كتاب الصحفي رونين برغمان “أقتل أولا”، المكوّن من 630 صفحة وقائع “الإغتيالات المستهدفة” من قبل إسرائيل، قبل قيام الدولة وخلال وجودها منذ 70 عاما، مليء باكتشافات وادعاءات مذهلة في كثير من الأحيان. المؤلف الذي قال أنه أجرى ألف مقابلة، وتوصل الى صناديق لا حصر لها من وثائق لم تنشر في السابق، وعمل على الكتاب لمدة ثماني سنوات، سلّط الضوء على بعض الإفصاحات الأكثر إثارة في مقابلة استمرت ساعتين مع التايمز أوف إسرائيل.

ألقت بعض اكتشافاته الضوء الجديد على أحداث مألوفة. البعض الآخر منها يتعلق في قضايا غير مألوفة حتى الآن.

الموساد علم عن جوزيف منغيل في عام 1962، لكن ‘تم تركه’

في 23 يوليو 1962، قام ناشطو الموساد رافي إيتان وتسفي أهروني بمراقبة طبيب أوشفيتز جوزيف منغيل مغادرا مزرعته في ساو باولو بالبرازيل مع بعض الحراس الشخصيين. توقعوا اختطافه وإعادته إلى إسرائيل للمحاكمة، على غرار أيخمان. “لكن رؤيتهم تزامنت مع قيام الرئيس المصري عبد الناصر بتجريب الصواريخ التي كان يطوّرها سرا”، قال برغمان، “وعادوا الى الشرق الأوسط”.

بعد ذلك بعام، غادر رئيس الموساد إيسر هاريل منصبه، ومن ذلك الحين، حتى عام 1977، قال برغمان “إن جميع رؤساء الموساد وجميع رؤساء وزراء إسرائيل جعلوا مجرمي الحرب النازية من أقل الأولويات”. وبالتالي، فإن فكرة أن الموساد في هذه السنوات حاسمة بحث عن مجرمي الحرب النازية هي كذب بحت، قال بيرغمان ووثّق ذلك. وأضاف: “بشكل عام فإن المخابرات الاسرائيلية لم تطارد مجرمي الحرب النازية”.

لكنه قال أنه كان هناك استثناء واحد وهو هربرتس كوكورس، مجرم حرب من لاتفيا الذي قتل في باراغواي: “لكن هذا كان استثناء لبعض الأسباب الشخصية: أنه قتل أفراد أسرة (رئيس المخابرات العسكرية للجيش الإسرائيلي) أهرون يريف، و (خليفة هاريل) مئير عميت كان صديقا مقربا ليريف … لقد أحرق كوكرس العديد من أفراد عائلته، لذلك كان هذا نوعا ما، أنت تعرف، كفعل مصحلة من أجل صديق”.

في الواقع، قال برغمان إن زعماء الموساد طلبوا من ناشط موساد الذي عثر عليه مرة أخرى العودة الى البلاد، في عام 1968، “لأنهم كانوا يخشون من أن يقوم بعملية احتيال”.

أقتل أولا، كتاب الصحفي والكاتب رونين برغمان.

كل هذا تغير فقط في عام 1977، عندما أصبح مناحم بيغن رئيسا للوزراء. قال برغمان أن بيغن “امر بقرار سري لمجلس الامن ان الموساد سيطارد على الاقل (مارتن) بورمان (الذي توفي منذ عام 1945) ومنغيل، لكنه كان متأخرا جدا. بحلول الوقت الذي اجتمعوا وبدأوا في النظر في ذلك، كان منغيل قد مات. طاردوا شبحه لمدة 10 سنوات أخرى”.

أكد أنه كان من السهل تماما على إسرائيل أن تكرر مع منغيل ما فعلته مع أيخمان في الستينات. “ما لا يقل عن مرتين علموا عن وجوده، واختاروا تركه … مئير عميت أخبرني صراحة: أفضل التعامل مع تهديدات الحاضر من أشباح الماضي. وكان من الواضح أن هؤلاء النازيين لم يشكلوا أي تهديد”.

خرافة ميونيخ

قال برغمان إن فكرة الإعتقاد بأن اسرائيل تعقبت وقتلت جميع الفلسطينيين المسؤولين عن مذبحة الرياضيين الاسرائيليين في اوليمبياد ميونيخ عام 1972 هي “خرافة”.

“هل تعرف، فيلم ميونيخ للمخرج سبيلبرغ؟ كما لو أن غولدا مئير اتصلت بشخص من الموساد وقالت: اقتلهم جميعا، وأنشأ محكمة سرية، حيث يوجد قاض، وكأنهم يفعلون الإجراءات القانونية الواجبة. لم يحدث أي من ذلك. كان ذلك مائة في المائة وهميا”.

“الهجوم الارهابي الأولمبي في ميونيخ تغير كثيرا ولكن ليس كما نعتقد”، أضاف. “إن الأمر ليس أن غولدا مئير اصدرت أوامر، وقالت دعونا نجد كل هؤلاء الذين فعلوا ما حدث في ميونيخ”.

وصل برغمان إلى حد القول: “إن الناس الذين قتلوا ليس لهم أي صلة بميونخ على الإطلاق”.

بل قال إن العديد من الأشخاص المسؤولين عن ميونخ – بمن فيهم أمين الهندي ومحمد عودة وعدنان الغاشي – لقوا مصرعهم بشكل مباشر وغير متوقع.

وقال إن الشيء الوحيد الذي غيّرته أحداث ميونخ لرئيسة الوزراء مئير هو أنه “قبل أحداث ميونخ، لم تسمح للموساد بقتل أشخاص في أوروبا. بعد ميونخ، سمحت لهم بفعل ذلك”.

كيف كشف القتلة في ليلهامر – النرويج

في عام 1973، في ليلهامر، النرويج، قتل الموساد عن طريق الخطأ نادل مغربي وعامل نظافة بركة سباحة أبرياء الذين اعتقدوا أنهم علي صلة مع حسن سلامة، رئيس العمليات في منظمة أيلول الأسود الفلسطينية.

تمكن معظم الوكلاء من الفرار، ولكن تم القبض على بعضهم. وكتاب برغمان يكشف كيف حدث ذلك.

“الآن أفهم ما حدث هناك”، قال في المقابلة. “عرف الموساد أن شخصا ما قد كتب لوحة الترخيص” لواحدة من السيارات التي استخدمها القتلة. لذلك كان على الوكيل دان اربيل “أن يتخلص من السيارة، واتخاذ القطار إلى أوسلو، ويطير من هناك. لكن هذا الوكيل اشترى الصنابير (وغيرها من الأشياء) لمنزله الجديد في إسرائيل، ولم يريد نقلها في القطار (لأنها كانت ثقيلة) … قرر أخذ السيارة إلى أوسلو، وتسليمها إلى شركة تأجير السيارات (هناك) ومن ثم الطيران. ما الفرق؟”

حسنا، قال برغمان، “صنع ذلك كل الفرق، لأن الشرطة كانت تنتظر في شركة تأجير السيارات. اعتقلوه. كان خائفا، تحدث في التحقيق، وأسقط الشبكة بالكامل”.

معجون الأسنان السام

قتل الموساد رئيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وديع حداد الذي دبر عملية اختطاف عنتيبي عام 1976 عن طريق تسميم معجون أسنانه.

كان الموساد قادرا على “الاقتراب جدا من حدّاد”، وتغيير معجون أسنانه إلى آخر مماثل يحتوي على سموم مميتة، تم تطويره بعد جهد مكثف في معهد إسرائيلي للبحوث البيولوجية في نيس تسيونا. كتب برغمان: “في كل مرة نظف حداد أسنانه، كمية دقيقة من السموم القاتلة اخترقت الأغشية المخاطية في فمه ودخلت مجرى الدم” – تدريجيا تراكمت كتلة خطيرة.

وديع حداد

توفي حداد في مستشفى في ألمانيا الشرقية في عام 1978. قال برغمان: “انتشرت قصص صرخاته في المستشفى الذي يسيطر عليه شتازي في برلين في كل مكان”.

“أرسل شتازي تقارير إلى المخابرات العراقية، قائلا لهم، عليكم النظر إلى علمائكم ومعجون أسنانهم، لأنهم اشتبهوا في أن معجون الأسنان قد تسمم. من تلك النقطة، أمرت المخابرات العراقية العلماء العراقيين، كلما خرجوا من العراق، لنقل معجون أسنانهم وفرشاة أسنانهم في كيس معهم. كانوا يحملون معجون أسنانهم في كل مكان، واثنان منهم قد تسمموا”.

هوس شارون بقتل عرفات وصل الى حدود جديدة

قال بيرغمان: “هذا ليس في الكتاب، لكن إيهود باراك أخبرني أنه عندما عين أرييل شارون وزيرا للدفاع في سبتمبر 1981، جمع الأركان العامة وقال (لرئيس هيئة الأركان) رافول: قل لي، كيف يحدث أن يبقى عرفات حيا؟”

قال باراك الذي كان في ذلك الوقت رئيسا لشعبة التخطيط في الجيش الاسرائيلي أنه قدم خطة لكيفية اغتيال عرفات قبل عشرة اعوام، لكنها أعيقت لأن عرفات اعتبر شخصية سياسية. قال شارون: “حسنا، من الآن فصاعدا، سأغير الترتيب وأعيد عرفات الى قمة قائمة الأشخاص الذين سيتم اغتيالهم”.

ثم تم تشكيل قوة تسمى “مخلل السمك” وحاولت أولا قتل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية خلال حصار بيروت. غير أن عوزي دايان عرقل ذلك، وهو الضابط الاستراتيجي الرئيسي في قوة “مخلل السمك”، الذي كان قلقا من أن المدنيين سيقتلون في أي هجوم من هذا القبيل.

رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، بالكفيّة، صوّره قناص إسرائيلي حين ترك بيروت في عام 1982. (courtesy Oded Shamir)

قناصا اسرائيليا بعدها لاحق عرفات، والتقط صورا له عندما تم إجلاء رئيس منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت في اغسطس 1982، لكن بيغن وعد الأمريكان بعدم قتله.

وقال برغمان “أن الصور اعطيت للمبعوث الامريكي فيليب حبيب لإظهار أن بيغن وفى بوعده”.

بعد ذلك، قال برغمان، أن شارون أمر بإستهداف عرفات على متن طائرة. كانت هناك حتى خطة لتنفيذ مثل هذا الهجوم “فوق البحر المتوسط، لكي لا يستطيع أحد انقاذ الحطام، أو حتى العثور على الصندوق الأسود”.

“لقد بحثوا في الرحلات المدنية والخاصة”، قال برغمان، وشارون وفقا لمصادره “لم يهمه ما اذا كانت الرحلة خاصة أو مدنية”. وأكد أن السكرتير العسكري لشارون أصر على أن تكون جميع الطائرات التي يحتمل استهدافها خاصة. لكن “لدينا ثلاثة أشخاص آخرين يقولون إن (التخطيط) شمل رحلات مدنية. مرة أخرى، حتى لو كانت طائرة خاصة، فإن ذلك لن يعني قتل عرفات فحسب، بل أيضا العديد من الأشخاص الآخرين على متن الطائرة”.

وقال برغمان أن أحد مصادره أخبره: “أنت تعرف أنني كنت في انتظار 30 سنة من أجل أن يأتي شخص ما ويسألني عن هذا”. هذا المصدر بعدها “قام، وسار إلى الجانب الآخر من الغرفة، وأخرج الخزنة والملف فيها. مع الأرقام، والمواد ذات الصلة “فيما يتعلق” بإحدى الرحلات التي تم استهدافها”.

وأضاف برغمان أنه لم يحدث أي هجوم من هذا القبيل، لأنه “كانت هناك مجموعة من الضباط البطوليين” الذين منعوه. “لقد عرقلوا الانظمة حتى لا يحدث ذلك”.

وقال برغمان أن الطيار الذي كان سيقوم بالهجوم – وهو اليوم “شخصية بارزة جدا” – قال له أنه أمل لو أنه لم يطيع الأوامر.

في نهاية المطاف هل اغتال شارون الرئيس الفلسطيني عرفات، الذي توفي بسبب مرض غامض في عام 2004؟ في الكتاب، يقول برغمان أنه لو كان يعرف الجواب، فإنه لا يمكن سرده. قائلا: “الرقيب العسكري يمنعني من مناقشة هذا الموضوع”. لكنه يقتبس شارون يقول: “دعوني أفعل الأشياء على طريقتي”. ويلاحظ أن توقيت وفاة عرفات (في نوفمبر 2004) كان غريبا جدا، حيث جاء الإغتيال فترة قصيرة جدا بعد اغتيال الزعيم الروحي لحماس الشيخ أحمد ياسين (في مارس).

وأكد أنه يمكن للمرء أن يقول على وجه اليقين أن شارون أراد التخلص من عرفات، الذي كان ينظر إليه على أنه “الوحش ذو الأرجل”.

يقف لاجئون فلسطينيون بجانب كتابات تحمل صورة لرئيس السلطة الفلسطينية الراحل ياسر عرفات في مخيم عين الحلوة للاجئين بالقرب من مدينة صيدا بجنوب لبنان في 16 مارس / آذار 2015. (AFP/Joseph Eid)

في المقابلة، ذكر برغمان رئيس الموساد مئير داغان يقول شيئا متماشيا مع الفكرة، أنه لو قتله اليهود وشارون علم من فعل ذلك، فإنه لا يمكن أن يسمح بغض النظر عن الأمر. أوري دان، كاتب سيرة شارون الذاتية، قال أن شارون سوف يذكر في التاريخ على أنه الشخص الذي “محى عرفات دون قتله بالفعل”.

عمليات القتل المستهدف في الإنتفاضة الثانية

يقول برغمان ان استخدام أجهزة الإستخبارات للإغتيالات المستهدفة هو العامل الرئيسي في القضاء على الهجوم الاستراتيجي للإنتحاريين الفلسطينيين في الإنتفاضة الثانية.

تفاخرت حركة حماس بأن لديها متطوعين أكثر من الأحزمة الانتحارية، أشار برغمان في المقابلة. من ثم، فإن السياسة كانت “قتل الناس الموجودين فوق المفجرين” في التسلسل الهرمي للجماعات الفلسطينية. “وأصبح واضحا أنه في كل المنظمات مجتمعة – حماس وفتح والتنظيم، وما إلى ذلك – كان هناك ما مجموعه 700 شخص … وتوصلوا إلى استنتاج مفاده أنك لست بحاجة إلى قتل الجميع في هذا المستوى . كان كافيا قتل أو ضرر 25% لشل المنظمة”.

وقال إن شارون وافق على توصية جهاز الشين بيت ببدء عمليات القتل المستهدف. أفي دختر، رئيس الشين بيت في الفترة من 2000-2005، تم إرساله إلى الولايات المتحدة لشرح أسباب هذا النهج لرؤساء المخابرات الأمريكية. في نهاية المطاف، قال برغمان، ان شارون والرئيس جورج بوش “تمكنا من التوصل الى تفاهم سري بالسماح لاسرائيل بمواصلة سياستها العدوانية الفائقة ضد الارهاب طالما ان شارون قد وفى بوعده بتجميد المستوطنات. هذا ما حدث”.

ساعدت جميع التدابير على وقف الانتفاضة الثانية، بما في ذلك إرسال قوات إلى المناطق المدنية في الضفة الغربية في إطار عملية الدرع الواقي. “لكن العامل الرئيسي كان عمليات القتل المستهدف التي هزمت شيئا اعتبره الجميع غير قابل للهزيمة: كيف يمكن ايقاف شخص الذي يريد أن يموت ويحمل حزام انتحاري، من أن يفجر نفسه في مركز تجاري أو روضة أطفال؟”

فتى فلسطيني يقود دراجته بجانب غرافيتي التي تصور مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جورج حبش والزعيم الروحي لحركة حماس الشيخ أحمد ياسين والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2014 في غزة مدينة. (AFP/MOHAMMED ABED)

“لا يمكنك. (لكن عمليات القتل المستهدف) أوقفت التفجيرات الانتحارية. في ذروتها، قتلوا الشيخ ياسين (في مارس/آذار 2004) وبعدها (بثلاثة) أسابيع (خليفته عبد العزيز) الرنتيسي. توصلت حماس إلى استنتاج مفاده أنها ببساطة غير قادرة على الاستمرار، ومن خلال المصريين توسلوا لوقف إطلاق النار”.

لا تزال حماس تشكل تهديدا كبيرا لإسرائيل. بعد مقتل الشيخ ياسين، طورت الحركة اتصالاتها مع إيران، التي كان يحظرها ياسين – وهي عملية، قال برغمان، التي تؤكد أنه يمكن تغيير التاريخ من خلال قتل القادة، ولكن في كثير من الأحيان ليس بالطريقة التي تتوقعها.

ومع ذلك، قال: “ما حدث بعد ذلك يبرهن على أنه حتى تنظيم جهادي الذي يبدو أن ليس له حدود، يمكن اخضاعه عندما تكلّفه قادته”.

رونين برغمان. (Courtesy)