توقف الهواء ساكنا يوم الأحد في دوما، وليس فقط بسبب الأحوال الجوية، في واحد من أكثر الأيام حرا هذا العام وربما في السنوات الأخيرة. أكثر من 100 شخص جلسوا فس ساعات الظهر، في ذروة الحرارة، على كراس في ساحة مدرسة، في خيمة المعزين التي تم وضعها في القرية.

محافظ نابلس، التي تنتمي إليها القرية، أكرم رجوب، قام مرار وتكرارا بمسح العرق من على جبينه، من دون جدوى. كل بضعة دقائق ينهض متحدث آخر عن كرسيه ويقول بضعة كلمات، مرة بإسم جامعة القدس، ومرة بإسم قرية نائية وسكانها الذين جاءوا لزيارة قرية دوما المذهولة في خيمة المعزين.

يبدو أن عددا ليس بالقليل من الزوار جاءوا لسماع ما حدث ليلة الخميس، التي انتهت بجريمة القتل الوحشية للرضيع علي سعد دوابشة ابن العام الواحد، وفي الحقيقة إزالة عائلة بكاملها. الأم رهام لا تزال ترقد في المستشفي بحالة حرجة؛ الوالد سعد ونجله أحمد لا يزالان هما أيضا في حالة حرجة.

من الجدار تطل صورة علي، الملائكي والبريء. طفل رضيع، مثل كل الأطفال، الذي لم يكن يدرك أنه كان عدوا لشعب آخر أو هدفا لإرهاب يهودي.

لهجة الأشخاص تدل على أنهم فلاحون. لا توجد هناك مكيفات هوائية، ولا مبتكرات ذات تقنية عالية في هذا المكان. المشهد الريفي يكذب الواقع. في المقابل تقف التلة التي بُنيت عليها البؤر الإستيطانية الغير قانونية “عش كوديش” و”عادي عاد” و”غيئولات تسيون”.

جاء الإرهابيون، على ما يبدو يهود، إلى القرية حوالي الساعة 1:30 فجرا، ولكن من غير الواضح من أين أتوا. التقديرات بين السكان بأنهم أوقفوا مركبتهم في موقع ليس ببعيد، ربما على جانب الطريق الرئيسي الذي كان مرة الشريان الرئيسي بين نابلس ورام الله. من هناك ساروا على الأقدام في ظلمة الليل بضع مئات الأمتار نحو القرية.

لم يختاروا منزلا وحيدا على مشارف دوما. ولكنهم توجهوا إلى منزلين في قلب مزقات القرية القديمة، لإظهار إصرارهم على توجيه ضربتهم في قلب المكان بهجومهم القاتل والمحسوب.

بداية ألقوا بقنابل حارقة داخل المنزل الخالي من السكان. من هناك انتلقلوا سريعا إلى البيت القريب منه، منزل سعد ورهام دوابشة،حيث ألقوا هناك بزجاجات حارقة عبر النوافذ، بحسب تقارير أولية.

من الصعب تحديد ما إذا قاموا بالفرار فورا من موقع الحادث أو البقاء لمشاهدة الرعب الذي تسببوا به.

طريق هروبهم، بحسب شهود عيان، كان نحو الغرب، باتجاه الطريق السريع.

ما زالت رائحة الحرق منتشرة في الهواء داخل المنزل المحترق الأحد.

يقول طفل للزوار، “هذه غرفة النوم”.

تحاول فهم المسار الذي فر به الأب والأم والأخ عبر المطبخ نحو المخرج، في هذه اللحظات الحرجة عندما بدأ المنزل بالإحتراق.

زخاريا ساديه من منظمة “حاخامات من أجل حقوق الإنسان” وصل إلى القرية حوالي الساعة 3 فجرا بعد الحريق.

وقال لتايمز أوف إسرائيل، “كل شيء كان محترقا. بدا الناس بصدمة، وكأن صاورخا سقط عليهم”، وأضاف أن “الجيران تحدثوا عن صرخات ومن ثم رأوا الوالد وهو يخرج مع أحمد على يديه، مغطى تمام بالحروق والجلد المحروق. صرخ عليهم، أنقذوا ابني وزوجتي’، في هذه المرحلة خرجت المرأة مع بطانية بين يديها. على ما يبدو أنها حاولت رفع الطفل بيديها، وبين غرفة النوم والمطبخ سقط من بين يديها ولم تدرك ذلك حتى بسبب ألسنة اللهب التي كانت تحرقها والدخان”.

وتابع قائلا، “فقط عندما وصلت إلى الخارج اكتشفت أن طفلها وقع وأن النيران حرقته. هذا كل شيء. بعد ذلك لم يتمكنوا من الوصول إلى إيلي [المستوطنة القريبة في الضفة الغربية] حتى وصول رجال الأطفال وكان قد فارق الحياة”.

لم يتفاجأ زخاريا، الذي يعمل منذ سنوات عديدة مع منظمات حقوقية إسرائيلية في الضفة الغربية، من إختيار المنزلين داخل القرية وليس على مشارفها.

“أنظر ما حدث في حرق المنزل في قرية أبو فلاح، أو المسجد في المغير. الأهداف لم تكن على أطراف البلدة. الشيء المشترك بين كل هذه [الهجمات] بأن هذه القرى جميعها محاطة بتلال تقع عليها بؤر إستيطانية غير قانونية. عش كوديش، عادي عاد وغيئولات تسيون. استخلص الإستنتاجات بنفسك”.