أمر قضاة في المحكمة الجنائية الدولية في الأسبوع الماضي المدعية العامة للمحكمة بإعادة فتح تحقيقها في حادثة أسطول غزة التي وقعت في مايو 2010، والتي قتلت خلالها قوات كوماندوز إسرائيلية 10 مواطنين أتراك على متن سفينة كانت متجهة إلى غزة بهدف كسر الحصار عنها، للمرة الثالثة.

وردت إسرائيل بغضب على قرار المحكمة التمهيدية التي طلبت من فاتو بنسودا مراجعة قضية سعت مرارا وتكرارا إلى إغلاقها لعدم خطورتها.

وقال مسؤول في القدس إن المحكمة تقوم بتبديد مواردها المحدودة على قضية تافهة بطريقة تنعكس بشكل سيء على قضايا أخرى معلقة، بما في ذلك تحقيق أولي جار حول جرائم مزعومة ارتكبها الإسرائيليون في الأراضي الفلسطينية.

وقال مسؤول إسرائيلي لتايمز أوف إسرائيل هذا الأسبوع “عندما تكون هذه هي جودة قرارات المحكمة، وعندما يُسمح بإستغلالها لأغراض سياسية بهذه السهولة وبهذا الشكل المتكرر، لا عجب اذا أن يشعر الكثيرون بقلق عميق من أن المحكمة قد فقدت طريقها”.

آلاف الصفحات ولا نهاية في الأفق

إنخراط لاهاي في حادثة الأسطول هي قصة ملحمية إجرائية ذات أبعاد درامية، مع آلاف الصفحات من الحجج القانونية والحجج المضادة – وليس حول الجرائم المزعومة وإنما حول من يملك الصلاحية لفتح وإعادة فتح التحقيقات – من دون أن تكون هناك نهاية ظاهرة في الأفق.

القضية بدأت في مايو 2013، عندما طلبت جزر القمر، وهي دولة صغيرة ذات أغلبية مسلمة في المحيط الهندي، من المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية التحقيق في المداهمة الإسرائيلية لسفينة “مافي مرمرة” التي كانت متجهة إلى غزة قبل ثلاث سنوات من ذلك. خلال المداهمة اشتبكت القوات مع نشطاء مؤيدين للفلسطينيين، ما أسفر عن مقتل 10 أتراك وإصابة عدد من الجنود الإسرائيليين. إسرائيل قالت إن جنودها هوجموا بعنف من قبل النشطاء على متن السفينة.

وتسببت الحادثة باندلاع أزمة دبلوماسية خطيرة مع أنقرة، ولكن بما أن المرمرة أبحرت تحت علم جزر القمر، كانت تلك هي الدولة التي توجهت للمحكمة الجنائية الدولية.

سفن تابعة للبحرية الإسرائيلية ترافق مافي مرمرة إلى ميناء أشدود، 31 مايو، 2010.

في نوفمبر 2014، قررت بنسودا، المدعية العامة للمحكمة، أنه “لا يوجد هناك أساس معقول للمضي قدما في التحقيق” في هذا الشأن. ورأت بنسودا أن القوات الإسرائيلية قد تكون ارتكبت جرائم حرب عندما قامت باقتحام المرمرة، لكنه المخالفات المحتملة لم تكن بالخطورة بما يكفي للبدء بمحاكمة في المحكمة الجنائية الدولية.

واستأنفت جزر القمر على القرار بعد بضعة أسابيع، وطلبت من المحكمة التمهيدية إصدار أمر للمدعية العامة بمراجعة القرار. بنسودا طلبت من القضاة رفض الإلتماس.

في 16 يوليو، 2015، طلب القضاة الثلاثة في المحكمة التمهيدية من المدعية العامة إعادة النظر في قرارها عدم فتح تحقيق في الشأن، وقرروا أنها “ارتكبت أخطاء مادية” في تقييمها لخطورة القضية.

لكن بنسودا لم تستسلم. بعد 11 يوما، قدمت استئنافا على قرار القضاة. ولكن في 6 نوفمبر، 2015، رفضت محكمة الإستئناف طلبها بالإستناد على تفسير للبند 82(1)(ا) من نظام روما الأساسي للمحكمة الدولية، وأجبرت بنسودا على مراجعة القضية للمرة الثانية.

نشطاء على متن ’مافي مرمرة’ يستعودون لمهاجمة الجنود الإسرائيليين. (IDF Spokesperson/Flash90)

بعد عامين من ذلك، في 29 نوفمبر، 2017، سلمت بنسودا ما كانت تأمل أن يكون “قرارها الأخير” في حادثة الأسطول، وقالت إنها “لا تزال ترى أنه لا يوجد هناك أساس معقول للاستمرار في التحقيق”، وأنه “لا بد من إغلاق” التحقيق الأولي.

في فبراير 2018 تقدمت جزر القمر بإستئناف لمحكمة الإسئتنافات طالبت فيه ب”مراجعة قضائية” لقرارات المدعية العامة المتكررة بإغلاق الملف، مشيرة إلى “أخطاء واضحة في كل منها”.

في المقابل، زعمت بنسودا إن محكمة الإستئنافات قد لا تكون تملك الصلاحية لإصدار حكم في القضية، وطلبت منها رفض مطالبات جزر القمر.

وتم تقديم طلبات والتماسات أخرى عديدة من قبل الطرفين، جادلا فيها حول الصلاحية والجدوال الزمنية، حتى الأسبوع الماضي، عندما أصدرت المحكمة التمهيدية قرارا بأن “القرار النهائي” الظاهري  للمدعية العامة من نوفمبر 2017 “لا يمكن اعتباره نهائيا” وأمرتها بمراجعة القضية للمرة الثالثة.

ومنح قضاة المحكمة بنسودا مهلة حتى 15 مايو، 2019، لتسليمهم قرارها النهائي.

وعلى الرغم من أن إسرائيل لم تشارك بنفسها في المعركة القضائية، إلا أن مسؤولون في القدس تابعوا بإستياء كبير الجهود والموارد التي استثمرتها المحكمة الجنائية الدولية في هذه القضية بالتحديد.

ويرى المسؤولون أن لا مكان لحادثة الأسطول في محكمة أُسست للتعامل مع مآسي ذات نطاق أكبر من هذه القضية، التي حدثت قبل أكثر من ثماني سنوات وحققت فيها لجنة إسرائيلية ترأسها القاضي يعقوب تيركل وشارك فيها مراقبون دوليون.

وقال المسؤول الإسرائيلي لتايمز أوف إسرائيل، متحدثا شريطة عدم الكشف عن اسمه: “لقد تم تأسيس المحكمة الجنائية الدولية للتعامل مع الفظائع الجماعية التي تهم المجتمع الدولي ككل”.

وأضاف: “بدلا من ذلك، هي تقوم بإهدار أكثر من خمس سنوات من الوقت والموارد على حادثة تم بالفعل مراجعتها بشكل كامل وإغلاقها من قبل فرق تحقيق محلية ودولية، من ضمنها مرتين من قبل المدعية العامة للمحكمة”.

المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، 22 أغسطس، 2016، خلال محاكمة الزعيم الإسلامي المزعوم المرتبط بتنظيم ’القاعدة’، أحمد الفقيه المهدي، المتهم بجرائم تدمير أضرحة تاريخية في مالي. (AFP/ANP/Patrick Post)

وأشار المسؤول أيضا باستياء إلى أن القضاة الثلاثة الذين أمروا بنسودا بمراجعة قضية مرمرة، وهم بيتر كوفاتش ومارك بيرين دي بريشامبو ورين أديلايد ألابيني-غانسو، أطلقوا في شهر يوليو حملة للوصول إلى ضحايا إنتهاكات حقوق الإنسان الإسرائيلية المزعومة في الأراضي الفلسطينية.

وقال المسؤول “من الجدير بالذكر أن هذا قرار لنفس هيئة القضاة التي أمرت لسبب غير مفهوم ’بالاتصال’ مع ضحايا ما يُسمى بـ’الوضع في فلسطين’، قبل حتى أن يتم تحديد مسألة صلاحية المحكمة”.

وأضاف المسؤول “لطالما رأت إسرائيل أن لا أساس هناك لفتح تحقيق أولي [في ’الوضع في فلسطين’] من البداية فيما يتعلق بمسألة كان من الواضح أن لا أساس لها من الناحية القانونية ولها دوافع سياسية”.

بموجب قواعد المحكمة الجنائية الدولية، يمكن للمحكمة التحقيق فقط في حالات لم يتم التحقيق فيها بشكل كاف من قبل البلدان الأصلية.

ولطالما زعمت القدس أن المحكمة لا تملك صلاحية على شؤون تتعلق بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، لأنها لا تملك سلطة قضائية على إسرائيل (بما أنها ليست دولة عضو) ولأن فلسطين لا تُعتبر دولة، وبالتالي لا يمكنها ممارسة سلطتها القضائية على الضفة الغربية.