أنا أعرف “أ” من سكان شمال قطاع غزة، منذ أعوام. 17 عاما بالتحديد. لقد زرت منزله في القطاع أكثر من مرة، التقيت بأولاده وأفراد عائلته، وعادة ما أصل القطاع بدون اللقاء به.

لم يعبر “أ” أبدا عن آراء سياسية متطرفة. بل بالعكس تماما، دائما حافظ على نفسية جيدة، دائما طلب الحفاظ على دخله بدون التدخل بأمور لا تعنيه. ولكن في محادثتنا الأخيرة هذا الأسبوع، بدا كأن أمرا ما تغير.

قال (أ) “لا يوجد لدي طعام للأطفال. صدقني، أنت تعلم أنني لا أختلق قصصا. لا يوجد لدي ما أطعمهم. الأوضاع هنا سيئة جدا، لا يوجد عمل، لا يوجد للأولاد (البالغين بينهم) عمل. لا يوجد أي شيء في الأفق. من ناحيتي من الأفضل أن تندلع الحرب. ربما يهتموا بغزة حينها، ربما يهتموا بأمرنا. لا يوجد لنا حياة هنا. إنها جهنم”.

قد يقول البعض أن هذا كلام شخص بائس لا يمكنه دعم عائلته. ولكن في الشهر الأخير، هناك المزيد من هذه الأصوات، التي تشيد بالحرب، كوسيلة لتغيير الأوضاع الراهنة وربما الخروج من الحفرة التي علق بها قطاع غزة.

يواصل سكان غزة، رجال عمال، موظفي حكومة، صحفيين، التابعين لحركة فتح أو حماس، التأكيد على أن الحرب القادمة مع اسرائيل تقترب.

من الواضح للجميع أن حماس غير معنية بالمواجهة العنيفة، ولكن نظرا للأوضاع الإقتصادية، لا يتجنب أحد امكانية “الإنزلاق” نحو الحرب.

في هذا السيناريو، تبدأ حركة حماس بالسماح بإطلاق الصواريخ من أجل الفرار من الأوضاع الإقتصادية الصعبة (أزمة الأجور حينها)، بالأساس بواسطة مجموعات موالية لها، إسرائيل ترد  بحدة متزايدة، حماس تنضم الى اطلاق الصواريخ، وفجأة يجد كلا الطرفين، الإسرائيلي والفلسطيني، نفسيهما يخوضان الحرب.

ولكن بخلاف صيف 2014، الأوضاع الإقتصادية في غزة اليوم أصعب، وإسرائيل تواجه معضلة مستحيلة تقريبا. قبل اكثر من أسبوع، اعلنت السلطة الفلسطينية في رام الله أنها ستتوقف عن دفع تكاليف الكهرباء التي توفرها اسرائيل إلى غزة، والتي تصل حوالي 125 ميغاواط. وفي الماضي، وفرت محطة توليد الكهرباء في غزة حوالي 60 ميغاواط من الكهرباء للقطاع. ولكن نتيجة لنقص الوقود، توقفت المحطة عن العمل قبل حوالي شهر.

ويعتمد توفير الطاقة الى القطاع منذ ذلك الحين على الخطوط المصرية (23 ميغاواط) والإسرائيلية. ولكن الخطوط المصرية أيضا توقفت عن العمل نتيجة عطل في الطرف المصري. النتيجة كانت تزويد الكهرباء الى المنازل في غزة لأربع ساعات فقط، يليها انقطاع مدته 12 ساعة يوميا.

والآن، طلبت السلطة الفلسطينية من اسرائيل التوقف عن خصم تكلفة الكهرباء التي توفرها الى غزة من أموال الضرائب التي تجمعها، بقيمة 40 مليون شيقل شهريا. وقد بدأ العمل بحسب هذا الطلب قبل خمسة أيام. ما يعني أن اسرائيل ستضطر لإتخاذ القرار في الأيام القريبة بأن تقطع الكهرباء عن غزة تماما، وبهذا تعزز تدهور الأوضاع الإنسانية في القطاع، ما قد يؤدي الى مواجهة عنيفة.

من جهة أخرى، بإمكان إسرائيل “شراء” الهدوء من خلال تغطية تكلفة الكهرباء التي يستهلكها سكان غزة من شركة الكهرباء الإسرائيلية، لتجنب انقطاع الكهرباء تماما في غزة. وهذا يعني أن اسرائيل سوف تدفع فاتورة كهرباء مكاتب مسؤولي حماس، يحيى السنوار، اسماعيل هنية وأمثالهم. وحتى الكهرباء في مقر حماس تصل اليوم من اسرائيل وحدها.

في أوضاع كهذه، لا يحسد صانعو القرار في الحكومة الإسرائيلية الذين عليهم اتخاذ قرارا فوريا في هذه المسألة.

العديدون في الطرف الإسرائيلي وفي قيادة حماس يأملون بأن يتدخل طرف دولي ويقوم بدفع فاتورة كهرباء غزة. ربما قطر، ربما دول عربية أخرى، أو ربما قد تتراجع السلطة الفلسطينية عن قرارها بالإنفصال عن غزة. وحتى يتوقع البعض في حماس أن تستمر اسرائيل بخصم 40 مليون شيقل من أموال ضرائب السلطة الفلسطينية بدون إذن القيادة.

ولكن من يعتقد أن هذه الأموال سوف تحل مشاكل القطاع فهو مخطئ. هذه مجرد بداية المشاكل التي ستزيد سوءا في القطاع بعد قرار السلطة الفلسطينية الإنفصال عنها في حال عدم تخلي حماس عن سيطرتها.

والخطوات القادمة التي تدرسها السلطة تشمل وقف تمويل الأدوية والمعدات الطبية التي توفرها الضفة الى القطاع، وإضافة إلى ذلك، اجبار حوالي 34,000 من عناصر الأمن السابقين التابعين للسلطة الفلسطينية في غزة على التقاعد المبكر. وسوف يحصلون على 70% من أموال التقاعد، وبهذا توفر السلطة ملايين الشواقل شهريا وتتسبب بالمقابل بتباطؤ ضخم في الإقتصاد في غزة.

وسيؤدي التباطؤ الى تراجع استيراد السلع من اسرائيل والعالم، ما سيتسبب بتراجع دخل حماس من اموال الضرائب. وليس بالصدفة، معظم عناصر الأمن السابقين في غزة هم من المقربين من محمد دحلان، منافس عباس الكبير في فتح. أي ستقوم هذه الخطوة بضرب مدخول حماس من جهة، وإضعاف داعمي دحلان من جهة أخرى.

ولا يبدو أن نهاية النزاع بين حركتي فتح وحماس في الأفق. وتصر حركة فتح أنه بدون تخلي حماس عن السيطرة في القطاع، وحل اللجنة الإدارية التي قامت بتشكيلها مؤخرا، فستنفصل السلطة الفلسطينية عن غزة، وحماس سوف تدفع الثمن. يوم الخميس، بعد إستقباله بحفاوة من قبل دونالد ترامب في البيت الأبيض، تعهد عباس بأن “الأمور ستكون مؤلمة” لحماس، وقال أحد كبار مسؤوليه صراحة أن السلطة الفلسطينية تهدف إلى “تجفيف” موارد حماس المالية، ولن تستمر في تمويل الإنفلاب الذي قامت به قبل عشر سنوات.

وفي المقابل، أوضحت حركة حماس بشكل مباشر أنها لا تعتزم الإستجابة لمطالب فتح. متحدث بإسم حماس قال ردا على تصريحات رئيس السلطة الفلسطينية “يضع عباس نفسه في مواجهة مع الشعب الفلسطيني، ستكون عواقبها كارثية ومدمرة، ليس فقط لحماس، كما يعتقدون، بل لجميع الغزيين”.

تجدر الإشارة إلى  أن معظم سكان غزة يلومون عباس. حركة حماس اطلقت هجمات غير مسبوقة ضد الرئيس الفلسطيني، وصفته بالخائن وداعمي الحركة شنقوا دمية عباس، كلها أمور غير مسبوقة، حتى في القطاع.

وفي الأيام الأخيرة اعتقلت حركة حماس العشرات من ناشطي حركة فتح في غزة، بسبب محاولتهم تنظيم مظاهرة دعما لعباس بغطاء الدعم للأسرى المضربين عن الطعام.

وقامت حماس أيضا بفك خيمة الإعتصام التي اقامتها حركة فتح لدعم الأسرى في مركز المدينة. داعمي حماس توجهوا الى الموقع مع اعلام حماس، ما أدى إلى اشتباكات قامت شرطة حماس بتفريقها. وعاد الهدوء الى القطاع بعد بضعة أيام، ومعه خيمة الإعتصام. كل هذا يدل على تدهور في العلاقات بين الحركتين، واسرائيل قد تدفع ثمن هذا التدهور.

وفي المقابل، المشاكل اليومية في غزة فقط تزداد سوءا. إدمان السكان على حبوب الترامادول، العنف الأسري، حالات القتل المتكررة، وبالتأكيد الأوضاع الإقتصادية الصعبة (تقليص أجور موظفي السلطة بنسبة 30%). كل هذا هز الشعور الشخصي بالأمان الذي كان راية رفعتها حماس منذ سنوات.

قبل بضعة أيام في خان يونس، دخلت عائلة سجين قُتل في سجون حماس في حالة هيجان في المدينة، ما دفع قائد حماس الجديد في غزة، يحيى السنوار، في خطوة إستثنائية استثنائية، إلى الخروج والتجول سيرا في المدينة، لإظهار أنه ماهما بلغت حالة الإستياء والغضب، فهو لا يخشى على حياته. ولكن يبدو أنه حتى جولة السنوار لن تنقذ سكان القطاع من أزمتهم.

ولا حتى الحرب.