في يونيو 2011، بدأ آفي ديختر، عضو كنيست من المعارضة آنذاك في حزب “كاديما”، بجمع التوقيعات لإقتراح عمل عليه لترسيخ تعريف دولة إسرائيل كدولة يهودية في قوانين الأساس للدولة.

ديختر توجه لأعضاء كنيست  صقوريين في “الليكود” وأعضاء كنيست من يسار الوسط في حزب “العمل”، وتمكن من جمع 39 توقيعا، بما في ذلك من 20 عضو كنيست من أصل 28 في “كاديما”، وبدا أنه على الطريق الصحيح لضمان الأصوات المطلوبة لتحويل الإقتراح إلى قانون. ولكن قبل إجراء التصويت في الكنيست، أقنعت رئيسة حزب “كاديما” آنذاك، تسيبي ليفني، ديختر بالعدول عن طرح مشروع القانون بسبب مخاوف من أن يتسبب بإحداث خلل في التوازن الحذر بين الطابعين اليهودي والديمقراطي لدولة إسرائيل.

بعد ستة أعوام، يقول ديختر، الآن في “الليكود”، إن مشروع القانون – الذي تم إقتراحه منذ ذلك الحين في عدة صيغ تسببت بتداعيات سياسية كبيرة، وحتى أنها هددت بإسقاط الحكومة السابقة – على بعد أسابيع قليلة من التحول إلى قانون.

في مقابلة مع تايمز أوف إسرائيل من مكتب رئيس لجنة الدفاع والشؤون الخارجية في الكنيست قال ديختر: “انتظرنا 2,000 عام، ولكن سيكون علينا الإنتظار شهر أو شهرين إضافيين فقط”، وتابع مؤكدا: “هذه المرة، سيتم تمريره”، بعد يوم من تصويت اللجنة الوزارية للتشريع بالإجماع على منح دعم الإئتلاف الحكومي لمشروع القانون.

اليهودية مذكورة في كافة قوانين الدولة، والسلطات الدينية تسيطر على معظم نواحي الحياة، بما في ذلك الزواج. ولكن قوانين الأساس الـ -11 القائمة تتعامل في الأساس مع مؤسسات الدولة مثل الكنيست والمحاكم والرئاسة، في حين أن “قانون أساس: كرامة الإنسان وحريته” يحدد الطابع الديمقراطي لإسرائيل. مشروع قانون “الدولة القومية”، كما يقول معارضوه، سيضع القيم اليهودية والديمقراطية على قدم المساواة.

بحسب نص مشروع القانون، فإن القانون مطلوب “لحماية مكانة إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي من أجل إرساء قيم دولة إسرائيل كدولة يهوية وديمقراطية في قوانين الأساس لدولة إسرائيل، بروح إعلان الإستقلال”.

معارضة متزايدة

على الرغم من المعارضة الشديدة لأعضاء كنيست عرب وليبراليين، بدأ مشروع قانون “إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي” مباشرة في المركز السياسي. في حين أن المشروع القانون الذي قدمه ديختر وتم إجهاضه كان الأول الذي إقترحه عضو كنيست، لكنه لم يكن المسودة الأولى للإقتراح.

معهد الإستراتيجيات الصهيونية، وهو مركز أبحاث صغير في القدس يضم أساتذة أكاديميين ومسؤولين أمنيين سابقين، صاغ المسودة الأولى من مشروع القانون. في عام 2009 نشر المعهد وثيقة حول الموضوع، وفي إنتخابات 2009، وصلت الدعوة إلى مشروع قانون الدولة القومية إلى البرنامج الإنتخابي الرسمي لحزب “كاديما”.

بعد الإنتخابات، إلتقى باحثون من معهد الإستراتيجيات الصهيونية بديختر، الذي تبنى المبادرة بحماس. منذ صيف 2009 وحتى 2010، عمل ديختر وباحثو المعهد على صياغة النسخة الأخيرة من مشروع القانون قبل طرحه في النهاية في الكنيست في صيف 2011.

لكن في السنوات التي تلت إقتراحه الأول اعتُبر القانون كمهمة أيديولوجية من قبل اليمين الإسرائيلي في حين لاقى إنتقادات من اليسار الذي إعتبره تجسيدا لسياسات غير حساسة وحتى تمييزية تجاه الأقلية العربية في البلاد.

بعد إحباط ليفني لتشريع آفي ديختر في عام 2011، والذي تبعه بعد ذلك خروجه من الكنيست في إنتخابات 2013، كانت هناك عدة محاولات لإحياء الإقتراح، لكنها فشلت جميعها في حشد الدعم الكامل من الإئتلاف الحاكم.

في عام 2014، بعد طرح نسخ متشددة لمشروع القانون من قبل زميل ديختر في “كاديما” والذي إنتقل في وقت لاحق إلى “الليكود” زئيف إلكين وعضو الكنيست ياريف ليفين (الليكود)، وأييليت شاكيد (البيت اليهودي)، التي تشغل اليوم منصب وزيرة العدل، إقترح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نسخته الخاصة لمشروع القانون. بحجة أن الدولة تفتقد ل”تعبير ملائم” ل”وجود (إسرائيل) كدولة قومية للشعب اليهودي”، عرض رئيس الوزراء على الحكومة المبادئ الـ -14 التي ستشكل الأساس للتشريع.

على الرغم من حصول نسخة نتنياهو على دعم الحكومة، عارض الوزيران آنذاك ليفني ويائير لابيد بقوة مشروع القانون وهددا بإسقاط الإئتلاف بسبب هذه المسألة، ما منع الإقتراح من الوصول إلى الكنيست.

بعد إعادة إنتخابه في مارس 2015، تعهد نتنياهو بأن حكومته ستقوم بتمرير نسخة مخففة من مشروع القانون. ولكن تم وضع الإقتراح على الرف من جديد بعد أن أعرب وزير المالية موشيه كحلون، الذي يرأس حزب “كولانو” الشريك في الإئتلاف الحاكم، عن معارضته له.

’يهودية وديمقراطية’

بحسب ديختر، فإن النسخة الجديدة التي تم تمريرها الأحد تتضمن عددا من التغييرات تهدف إلى “توسيع قاعدة الدعم” لمشروع القانون وإزالة أي شيء ممكن أن يشير إلى وجود تحيز.

المسودة الأولى، كما أشار بينما حمل النسخة الأصلية وتلك المعدلة، تحدد إسرائيل على أنها “البيت القومي للشعب اليهودي” فقط. مع ذلك، الديمقراطية لم تشكل جزءا من هوية الدولة، لكن بالكاد، بحسب كلمات مشروع القانون، “شكل الحكم فيها”.

وقال ديختر: “بعض الخبراء القانونيين قالوا إن العنصر اليهودي يبدو أكثر أهمية، فقمنا بكتابتهما معا، في سطر واحد، حتى لا يكون لأحدهما أفضلية على الآخر”. النص الجديد، كما أكد ديختر، يستند على لغة “قانون أساس: كرامة الإنسان وحريته” من عام 1992، والذي يصف، للمرة الأولى في القانون الإسرائيلي، إسرائيل كـ”دولة يهودية وديمقراطية”.

وأضاف ديختر: “أجرينا مداولات حول كل حرف في مشروع القانون هذا”، مشيرا إلى نقاش إستمر لأشهر نتج عنه تغيير في البند حول تقويم الدولة من “التقويم العبري هو التقويم الرسمي لدولة إسرائيل” إلى “التقويم العبري هو تقويم رسمي لدولة إسرائيل”. إنها عبارة أكثر شمولا لكنها تعطي مع ذلك أفضلية للعنصر اليهودي، بحسب ديختر.

ويبدو أن التغييرات نجحت: كحلون سحب معارضته ووزراء “كولانو” صوتوا الأحد لصالح الدفع بمشروع القانون.

نتنياهو أعلن دعمه لمشروع القانون الإثنين، وقال خلال إجتماع لكتلة “الليكود” إن مشروع القانون “يطير في وجه كل من يحاول نفي حقنا في إسرائيل”.

وقال رئيس الوزراء إن “مشروع القانون يشكل ردا ساحقا لكل أولئك الذين ينفون العلاقة القوية بين الشعب اليهودي وأرضه”، مضيفا أنه سيُطرح على الكنيست خلال 60 يوما وأنه “يتوقع من جميع الأحزاب الصهيونية دعمه”.

’إعلان حرب’

مهاجما الإنتقادات التي وصفت الإقتراح بالتمييزي ضد مواطني إسرائيل العرب وأقليات أخرى، قال نتنياهو إنه “لا يوجد هناك على الإطلاق أي تناقض بين مشروع قانون الدولة اليهودية والمساواة في الحقوق في إسرائيل”.

لكن منتقدو مشروع القانون يقولون إنه يعطي أفضلية لليهود الإسرائيليين. رئيس “القائمة (العربية) المشتركة” أيمن عودة أصدر بيانا حاد اللهجة ندد فيه بالتشريع، واصفا إياه بأنه “إعلان حرب” على مواطني إسرائيل العرب. وجاء في البيان إن “التمييز حصل على ختم قومي. إن الخطر في هذا القانون أنه ينشئ فئتين من المواطنين – يهود وعرب”.

بحسب نص مشروع القانون، في حين أن للفرد الحق “في الحفاظ على ثقافته وتراثه ولغته وهويته”، فإن حق تقرير المصير “يميز الشعب اليهودي فقط”. في بند آخر مثير للجدل، سيتم تخفيض مكانة اللغة العربية من لغة رسمية إلى لغة ذات “مكانة خاصة”، التي تضمن للناطقين بها “الحق في الحصول على خدمات الدولة”.

ديختر رفض فكرة أن مشروع القانون تمييزي.

وقال: “إنه لا يعطي أفضلية لليهود على غير اليهود. إنه يعطي أفضلية للدولة اليهودية من خلال منعها من التحول إلى شيء آخر”. وأضاف: “لن تكون إسلامية ويمقراطية، لن تكون مسيحية وديمقراطية ولن تكون هندوسية وديمقراطية. إنها يهودية وديمقراطية والجميع يدرك ذلك”.

مهاجما الإنتقادات بشأن بند اللغة العبرية، قال ديختر إنه نوع “من الهراء” الإدعاء أن مشروع القانون يخفض من مكانة اللغة العربية.

مع عدم وجود تشريع يحدد وضعية اللغة العربية أو العبرية، يعتمد القانون الإسرائيلي على حكم الإنتداب البريطاني الذي يعُرف اللغتين على أنهما لغتين رسميتين لفلسطين الإنتدابية. “لذلك قلنا، لنذهب مع الواقع الراهن”، مضيفا أن “العبرية هي لغة الدولة ولكن يجب أن تكون للعربية مكانة خاصة فوق لغات أخرى. وهذا بالضبط ما كتبناه”.

حشد الدعم، مجددا

على الرغم من تأكيدات ديختر، على مشروع القانون اجتياز عقبات كثيرة قبل المصادقة عليه.

في حين أن “كولانو” قد يكون صوت لصالح مشروع القانون في اللجنة الوزارية، فإن المتحدث بإسم الحزب عومري آروش قال لتايمز أو إسرائيل إن النواب سيدعمون إقتراح الحكومة النهائي فقط في حال “لبى المعايير التي طلبوها”. بحسب آروش، الذي رفض إعطاء تفاصيل حول ماهية المعايير، فإن حزب “كولانو” لم يعط الموافقة الكاملة على مشروع القانون وسيقوم بإدخال مساهماته في النسخة النهائية.

إذا قام “كولانو” بسحب دعمه، سيكون على ديختر أن يتوجه من جديد إلى زملائه في اليسار على مقاعد المعارضة من أجل حشد الأغلبية في الكنيست. في حال حدوث ذلك، سيعرض ديختر مشروع القانون بصفة فردية ما يسمح له بالتقدم في الكنيست، ولو بشكل إبطأ، من دون الإعتماد على قرار الحكومة.

لكن زعيم المعارضة يتسحاق هرتسوغ قال في مؤتمر صحفي الإثنين إن النسخة الحالية من مشروع القانون “تدوس على التوازن الحساس بين اليهودية والديقراطية”. وبالمثل، رئيس حزب “يش عتيد”، يائير لابيد، قال إنه يؤيد فكرة مشروع قانون دولة قومية لتعريف إسرائيل على أنها دولة يهودية، لكنه لا يستطيع دعم القانون بصيغته الحالية.

لابيد وهرتسوغ قالا إنهما يدعمان نسخة طرحها عضو الكنيست بيني بيغين (الليكود) للقانون، وهي إعلان قصير من فقرة واحدة يؤكد الطابع اليهودي للدولة.

النسخة التي طرحها بيغين، والتي تم تقديمها في يونيو 2015 وتستند على إقتراح لعضو الكنيست السابق عن حزب “يش عتيد” روت كالديرون، تأتي بنغمة أكثر إعتدالا من النسخة الأصلية، وتنص على أن “إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي بالإستناد على أسس الحرية والعدالة والسلام كما تصورها أنبياء إسرائيل، وتتمسك بالحقوق المتساوية لجميع مواطنيها”.

إقتراح القانون يؤكد أيضا على أن إسرائيل هي دولة ديمقراطية ويدعو إلى أن تكون مسألة النشيد الوطني والعلم والرمز الوطني شأنا قانونيا. بحسب التشريع، يعتمد النص على إعلان الإستقلال من عام 1948 ويهدف إلى ترسيخ الرموز الإسرائيلية في قوانين أساس الدولة، ما يمنحها دعما دستوريا.

لابيد قال “إذا كان الإئتلاف جديا ويرغب حقا بتمرير مشروع قانون دولة قومية مع دعم واسع، عندها سنقدم دعمنا”.

في سؤال حول ما هي بالتحديد التغييرات التي يجب إدخالها على مشروع القانون للحصول على دعم حزبها، قالت عضو الكنيست ياعيل غيرمان (يش عتيد) لتايمز أوف إسرائيل إن القانون المقترح يجب أن يكرس خطيا “حقوق متساوية لجميع المواطنين”.

ديختر، في رد مباشر على تصريحات لابيد وهرتسوغ، قال إن مشروع القانون الذي طرحه بيغين يذكره بمثل عربي يقول “لا فائدة من القول للناس إن هناك أسماك في البحر”.

وردا على سؤال حول ما إذا كان على إستعداد لإدخال المزيد من التغييرات على مشروع القانون خلال المداولات في الحكومة والكنيست، قال ديختر إنه في حين أنه راض عن النسخة الحالية، فإنه يسعى دائما إلى نص يخاطب فيه أكبر عدد ممكن من الأشخاص.

وقال: “على مدى ست سنوات أعمل على تغيير وتخفيف لغة مشروع القانون هذا أينما إعتقد أن ذلك مناسب من أجل توسيع قاعدة الدعم”، وأضاف قائلا: “هذا ليس مشروع قانون آفي ديختر، إنه دولة إسرائيل. في نهاية العملية لن يكون على رف كتبي، بل سيكون في كتاب قوانين إسرائيل”.