يوم الأربعاء، مثل الفلسطيني محمود قطوسة أمام محكمة عوفر العسكرية لأول مرة منذ توجيه لائحة اتهام ضده بتهمة اغتصاب طفلة إسرائيلية تبلغ من العمر سبع سنوات.

ولكن في محكمة الرأي العام، تمت إدانة حارس المدرسة الفلسطيني في اللحظة التي رفعت فيها الشرطة حظر النشر عن تفاصيل التحقيق مساء الأحد.

هزت تفاصيل الجريمة المزعومة البلاد وأدت إلى نشر آلاف البوستات على مواقع التواصل الاجتماعي. أمهات ووزار كبار وما بينهم أعربوا جميعهم عن غضبهم الشديد من قدرة المشتبه به على جر الطفلة الصغيرة في شوارع المستوطنة ضد إرادتها واغتصابها في الوقت الذي قام فيه صديقاه بتثبيتها وهما يضحكان.

وزير التربية والتعليم، رافي بيرتس، ووزير المواصلات، بتسلئيل سموتريتش، ووزير الدفاع السابق، أفيغدور ليبرمان، ذهبوا إلى حد الدعوة إلى إعدام قطوسة.

وانتشرت شائعات بأن لائحة الاتهام الفعلية كانت صادمة أكثر، ولكن عندما تم تسريب الوثيقة للمراسلين يوم الإثنين، بدا أن الأمر الأكثر إثارة للصدمة هو مدى رداءة العمل الذي قام به المحققون.

بحلول الوقت الذي غادر فيه قطوسة قاعة محكمة عوفر في وقت متأخر من ليلة الأربعاء، بدا أنه أقرب إلى إطلاق سراحه بسبب انعدام الأدلة من عقوبة الإعدام، في قضية يقول خبراء إنها من أعراض مشاكل أكبر في الطريقة التي يُعامل فيها الفلسطينيون من قبل الشرطة والمحاكم، بدءا من التسرع في تقديم لوائح الإتهام وصولا إلى تحيزات متأصلة.

توضيحية: طفلات من التيار الحريدي يصلن إلى المدرسة. (Flash90)

الجبنة السويسرية

لائحة الاتهام ضد قطوسة اعتمدت بشكل شبه حصري على شهادة الضحية البالغة من العمر سبع سنوات، ولم تتضمن أدلة جنائية لدعم شهادتها ولم تحدد اليوم أو الأسبوع أو حتى الشهر الذي وقعت فيه جريمة الاغتصاب المزعومة.

وأظهرت محاضر من جلسات سابقة أن الشرطة قامت حتى بتغيير روايتها حول المكان الذي وقعت في الجريمة والطريقة التي تم نقل الطفلة فيها إلى هناك. ادعى الادعاء أن المشتبه به قام بجر الضحية ضد إراتها في وسط البلدة وفي وضح النهار، من دون أن يلاحظ أحد ذلك، وهو ما حير سكان المستوطنة الحريدية التي تقيم فيها الضحية. كما هو الحال في معظم المستوطنات، لا يُسمح للعمال الفلسطينيين بالتجول بحرية، ناهيك عن مرافقة أطفال.

وما زاد من التعقيدات كانت شهادة محققة الأطفال، التي تحدثت مع الضحية وخلصت في رأي قانوني تم تقديمه للمحكمة أن تعرف الطفلة على المعتدي عليها لا يمكن الاعتماد عليه وقد تكون الطفلة تأثرت من عائلتها.

والأكثر من ذلك هو أن المعلمة – التي، بحسب أهل الضحية، كانت مع الطفلة عندما تعرفت “بشكل تلقائي” على المشتبه به في المدرسة – لم يتم استجوابها من قبل الشرطة قبل تقديم لائحة الاتهام.

على الرغم من هذا العدد من الثغرات في التحقيق – والذي شبهه مسؤول كبير في سلطات تطبيق القانون بالجبنة السويسرية – لم يجد أي مسؤول في قسم الشرطة في المستوطنة أي ضرورة في معالجة نقاط الضعف في قضيتهم قبل المضي قدما وتقديم لائحة اتهام ضد قطوسة يوم الأحد.

محمود قطوسة (Twitter)

معاملة غير متساوية

سلوك الشرطة دفع البعض إلى التساؤل حول ما إذا كان سيتم تقديم لائحة اتهام بهذه السرعة لو كان المشتبه به يهوديا.

يقول مردخاي كرمينتسر، وهو خبير في القانون الجنائي والدستوري في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، إن “الفرق في الحقوق القانونية بين اليهود والعرب في الضفة الغربية هو مثل الفرق بين الليل والنهار”، ويرى أن للفلسطينيين، بصفتهم غير مواطنين، “لا يوجد تأثير حقيقي على حياتهم ويخضعون لحكم قوة أجنبية”.

والأسوأ من ذلك، كما يقول، هو تحيز سلطات تطبيق القانون التي تنظر إلى مواطنيها الإسرائيليين بتعاطف، في حين تتعامل مع الفلسطينيين كخصوم أو كأعداء.

وقال كرمنيتسر: “من الصعب تصديق أن هذا الواقع لن يؤثر على كيفية تعامل سلطات تطبيق القانون مع الفلسطينيين… هناك ما يدعو للقلق بأن معاملتهم لن تكون متساوية لتلك التي يحظى بها الإسرائيليون”.

والأمر لا يقتصر على الشرطة فقط، حيث أن سنوات من الصراع تعني أن للإسرائيلي العادي تحيزات متأصلة أيضا، مما يجعل من الأسهل بالنسبة لهم أن يصدقوا أن الفلسطيني قادر على ارتكاب مثل هذه الجريمة البشعة، بخلاف مواطنهم اليهودي، كما يقول كرمنيتسر.

كل هذه العوامل، وفقا لكرمنيستر، مكنت سيناريو سارعت فيه الشرطة إلى تقديم لائحة اتهام قبل أن تضطر إلى التراجع والإعلان عن إعادة فتح التحقيق في جريمة الاغتصاب المزعومة من أجل تأكيد الشبهات ضد قسوطة.

وقال: “لم أسمع أبدا عن شيء من هذا القبيل تم فعله بعد تقديم لائحة الاتهام. من المفترض أن تقوم بالتأكد من المعلومات قبل توجيه التهم”.

صورة لمستوطنة موديعين عيليت، فبراير 2019. (Flash90)

نظاما قضاء لشعبين

وربما ما قد يكون أسوأ من التحيز هو حقيقة أن الفلسطينيين مضطرين للتعامل مع نظام قضائي متكاتف ضدهم ويحد من حقوقهم، بحسب المحامية روني بيلي من جمعية حقوق المواطن في إسرائيل.

في حين أن الفلسطينيين والإسرائيليين في الضفة الغربية قد يكونون تحت سلطة الشرطة نفسها، إلا أن اليهود الإسرائيليين يحاكمون دائما تقريبا في محاكم مدنية، في حين تتم محاكمة الفلسطينيين في محكمة عسكرية، والتي تعمل وفقا لقواعد مختلفة.

تبدأ هذه الفروق بعد الاعتقال فورا. القانون الإسرائيلي يلزم أيضا بأن يمثل المشتبه به أمام قاض للمرة الأولى في مدة لا تزيد عن 24 ساعة. بالنسبة للفلسطينيين الخاضعين للقانون العسكري في الضفة الغربية فإن عليهم الانتظار ضعف هذا الرقم للمثول أمام قاض.

خلال الجلسة الأولى، يمكن للقضاة العسكريين أن يأمروا بتمديد اعتقال المتهم لعشرين يوما بعد جلسة مرافعة أولية، أكثر بخمسة أيام من الفترة التي يُسمح لممثلي الإدعاء بالمطالبة بها في محكمة مدنية.

وتقول بيلي إن المدعين في المحاكم العسكرية ينتهي بهم الأمر عادة إلى المطالبة بإبقاء المشتبه به في الحجز حتى انتهاء الإجراءات، وهو تكتيك يُستخدم في المحاكم المدنية فقط في حال كان يُعتبر أن المشتبه يشكل خطرا أمنيا أو يُخشى من محاولة هربه خارج البلاد.

وقالت إن “[النيابة العسكرية] على اقتناع بأن الفلسطينيين لن يحضروا إلى المحكمة”.

قطوسة كان محتجزا لأكثر من شهر قبل اكتشاف الجمهور للقضية وقبل أن يبدأ الناس بطرح الأسئلة. في محكمة مدنية، سيكون مثل هذا الوضع شبه مستحيل في قضايا لا تتعلق بشكل واضح بالإرهاب.

المحامي ناشف درويش (على يسار الصورة) يتحدث مع شقيق ونجل محمود قطوسة، الرجل الفلسطيني المتهم باختطاف واغتصاب طفلة إسرائيلية في السابعة من عمرها، في المحكمة العسكرية بمنطقة يهودا، 19 يونيو، 2019. (Yonatan Sindel/Flash90)

وترى بيلي أيضا أن طبيعة المحاكمات العسكرية، التي تُجرى بالنسبة للفلسطينيين بلغة أجنبية وأمام قاض بزي عسكري، تخلق المزيد من الخلل الذي لا يكون في مصلحة المدعى عليه.

في عام 2017 وصل معدل إدانة الفلسطينيين في المحاكم العسكرية إلى 99.1%، بحسب دائرة الإحصاء المركزية. بالنسبة للإسرائيليين في المحاكم المدنية، بلغت هذه النسبة في العام نفسه 82.3%.

اللامبالاة من الشيطان

بالنسبة لمنظمة “جويش كوميونيتي ووتش”(JCW)، وهي منظمة غير حكومية تعمل على محاربة الاعتداء الجنسي على الأطفال، فإن التحقيق الجاري بشأن جريمة الاغتصاب يولد شعورا بالإحباط.

وفي حين أنها انتقدت الشرطة بسبب إخفاقها في التحقيق، فإن مديرة JCW، شانا أندرسون، وجهت جزءا كبير من انتقادها للجمهور الإسرائيلي وممثليه، واتهمتهم بالاهتمام بقضية العنف ضد النساء فقط عندما يكون هناك جانب قومي محتمل للقضية.

وقالت أندرسون “الواقع هو أنه ما كان أحد ليسمع أو يهتم بهذه القضية [لو كان المشتبه به يهوديا] وهذه لائحة اتهام مثيرة للإشمئزاز بشكل كبير ضد المجتمع والساسة في هذا البلد بأنهم يهتمون بقضية اغتصاب الأطفال فقط عندما يكون المغتصب عربيا”، موضحة أنها لا تحاول التقليل من خطورة القضية المزعومة المطروحة.

بحسب إحصاءات من مكتب المدعي العام قامت بجمعها رابطة ومراكز مساعدة ضحايا الاعتداء الجنسي في إسرائيل، حققت السلطات في 821 قضية اغتصاب مزعومة في 2017، والآلاف من مزاعم الاعتداء الجنسي أو التحرش، بما في ذلك ضد قاصرين.

قلة قليلة من هذه الحالات ظهرت في الأخبار، ناهيك عن احتلالها حيزا كبيرا في الرأي العام، وتم إغلاق الغالبية العظمى من هذه القضايا، بعيدا عن أعين الجمهور.

وقالت أندرسون: “إننا نعمل منذ سنوات على اقناع السلطات بالتعامل مع اغتصاب الأطفال في هذا البلد بجدية. لكن [مناشداتنا] لم تلقى آذانا صاغية وفي كثير من الأحيان لا نرى سوى لامبالاة تامة”.