في الأمس جاء دور إسماعيل هنية، رئيس حكومة حماس سابقا ومن سيكون رئيسا للمكتب السياسي للحركة في الأشهر القريبة، لتوجيه الشكر لرعاة حماس الرسميين. هنية أدلى بمقابلة للقناة الفضائية القطرية (ليس قناة “الجزيرة”) حتى يعبر عن امتنانه للفتة الفريدة للأمير القطري، تميم بن حمد الثاني، الذي قام هذا الشهر بدفع رواتب موظفي حكومة حماس في القطاع. في الواقع منذ سنوات، تقريبا منذ الثورة الثانية في مصر (يونيو 2013) لا يحصل مستخدمو الحكومة هناك على رواتبهم. في السنوات الثلاث الأخيرة، حصلوا أحيانا على ثلث راتبهم وأحيانا على النصف. هذه المرة قررت قطر دفع الراتب بالكامل.

تجدر الإشارة إلى أن هنية نسى توجيه الشكر لطرف هام آخر: حكومة إسرائيل، برئاسة بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع أفيغدور ليبرمان، اللذان وافقا على دفع الرواتب لمستخدمي حماس عن طريق قطر. نعم، ليبرمان نفسه الذي تعهد قبل فترة ليست بالطويلة بالقضاء على هنية خلال 48 ساعة إذا لم تتم إعادة جثتي الجندين المفقودين، وافق الآن على تحويل الأموال، التي تُقدر قيمتها بحوالي 113 مليون ريال سعودي (31 مليون دولار) إلى حماس. من الصعب تصديق ذلك، لكن الفترة التي قضاها في مقر وزارة الدفاع، كان لها تأثيرها كما يبدو: ليبرمان كوزير للدفاع يوافق على أمور عارضها وبشدة ليس فقط كنائب في المعارضة ولكن أيضا عندما كان وزيرا للخارجية.

ولمن تخونه ذاكرته، قضية رواتب موظفي حماس كانت واحدة من أسباب إندلاع الحرب الأخيرة في غزة التي أودت بحياة 2,100 فلسطيني و73 إسرائيلي. علاوة على ذلك، رفضت إسرائيل خلال الحرب اقتراحا أمريكيا/قطريا بوقف إطلاق النار عرضته قيادة حماس في الدوحة، عبر وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، الذي تضمن من بين أمور أخرى حل أزمة الرواتب.

أحد الأسباب المركزية التي دفعت حماس إلى الموافقة في أبريل 2014 على حكومة التوافق (في إسرائيل أصروا على وصفها بحكومة وحدة وطنية على الرغم من عدم وجود ممثل واحد لحماس فيها)، تلك التي كادت أن تثير حربا عالمية ضد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، كان عدم قدرة الحركة على دفع الرواتب لمستخدمي حماس. بدأ ذلك في قيام مصر بإغلاق الأنفاق من سيناء إلى غزة، في صيف 2013. في غضون بضعة أشهر وجدت حماس نفسها من دون مصدر دخلها المركزي – الضرائب على الأنفاق. تدفق الأموال من الخارج توقف ماديا أيضا بسبب الأنشطة المصرية على الحدود مع غزة.

لم يكن لحماس مصدر دخل كبير آخر، وفي أزمتها قررت الموافقة على حل حكومة حماس في القطاع وتعيين حكومة يقرر عباس هوية وزرائها، من دون أن يكون فيها ممثل واحد من مسؤولي حماس، ومن دون أن يكون للحركة فيها قدرة على التدخل في سياساتها. بكلمات أخرى، كان ذلك اتفاق شبيه بالإستسلام، على الأقل من الناحية الرمزية. مع أن حماس طلبت أمرين: أن تواصل قوى الأمن التابعة لها العمل من دون عوائق في غزة وأن يقوم عباس بدفع روتب مستخدمي الحكومة في غزة بما في ذلك عناصر الذراع العسكري. في المجموع هناك أكثر من 40,000 شخص، الكثيرون منهم يُعتبرون إرهابيين بحسب القانون الإسرائيلي.

قام عباس بتشكيل حكومة التوافق برئاسة رامي حمد الله، من دون ممثلين لحماس. لكنه قال بأن الأمر سيتطلب أشهر طويلة للتأكد من أن كل من يظهر في قوائم حماس كـ”موظف”، يستحق حقا دفع الراتب له. ازدادت الأزمة في غزة في هذه الأسابيع حيث أنه لم يقم أحد بدفع الرواتب للمستخدمين. حاولت حماس ممارسة ضغوط على عباس ورفضت دفع الرواتب وأبو مازن كان سعيدا بالفرصة التي أعطيت له لخلق أزمة في القطاع. المحنة في القطاع دفعت بقادة حماس إلى التفكير بخطوات عسكرية ضد إسرائيل وحتى أن الحركة قامت بإسماع هذه التحذيرات لكل من أراد أن يسمع.

من بين أولئك الذين حذروا من التقلبات المتزايدة في الوضع ذلك كان مبعوث الأمم المتحدة في ذلك الوقت إلى الشرق الأوسط، روبرت سري، الذي أعرب عن مخاوفه لمسؤولين إسرائيليين، بينما بحثت قطر وآخرون إمكانية دفع الرواتب للموظفين غير المقاتلين. هذه الخطوة التي لم يعمل سري حتى على تحريكها أثارت الغضب في مكتب وزير الخارجية حينذاك، ليبرمان. الذي اعتبر ذلك محاولة سافرة لتحويل الأمول إلى حماس وخرج بهجوم حاد ضد سري تضمن تهديدا بمنع دخوله إلى إسرائيل والإعلان عنه شخصية غير مرحب بها. أزمة الرواتب لم تُحل والمحنة في غزة كانت واحدة من بين العناصر الرئيسية والمركزية في اندلاع الحرب بعد بضعة أسابيع من ذلك.

يتبين الآن، بحسب التقرير في صحيفة “القدس” الفلسطينية، أن إسرائيل وافقت على طلب قطر في تحويل الرواتب لمستخدمي حماس. صحيح أن ذلك سيتم عبر السلطة الفلسطينية ولكن في نهاية المطاف ستحصل حماس في شهر يوليو على كل ما رفضته إسرائيل على مدى سنوات.

هذا القرار يبدو لآذان إسرائيلية “عادية” كأمر ثانوي ومؤقت، ولكن ستكون لديه تداعيات أقل ما يُقال عنها إنها دراماتيكية. في نواح كثيرة تعترف إسرائيل (مرة أخرى) بحكومة حماس وتساهم في إدامتها. هي بحاجة إلى الحركة وبموافقتها تقوم بتوجيه رسالة واضحة للمنظمة في الخارج وفي غزة بأنها معنية بالتعامل مع الحركة وغير معنية بالحرب. هذه الخطوة ستعمل على تعزيز الحركة بشكل كبير داخل القطاع وكذلك في الضفة الغربية حيث وضعها هناك قوي أصلا. ضف إلى ذلك التقارب الأخير لتركيا أردوغان، حليفة حماس. الميزة الكبيرة لهذه الخطوة هي أن خطر الحرب بين إسرائيل وحماس في القطاع ابتعد بشكل كبير.

وكل ذلك يأتي على خلفية انطلاق التحضيرات عند الحزبين المنافسين، حماس وفتح، للإنتخابات المحلية. حماس أعلنت مؤخرا عن اعتزامها المشاركة في الإنتخابات المحلية في الضفة وغزة المقررة في الخريف. حتى أنها قامت في الأيام الأخيرة بنشر مقاطع فيديو تدعو جمهور مناصريها إلى تسجيل أسمائهم في سجل الناخبين للإنتخابات.

بكلمات أخرى نقوم حماس بتعبئة عامة لمناصريها. بالطبع لديها سبب وجيه للقيام بذلك. يمكن الإفتراض أنه بالنظر إلى وضع فتح الإشكالي في الضفة الغربية وبالنظر إلى ازدياد قوة حماس هناك في أعقاب دفع الرواتب في غزة، من المتوقع أن تحقق الحركة إنجازا كبيرا في هذه الإنتخابات. سيُحسب على حكومة إسرائيل بأنها ساعدت في هذه الخطوة. لذلك قد تكون هذه الفرصة لتوجيه رسالة لإسماعيل هنية: كان بإمكانك إظهار رحابة صدر أكبر وتوجيه شكر لحكومة إسرائيل.

وتوجه تايمز أوف إسرائيل لليبرمان ولمنسق أنشطة الحكومة في الأراضي، ميجر جنرال يوآف مردخاي، للحصول على تعليق لكن رفض كلاهما الرد.