على مدار ما يقرب 37 عاما، بحث ضباط الاستخبارات الإسرائيلية عن رفات قائد الدبابة زخاريا باومل، الذي فُقدت آثارت في معركة “السلطان يعقوب” ضد الجيش السوري في عام 1982 في سهل البقاع اللبناني.

هذا الأسبوع، بعد مرور حوالي 40 عاما، تمت إعادة جثة المساعد باومل حيث سيوارى جثمانه الثرى في جنازة يهودية في المقبرة العسكرية “جبل هرتسل” مساء الخميس.

في إسرائيل، استُقبلت هذه الأنباء الحلوة المرة بشعور من الرهبة والاعتزاز بالمدى الذي كان الجيش الإسرائيلي على استعداد للذهاب إليه من اجل جنوده القتلى. والد باومل، يونا، توفي في عام 2009 من دون أن يعلم عن مصير ابنه، لكن هذا الخبر بالنسبة لبقية العائلة، بما في ذلك والدته مريام البالغة من العمر 90 عاما، شكّل خاتمة من نوع ما.

وقال اللفتنانت كولونيل نير يسرائيلي، رئيس وحدة الجنود المفقودين في الجيش الإسرائيلي، لتايمز أوف إسرائيل: “نريد من كل الجنود أن يعرفوا عند انضمامهم للجيش أن دولة إسرائيل ستفعل كل شيء ممكن، في حال – لا سمح الله – سقطوا في الأسر أو فُقدت آثارهم، من أجل إعادتهم إلى الوطن”.

بالإجمال، هناك 176 جنديا إسرائيليا يُعتبر أنهم قُتلوا خلال المعركة لكن أماكن دفنهم غير معروفة، معظمهم – 95 – من “حرب الإستقلال” في عام 1948، بحسب يسرائيلي.

زائر يتفرج على نصب تذكاري لجنود لم تُعرف أماكن دفنهم في المقبرة العسكرية ’جبل هرتسل’ في القدس خلال مراسم لإحياء ذكراهم، 17 مارس، 2016. (Judah Ari Gross/Times of Israel)

وحدة الأشخاص المفقودين، التي تُعرف بالأحرف الأربعة الأولى من اسمها بالعبرية “إيتان”، مكلفة بالبحث عنهم. في العام الماضي تم العثور على ثلاثة منهم: الجندي ليفكا شيفر، الذي قُتل في عام 1948؛ الملازم ياكير نافيه، الذي تحطمت طائرته في بحيرة طبريا في عام 1962، والآن باومل.

وقال يسرائيلي إن “الجيش الإسرائيلي حريص على إعادة جميع الجنود المفقودين أو الذين لا يُعرف مكان دفنهم. إننا نستثمر الكثير من الجهد والكثير من الموارد في ذلك”.

ومع ذلك، فإن العديد من التفاصيل المحيطة بإستعادة جثة باومل في إطار جهود أطلق عليها اسم “عملية أغنية حلوة ومرة” لا تزال سرية وتخضع للرقابة العسكرية. حتى يوم الخميس، عندما أقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين علنا بذلك، رفض المسؤلون الإسرائيليون تأكيد التقارير بأن روسيا كانت وسيطا رئيسيا في جهود البحث، واكتفوا بالقول إن “بلدا ثالثا” شارك في هذه الجهود. ورفضت إسرائيل التعليق على مزاعم لمنظمة فلسطينية في سوريا قالت إنه تم العثور على رفاة الجندي في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين خارج دمشق.

بحسب يسرائيلي، هناك حاجة إلى درجة من الغموض “من أجل عدم المس بعمليات مستقبلية”، وخاصة الجهود المتعلقة بإعادة رفات الجنديين الآخرين المفقودين منذ معركة السلطان اليعقوب: تسفي فلدمان ويهودا كاتس.

رفات المساعد زخاريا باومل، جندي إسرائيلي اعتُبر مفقودا منذ حرب لبنان الاولى 1982، تصل إلى إسرائيل في أبريل، 2019. (Israel Defense Forces)

وقال يسرائيلي إن الجهود للعثور على فلدمان وكاتس لا تزال مستمرة وإن العثور على رفات باومل ساعد في تركيز عمليات البحث.

شقيقة كاتس قالت يوم الأربعاء إن عائلتها لا تزال تأمل بأنه على قيد الحياة. في حديث مع القناة 12 قالت برحيا هيمان، شقيقة الجندي المفقود، “نحن، عائلة كاتس، سنواصل انتظار يهودا”.

وأضافت: “إننا لا نفقد الأمل، وعلى الرغم من أن ذلك يبدو غير معقول، لا نزال نأمل بأنه على قيد الحياة”.

فلدمان كان أحد أفراد الطاقم في نفس الدبابة التي كان فيها باومل. كاتس خدم في دبابة أخرى، تعرضت لهجوم على بعض حوالي كيلومترين.

وقال يسرائيلي في مكالمة هاتفية ليلة الأربعاء “هناك تقارير تم جعمها على مدار السنين وشهادات تم الإدلاء بها. ما زلنا نبحث للعثور عليهما ونأمل بإعادتهما إلى الوطن”.

بحسب تقارير في وسائل الإعلام العبرية، تم إعادة حوالي 10 جثث مع باومل إلى إسرائيل هذا الأسبوع وتم إجراء فحوصات عليها في معهد “أبو كبير” للطب العدلي، وتبين أن أيا من هذه الجثث لا تعود لكاتس أو فلدمان.

الجنود الإسرائيليون المفقودون زخاريا باومل، تسفي فلدمان ويهودا كاتس. (The International Coalition for Missing Israeli Soldiers)

وقال يسرائيلي إن مناقشة الأساليب التي استُخدمت لإعادة باومل قد تزيد من صعوبة العثور على فلدمان وكاتس وإعادتهما.

ومع ذلك يوم الخميس، كشف مسؤول دبلوماسي إسرائيلي كبير للصحافيين عن أن روسيا تواصل المساعدة في البحث عن رفات فلدمان وكاتس في سوريا.

يوم الخميس، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن جيش بلاده، بمساعدة سورية، استعاد رفات باومل.

وقال بوتين خلال مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عُقد في موسكو إن “جنود الجيش الروسي عثروا على الجثة بالتنسيق مع الجيش السوري”.

وأعادت وزارة الدفاع الروسية بدلة باومل وحذائه العسكري في نعش مغطى بالعلم الإسرائيلي في مراسم أجريت في وقت لاحق من اليوم.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، برفقة مسؤولي دفاع كبار، يلتقي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومستشاريه في موسكو، 4 أبريل، 2019. (Koby Gideon/GPO)

في مقابلة أخرى مع القناة 12 مساء الأربعاء، عرض الكولونيل (احتياط) يعقوب، ضابط المخابرات العسكرية الذي قادة فريقا مكونا من عنصرين للبحث عن باومل والذي لم يُسمح بنشر اسمه الكامل، لمحة خاطفة على الجهود الاستخباراتية السرية المحبطة ولكن الناجحة في النهاية التي قادت إلى انجاز يوم الأربعاء.

على الرغم من أن الجيش كان يبحث عن رفات باومل وفلدمان وكاتس منذ فُقدت آثارهم، إلا أنه في بداية عام 2002، شكلت وحدة إيتان فريقا مكونا من عنصرين كلفته بمهمة العثور على الجنود الثلاثة.

الفريق قضى السنوات التالية في البحث من خلال عدد كبير من معطيات جزئية وقصاصات صغيرة من معلومات استخباراتية تم جمعها من مصادر متنوعة على مدار السنين في محاولة لتضييق نطاق البحث والعثور على خيوط جديدة قد تلقي الضوء على مكان الجنود.

وقال يعقوب للقناة 12 أنه “في العام الماضي، تضافرت الظروف، ووصلنا إلى صورة كاملة، من النوع الذي سمح لنا بتحديد مكان وجود الجثة”.

المجهود الاستخباراتي كان بطيئا للغاية.

وقال يعقوب: “لقد جاءت المعلومات من أماكن كثيرة. قمنا بفحص كمية هائلة من المعلومات على مستويات مختلفة من المصداقية. إن هذا عمل سيزيفي، حيث تقوم بفرز المعلومات الصحيحة، التركيز على المعلومات التي يمكن إثباتها – حتى تتضح الصورة وتجد نفسك موجها إلى المكان المحدد في الدولة المحددة حيث توجد [الجثة]”.

وقد أشارت الكثير من المعلومات المتبانية إلى مكان دفن باومل في الموقع الذي تم فيه العثور على رفاته. وقال الكولونيل “قمنا بفحص أماكن اخرى أيضا، التي تبين في النهاية ببطء أنها غير صحيحة”.

مع وجود هذه المعلومات في متناول اليد، تمكنت إسرائيل من توجيه الجيش الروسي إلى الموقع الذي كان يُعتقد أن باومل كان مدفونا فيه.

معركة دامية، عملية بحث صعبة

خدم باومل برتبة رقيب أول في الكتيبة المدرعة 362 التابعة للواء 399، عندما تم إرسال وحدته في 10 يونيو، 1982، إلى منطقة السلطان يعقوب لوضع حواجز. في صباح اليوم التالي، واجهت الوحدة الفرقة المدرعة الأولى التابعة للجيش السوري، حيث تبع ذلك معركة دامية.

مع نهاية المعركة، لقي 20 جنديا إسرائيليا مصرعهم وأصيب أكثر من 30 آخرين. وتم الإعلان عن باومل وفلدمان وكاتس بأنهم مفقودين بشكل رسمي، في حين تم أخذ جنديين آخرين بالأسر قبل إعادتهما في وقت لاحق إلى إسرائيل في إطار صفقة تبادل أسرى. واستولت القوات السورية أيضا على عدد من دبابات الوحدة تم احضار واحدة منها من لبنان إلى سوريا كجائزة. في عام 2016، أعادت روسيا الدبابة لإسرائيل.

الدبابة الإسرائيلية من معركة السلطان يعقوب في عام 1982 خلال حرب لبنان الأولى معروضة في متحف في موسكو. (Courtesy GPO)

بحسب الجيش الإسرائيلي، يُعتقد أن رفات باومل وفلدمان وكاتس كانت تحت سيطرة منظمة التحرير الفلسطينة في سوريا بعد المعركة مباشرة.

في عام 1993، سلم رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات رئيس الوزراء الإسرائيلي حينذاك، يتسحاق رابين، نصف صفيحة تعريف الجندي التابعة لباومل. عرفات زعم حينها بأنه لا يعرف موقع جثته بالتحديد.

وقال يعقوب: “لقد عرف الجانب الآخر ما كان يفعله، وحافظ على هذه الرفات لمدة 37 عاما”.

وأضاف: “لكن الأمور تتغير. الناس تتغير. البعض يموت، ويأتي أناس جدد لتولي المهمة. ما يعنيني هو من بين هؤلاء بإمكانه أن يأتي لي بالمعلومات. لست واثقا من أن الأطراف التي احتجزت [باومل] في البداية هي نفسها التي احتفظت برفاته في النهاية. تصنيف صحيح لمعلومات تمكنا من جمعها قادنا ببطء إلى موقع الجثة، وشيء ما قاله أحدهم مع اقتراب نهاية [البحث] تبين، بعد تأكيده مع معلومات أخرى، بأنه صحيح”.

وتم التأكد من الموقع النهائي، كما قال، قبل بضعة أيام فقط، عندما تم التعرف على رفات باومل بدقة في معهد أبو كبير للطب العدلي.

الضابط لم يؤكد التقارير التي أفادت أنه تم العثور على الجثة في مقبرة في مخيم اليرموك في ضواحي دمشق – كما ذكرت وسائل إعلام عربية الأربعاء – مشيرا إلى أنه لن يكشف عن المزيد من التفاصيل ما دام البحث عن الجثتين الأخرتين مستمرا.

وقال يعقوب: “ما أحدث الفارق كان الفرصة والظروف الجيدة التي ظهرت للوصول جسديا إلى المكان”.

قوات النظام السوري تسير في شارع مدمر عند مدخل مخيم اليرموك للاجئين الفلسطيني في الضواحي اجلنوبية لدمشق في 21 مايو، 2018 بعد أن أعلن الجيش السوري سيطرته الكاملة في العاصمة وضواحيها لأول مرة منذ عام 2012، بعد طرد تنظيم ’داعش’. (AFP PHOTO / LOUAI BESHARA)

في أبريل 2015 استولى تنظيم “داعش” على مخيم اليرموك، حيث ظل تحت سيطرته لمدة ثلاث سنوات. في ربيع العام الماضي، استعاد الجيشان السوري والروسي السيطرة على المخيم.

في سبتمبر أعلنت وزراة الدفاع الروسية عن إصابة أحد جنودها خلال عملية للعثور على رفات جنود إسرائيليين مفقودين.

وقال المتحدث بإسم وزارة الدفاع السورية، الميجر جنرال إيغور كوناشنكوف، حينذاك إن “إرهابيين هاجموا فجأة الجنود الروس المشاركين في العملية وأصيب أحد الضباط الروس. على الرغم من ذلك، كانت روسيا على استعداد لمواصلة العملية”.

وقال يعقوب أنه تم تحديد الموقع قبل بضع سنوات، لكن الأمر استغرق الكثير من الوقت والجهود لإقناع جزء كاف من أجهزة الاستخبارات بالقيام بعملية. وتلقي تصريحاته بعض الضوء على التوترات الداخلية المتأصلة في جهد استخباراتي صعب كهذا.

وأضاف يعقوب: “كانت هناك فرق أخرى في مديرية الاستخبارات [العسكرية]، ووحدة العثور على المفقودين، التي اعتقدت عكس ذلك. لكننا أصررنا، وتبين أننا كنا على حق”.

ساهم في هذا التقرير طاقم تايمز أوف إسرائيل.