وتم عقد مؤتمرات دولية. لكن هذه الخطوات تهدف إلى إظهار أن السلطة الفلسطينية لا تزال ناشطة وقادرة على العمل، كما أشار عباس، وكذلك بأنها لا تؤيد العنف وسفك الدماء. نتنياهو يصر على أن الهرمية في السلطة الفلسطينية، وعباس بنفسه، يتحملون مسؤولية تحريض الجمهور الفلسطيني على الهجمات ضد الإسرائيليين. وخلال لقائنا، أصر عباس على رفضه إدانة الهجمات في الأشهر الأخيرة صراحة. ولكنه أكد على معارضته لسفك الدماء، ودعا الفلسطينيين إلى حصر نضالهم في نطاق الوسائل غير المتطرفة – “مقاومة شعبية”، كما يسميها هو.

جاء عباس جاهزا لإنتقادات الصحافيين الإسرائيليين. “يقولون بأنني أحرض (ضد إسرائيل)؟ حسنا إذا”، كما قال. واقترح عقد إجتماع للجنة الإسرائيلي-الفلسطينية-الأمريكية حول التحريض والتي جرى حلها منذ وقت طويل. لم ينكر أن هناك تحريض، ولكنه إقترح ما تبدو كآلية بسيطة للتعامل مع ذلك: “لندع الممثل الأمريكي (في اللجنة) أن يقرر ما الذي يجب فعله بشأن التحريض. ولندعهم يظهرون لي أين بالضبط أقوم بالتحريض”.

عندما سُئل عن سبب رفضه لدعوة نتنياهو لإسئناف محادثات السلام من دون شروط مسبقة، رد من خلال عرض الشروط الفلسطينية، رافضا تعريفها كـ”شروط مسبقة”، بل هي “إتفاقات يجب إحترامها”. طالب بتجمبد البناء الإستيطاني خلال إجراء المحادثات، وإطلاق الدفعة الرابعة والأخيرو التي تضم 36 أسيرا (من أصل 104) والذين كان من المفترض إطلاق سراحهم ضمن محادثات السلام الفاشلة التي قادها كيري في 2013-2014. زعم عباس أن إسرائيل وافقت على القيام بذلك في محادثة هاتفية أجريت بين كيري ونتنياهو من مكتبه في رام الله. (بعد إطلاق الدفعات الثلاث الأولى من الأسرى الأمنيين الفلطسنيين، أوقفت إسرائيل إطلاق الدفعةالأخيرة، التي تضم عربا من مواطني إسرائيل، وقالت إنها لم توافق أبدا على إطلاق سراح عرب من إسرائيل. كان ذلك في الوقت الذي رفض فيه عباس الإلتزام بتمديد المفاوضات).

أيا كانت حجج عباس، يدرك نتنياهو جيدا بأنه إذا وافق على تجميد البناء الإستيطاني (كما فعل لمدة 10 أشهر في 2009-2010، على الرغم من أن عباس لم يدخل في المحادثات حتى إقتراب تجميد البناء من نهايته)، أو إطلاق سراح المعتقلين، فستنهار حكومته الحالية. لديه عدة خيارات لتشكيل حكومة وحدة وطنية، ولكنه لا يرغب بالسير في هذا الطريق في الوقت الحالي.

وعن السؤال حول الصراع على خلافته، قال عباس بأن فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية ستهتمان بهذه المسألة. مسألة رئاسة السلطة الفلسطينية، كما قال، هي مسألة للإنتخابات العامة. “هذا ما سيحدث إذا قدمت إستقالتي أو مُت”، كما قال، من دون الخوض في التفاصيل. لم يتضح إذا كان يشير إلى تقسيم معين للسلطات – إختيار خليفة لقيادة فتح والسلطة الفلسطينية، وإنتخاب مرشح مختلف لرئاسة السلطة الفلسطينية. لم يأت بإجابة واضحة. ولم يتطرق أيضا إلى إمكانية أن يقوم زعيم التنظيم التابع لفتح، مروان البرغوثي، المعتقل في السجن الإسرائيلي بترشيح نفسه لرئاسة السلطة الفلسطينية إذا تم إجراء إنتخابات.

وقال أيضا إن السلطة الفلسطينية لن تنهار، وبأنها تحافظ على تعاونها الأمني مع إسرائيل، وستواصل فعل ذلك.

كانت هناك أيضا بعض المجالات التي كان فيها أقل إقناعا. أحدها يتعلق برفضه الإعتراف بإسرائيل كدولة يهودية. أشار مرارا وتكرارا إلى أن “إسرائيل لم تطالب مصر والأردن بالإعتراف بها كدولة يهودية”، وأضاف أيضا بأن “بإمكان إسرائيل التوجه إلى الأمم المتحدة وتعريف نفسها كما تشاء”. وبالفعل، إسرائيل لم تتقدم بمطلب كهذا من مصر والأردن، حيث أن الحساسيات في هذا الشأن كانت أقل حدة بكثير. ولكن إذا قام عباس بالإعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، من غير المرجح إن تهتز الأرض من حوله، ومن شأنه أن ينفد مزاعم اليمين بأنه وبقية الفلسطينيين يسعون في نهاية المطاف إلى إقامة دولة فلسطينية واحدة، من النهر إلى البحر. (للمفارقة بطبيعة الحال، فإن الوضع الحالي، بما في ذلك الجمود الإسرائيلي، يساهم بالدفع بالحركة باتجاه دولة واحدة ثنائية القومية).

سُئل أيضا عن سبب إتهامه لليهود بالمس بالمسجد الأقصى من خلال وجودهم هناك. رده كان بأنه كان يقصد فقط أولئك الذين يأتون إلى المكان لإثارة المشاكل.

وتم توجيه سؤال له أيضا حول سبب تقديم السلطة الفلسطينية الدعم المالي لأسر منفذي الهجمات الذين قُتلوا خلال تنفيذهم علميات لقتل الإسرائيليين أو معتقلين لتنفيذهم هجمات. وكانت إجابته بإنه عندما تقوم السلطة الفلسطينية بإعتقال جاسوس لصالح إسرائيل وإعدامه، فهي تواصل تقديم المعونة المالية لأسرته. فزوجته وأطفاله لم يرتكبوا أية جريمة، كما قال عباس.

قد يكون عباس محقا في بعض الحجج التي طرحها، ولكن هل كان ذكيا؟ هذا سؤال مختلف كليا.