عندما بدأت دلفين هورفيلور، أكثر امرأة معروفة في الحاخامية في فرنسا، بالظهور عبر وسائل الإعلام، خشي أصدقائها وأقاربها من تعرضها لتهديدات أو هجمات من قبل معادي السامية.

بعد عدة سنوات يبدو أنهم كانوا مخظئين. حساب هورفيلور الإعلامي يدعو لخطاب الكراهية والإساءة عبر الإنترنت – ولكن في الغالب من اليهود الآخرين.

عقب اشارة الى القدس اثناء لقاء تلفزيوني الشهر الماضي، أصبحت هورفيلور (43 عاما) مرة أخرى حقيبة الكلام في الفرع المحلي لرابطة الدفاع اليهودي واقلية صريحة من اليهود المحافظين. تقول إنهم يشعرون بالشجاعة في مجتمع يتحول إلى اليمين ويتدلى إلى الداخل وسط مخاوف أمنية طويلة ومشاعر اهمال السلطات.

لم تكن هناك تهديدات بإلحاق الأذى بها جسديا، لكن كتب عشرات من الأفراد سلسلة من التصريحات مليئة بالكراهية ضدها عبر مواقع اليمين المتطرف والفيسبوك وغيرها من وسائل الاعلام الإجتماعية بعد مقابلة 25 ديسمبر حول القدس لإذاعة “انتر فرانس”.

صورة غير المؤرخة للحاخام دلفين هورفيلور. (Lisa Klug/Times of Israel)

في المقابلة، قالت إن القدس لا ينبغي أن تستخدم كبيدق سياسي من قبل أي طرف على الرغم من أنها عاصمة إسرائيل. كما قالت إن المدينة قد تصبح عاصمة فلسطينية مع المفاوضات.

هذا الخلاف المعتدل الى حد ما مع الذين يعتقدون أن القدس هي عاصمة يهودية لا لبس فيه ولا يمكن انقسامه، قاد اتحاد الدفاع اليهودي الفرنسي الى اتهامها “بطعن اسرائيل في الظهر”.

على حسابها الرسمي عبر تويتر في 27 ديسمبر، كتب اتحاد الدفاع اليهودي الفرنسي: “الحثالة دلفين هورفيلور تعرض بفخر أنها كابو. لسوء الحظ، لم يكن لليهود خيار أثناء المحرقة. لكن هذه الحثالة الليبرالية اليسارية هي عار على مجتمعنا. دلفين هورفيلور – يهودية مخجلة!”.

يهود الكابو هم اليهود الذين عملوا مع النازيين كضباط شرطة داخل المخيمات.

أرسل ناشط يميني متطرف يدعى يوش نكاشي رسالة الى هورفيلور تحذر من أن أشخاص لم يكشف عن اسمهم “سيأتيون ويشرحون لك بصوت عال وواضح لتتوقفي عن الحديث بإسم الشعب اليهودي الحقيقي، بدلا من التحدث بإسم اليهود الليبراليين (…) كلما تكلمت أكثر، كلما كان رد الفعل أقسى”.

كانت هذه الحالة الأكثر شدة من التحريض ضد هورفيلور، التي قام بها بعض منتقديها لكونها امرأة حاخامية في إحدى المنشوارت الأخيرة بمطالبتها “بالعودة إلى المطبخ” لكونها يهودية يسارية. لطالما كانت هورفيلور الهدف المفضل لحفنة من المحرضين اليهود الفرنسيين.

هورفيلور، مؤلفة عدة كتب عن اللاهوت، ورئيسة تحرير مجلة يهودية وأم لثلاثة أطفال.

وقالت إنها لم تقدم شكوى للشرطة، ولكنها تدرس كيفية المضي قدما. “لن اخذ دور الضحية هنا، فنعم، أشعر بالأمان ولن أخاف”.

التحريض ضد هورفيلور ليس رد فعل غير مألوف في مجتمع حيث يشعر فيه الكثيرون بالعصبية. موجة من الهجمات المعادية للسامية والإسلامية تسببت في مغادرة الآلاف من اليهود الفرنسيين، وتعرض أولئك الذين لا يزالون إلى أسوأ التهديدات الأمنية التي يواجهها مجتمعهم منذ المحرقة.

اليهود من اليمين المتطرف وكذلك اليسار يواجهون بانتظام هجمات صاخبة من قبل أنصار الديانة ذاتها لأفعال يراها المنتقدين على أنها خيانة. يحدث ذلك بانتظام لاريك زيمور، وهو مؤرخ يهودي يعتز به اليمين المتطرف المعاد للسامية وبعضهم في أقصى اليسار لدفاعه عن المواطنين الفرنسيين الذين تعاونوا مع النازيين.

وأيضا لروني برومان، الرئيس السابق لمنظمة أطباء بلا حدود، والناشط المؤيد للفلسطينيين الذي قال في عام 2016، عندما علق على طعن يهودي متدين في مرسيليا، أن ارتداء كيبا هو “في نهاية الأمر علامة على نوع من الولاء لسياسات دولة اسرائيل”.

لكن الهجوم على هورفيلور كان مختلفا لأنه على الرغم من كونها حاخما إصلاحيا في مجتمع يغلب عليه الطابع الأرثوذكسي ويصبح أكثر تحفظا، إلا أنها قائدة معروفة لليهود الفرنسيين، مع اراء قوية مؤيدة لإسرائيل.

حاخام فرنسا الرئيسي حاييم كورسيا يتحدث للصحفيين في 22 يونيو 2014، في باريس. (AFP/Fred Dufor)

تمت دعوة هورفيلور العام الماضي بن ترأس مع الحاخام حاييم كورسيا الحاخامات في جنازة سيمون ويل، وهو ناجي من المحرقة والذي اصبح وزيرا للصحة وأحد اكثر السياسيين تأثيرا في فرنسا. على الرغم من أنه لم يكن اختيار كورسيا – حاول مكتبه التقليل من دور هورفيلور في الجنازة – كان الاحتفال الذي جمع الطوائف الأول من نوعه في فرنسا.

إن التصريحات التي أدلت بها لم تكن استثناءا لهورفيلور، وهي متحدثة بليغة التي ساعدت ملاحظاتها وروح الفكاهة لديها في جعلها واحدة من الأفضل في باريس، حيث قامت مئات العائلات بملء الكنيس خلال الأعياد.

“يتم استخدام القدس كأداة في جميع الاتجاهات اليوم”، قالت هورفيلور في المقابلة ردا على سؤال حول اعلان الرئيس دونالد ترامب في 6 ديسمبر ان الولايات المتحدة تعترف بالمدينة عاصمة لاسرائيل. “أعلن ترامب شيئا الذي يتعبر واقعا إداريا. بالنسبة للاسرائيليين، تعتبر القدس اليوم عاصمة لا يمكن الجدل فيها في بلادهم، ولكن هذا يفتقر الى رؤية أوسع”.

“بالنسبة للبعض”، وأضافت “أصبحت القدس تقريبا تأكيدا لاهوتيا، كما لو أن دونالد ترامب أصبح فجأة بابا أو حاخاما كبيرا. للاخرين، يثير ذلك الرغبة في الاعتراض على شرعية إسرائيل في الوجود تحت أي ظرف من الظروف”.

وردا على سؤال حول ما اذا كانت القدس ستصبح أيضا عاصمة لدولة فلسطينية، اعطت هورفيلور ما اعترفت في مقابلة مع “جي تي ايه” أنه “جوابا حذرا”.

“نعم، هناك حاجة الى التفكير في حل يأخذ في الحسبان تعلق الجميع بالمدينة – الأمر الذي لا يغير حقيقة أن القدس هي عاصمة اسرائيل اليوم”، قالت في المقابلة.

وبعد التحريض ضد هورفيلور، نشر المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية الفرنسية بيانا جاء فيه أنه يدين “تصريحات الكراهية” ضد هورفيلور، مضيفا أن أولئك الذين قاموا بها يجب أن “تتم ملاحقتهم وإدانتهم”. لكن البيان لم يشير إلى أن التصريحات كانت رسائل كراهية من قبل يهود آخرين.

وندد الإتحاد الليبرالي لليهود في فرنسا بالتحريض في بيان أشار إلى أن خطاب الكراهية جاء “من داخل المجتمع اليهودي”، وأن التقاليد اليهودية “لا لبس فيها” في رفضها لهذا الخطاب.

انضم ما يقارب 2000 شخص إلى مجموعة عبر الفيسبوك بعنوان “دعم دلفين هورفيلور” بعد يومين فقط من إنشائها.

إلا أن المجلس الكنيسي الذي تمثل معظم الكنس الارثوذكسية في فرنسا لم يتحدث عن هذه القضية.

قالت هورفيلور: “يبدو ان هذه الاقلية الهامشية تنجح فجأة في الهروب من اعمالها لان الغالبية تبقى صامتة”.

وقد يكون ذلك نتيجة للدروس المستفادة من آخر مرة قام فيها المجلس الكنيسي بتدوير نقاش داخلي حاد بين المحافظين المتطرفين والقائدة الصريحة للعديد من اليهود الفرنسيين.

في يونيو، انتقد حاخام من مرسيليا بشدة ليليان فانا، وهي عالم في اللغة وخبيرة في القانون اليهودي، لدورها في تنظيم ندوة في مركز جالية يهودية محلية ظهرت فيها نساء يقرأن التوراة، وهو عمل يعتقد بعض اليهود الأرثوذكس أنه خطيئة.

بينما حاول المجلس الكنيسي بجرأة أن يوقف مرة أخرى الهجوم اللفظي القاسي، تصاعد الحدث إلى فضيحة. أدى ذلك الى تنظيم مظاهرتين للرجال الأرثوذكسيين وعدد من الشتائم والتهديدات من قبل يهود فرنسيين آخرين في مرسيليا وما وراءها، جميعهم انتقدوا فانا.

وقالت هورفيلور إن “هذه التصريحات البالية التي تؤدي الى مثل هذا الانقلاب من الكراهية هي علامة على مدى تعصب مجتمعنا اليهودي في الخلاف المحترم الذي هو جوهر القيم والفكر الديمقراطي اليهودي. يهود فرنسا مرضى، وفقط هم يستطيعون علاج أنفسهم”.