كان شبتاي بنديت موجود في مقر بيت إيل للإدارة المدنية في شهر اكتوبر عندما وافقت وزارة الدفاع على أول خطة بناء في مستوطنة ريحليم في الضفة الغربية.

لو حدث ذلك قبل عقدين من الزمان، كان من المرجح أن تكون مناسبة كبيرة بالنسبة لبنديت الذي يبلغ من العمر (45 عاما)، والذي بصفته أحد مؤسسي ريحليم – أول مخفر غير قانوني في الضفة الغربية، قام بتسهيل النقل السري للمقطورات إلى سكان التلال جنوب نابلس خلال الليل.

أنذاك، كما هو الحال الآن، كان بينديت يتعارض بشكل صارخ مع سياسة الحكومة بشأن البناء الإسرائيلي خارج الخط الأخضر. ولكن في هذه الأيام، بدلا من محاولة أن يكون أذكى من جنود الجيش الإسرائيلي على قمم التلال في الضفة الغربية، فإنه يقاتل البيروقراطيين في الإدارة المدنية الذين حكموا لصالح مزيد من التطبيع لريحليم، بالاضافة إلى المستوطنات الأخرى التي سعت الحكومة إلى إضفاء الشرعية عليها.

شابتاي بنديت. (Courtesy)

بنديت لم يعد يرتدي القبعة السوداء التي تميّز حركة الحسيديم خاباد (لوبافيتش)، التي كان عضوا فيها في السابق. بدلا من ذلك، يرتدي الأب الذي لديه ستة أطفال قبعة جديدة: أنه مدير فريق مراقبة المستوطنات لمنظمة “ألسلام الآن” اليسارية.

وحضر اجتماع الإدارة المدنية – وهو نتيجة جزئية لنشاطه السابق العنيد – لمعرفة أحدث عقبة تواجه منظمته في سعيها إلى وضع حد للسيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

جلس بنديت في صف من الكراسي المخصصة للصحفيين الذين يغطون القرار، وكتّف ذراعيه وتحول في مقعده حيث أعلنت لجنة الإدارة المدنية قرارها لصالح مستوطني ريحليم.

“لا يمكنك تجاهل الفكاهة في كل هذا”، قال بنديت. “أنا أعرف ما فعلته في الماضي، وكنت أعرف أن ذلك سيلاحقني في مرحلة ما”.

وسمع القرار أيضا مؤسسو ريحيلم وأصدقاء بنديت القدامى الذين أمضوا العديد من الليالي الباردة والممطرة في الأكواخ المتدلية على قمة التلال الريحية. “إنهم عرضوا الخروج من أجل لحاييم [نخب احتفالي] بعد ذلك للاحتفال بثمار عملنا”، تذكّر قائلا. “ابتسمت ورفضت باحترام على قدر ما استطعت”.

وقال بنديت في مقابلة مع  التايمز أوف إسرائيل أنه كان على بينة من السخرية التي تأتي مع تحوله من مستوطن شرس إلى ناشط يساري، لكنه أصر على أنه لا يركز على الماضي. “ليس لدي أي ندم. قد فعلت ما فعلته، ولا يمكنك العودة إلى الوراء”.

شابتاي بنديت يقف أمام منزل في البؤرة الاستيطانية ريحليم في أواخر التسعينات. (Courtesy)

في هذه الأيام، يرأس بنديت فريقا صغيرا في منظمة “السلام الآن” تراقب جميع أعمال البناء التي تتم في المستوطنات، بالاضافة الى أي تشريعات ذات صلة في الكنيست. وهو جهد يقول أنه موجه نحو الحفاظ على خيار حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

“ما أقوم به الآن ليس البحث عن العقاب. لم أتخذ هذه المهمة لأتغاضى عن خطايا الماضي”، قال. “من ناحية أخرى، لا أستطيع أن أقول أنه إذا تمكنت من القيام بشيء يساعد على إحداث التغيير، لن أكون سعيدا بذلك”.

التعامل مع “عدم وجود الهدوء”

بينما طلب بنديت أن تكون الأسئلة المتعلقة بأسرته خارج حدود المقابلة، فقد تكلم عن طفولته “في بيت متدين نموذجي” في تل أبيب. كان الأصغر بين ثلاثة أخوة، وكان نشطا في الحركة الشبابية الصهيونية بني عكيفا الدينية ودرس في مدرسة يشيفا تدعى مخون مئير في القدس بعد تخرجه من المدرسة الثانوية.

“لقد كانت مكانا للذين يريدون أن يصبحوا اكثر تدينا”، قال. “كنت أقوم بالقدر الكبير من البحث عن النفس في ذلك الوقت أيضا”.

بعد عام في مخون مئير، تجنّد بنديت في الجيش وعمل كقائد في لواء مشاة غفعاتي. بعد انهاء خدمته، انتقل إلى بلدة صفد الشمالية لمواصلة دراسة التوراة في مدرسة يشيفا.

هناك، بنديت تزوج وأصبح لديه أول طفل.

كلما أصبح أكثر تدينا، قال أنه وزوجته بحثا عن فرص للانتقال إلى الضفة الغربية.

بعد يومين من الوصول إلى “أماناه” – وهي مجموعة تشجع تنمية مجتمعات جديدة خارج الخط الأخضر – تلقى مكالمة من أحد رفاقه السابقين في الجيش الإسرائيلي الذي عمل في المنظمة، ودعاه إلى القدوم إلى قمة التل جنوب نابلس.

قال بنديت: “لقد سمعت عن المكان من قبل، بل وتحدثت عنه مع نفس الجندي الذي اتصل بي بعد ثلاث سنوات”.

بدأت قصة ريحيليم في اكتوبر 1991 عندما تعرض باص لناشطين يمينيين من مستوطنة شيلوح في طريقهم الى تل ابيب احتجاجا على مؤتمر مدريد للسلام، للنار من قبل فلسطينيين.

أدى الهجوم إلى مقتل راحيل دروك، وهي أم لسبعة أطفال من شيلوح. بعد دفنها مباشرة، وصلت مجموعة من 25 امرأة إلى التل حيث قتلت، وقررن بأن هذه البقعة هي النقطة التالية للإستيطان اليهودي.

في الوقت الذي قاوم فيه الجيش في البداية طلبات النساء للبقاء على قمة التل، وافقت السلطات الإسرائيلية في نهاية المطاف على السماح لهن بالبقاء طوال فترة الحداد لمدة سبعة أيام.

شابتاي بنديت (يمين) مع زملائه من الناشطين والمستوطنين في الضفة الغربية في أواخر التسعينات. (Courtesy)

وعندما انتهى الأسبوع، تم التوصل إلى اتفاق مع الجيش يسمح للنساء بتشييد عدد من الخيام المؤقتة التي حرستها نقطة عسكرية جديدة. لم تكن هناك مبان دائمة، وسمح للمستوطنين بالزيارة بحرية والبقاء خلال الليل.

ريحيلم، وهي عبارة عن الجمع للاسم “راحيل” بالعبرية، سميت أيضا باسم راحيل فايس، التي أحرقت حتى الموت مع أطفالها الثلاثة في هجوم بقنبلة مولوتوف على متن حافلة خارج أريحا في عام 1988، وراحيل البطريركية التوراتية.

“في النهاية قررت اماناه أنها تريد وجود دائم هناك”، قال بنديت. بعد ذلك – في خريف عام 1996 – انتقل طالب اليشيفا الأخذ بالتطرف من صفد إلى قمة التل مع زوجته وابنته البالغة من العمر ثمانية أشهر.

“شعرت وكأنني أفعل شيئا ذا فائدة. لم أكن أريد الإنتقال إلى مجتمع متأسس من قبل”، قال. “إن محفزنا الرئيسي كان خلق شيء لا يمكن التراجع عنه”.

ولدى وصوله الى ريحيلم، وجد بنديت العمل الزراعي في مجتمع التلال في شفوت راحيل، “حيث كان الهدف هو توسيع المستوطنات لأكبر قدر ممكن من الأراضي تحت ستار الزراعة”.

شابتاي بنديت (السترة الصوفية الرمادية) في وجبة مع الجنود في الضفة الغربية في أواخر التسعينات. (Courtesy)

استمر ليصبح المنسق الأمني ​​لمستوطنة يتسهار القريبة. قال أنه هناك “تعرض لإيديولوجية المجتمع، التي تقوم على فكرة أنه إذا لم تتصرف الدولة بالطريقة التي يفترض أن تتصرف بها [في المسائل الاستيطانية]، فإننا نطالبهم نتحداهم، ونكون على استعداد لخرق القانون إذا لزم الأمر”.

مضيفا: “رأينا الفلسطينيين كعدو. ان الجيش كان هناك لحمايتنا، وكانت لدينا علاقة جيدة معهم بشكل عام، لكننا أيضا وضعنا في الاعتبار كيف يمكن التلاعب بهذه العلاقة لمصلحتنا”.

وقال بنديت أنه في نمط الذي من شأنه أن يتكرر في جميع أنحاء الضفة الغربية في السنوات التي تلت ذلك، أن الحكومة قبلت بشكل ايجابي وجود رحيليم بعد انشائها، ولكن فقط إلى حد ما. أجبر المستوطنون على لعب لعبة القط والفأر مع الجنود الإسرائيليين الذين قاموا بحمايتهم، في محاولة معرفة الأوقات التي كان فيها الجنود الذين تتراوح أعمارهم بين 18-21 عاما خارج ساعات الحراسة لفترة كافية لتثبيت بيوت متحركة إضافية على قمة التل.

“مرة واحدة فقط دخل الجيش ودمّر التوسع بعد أن انجزناه”، قال.

خلال سنواته الأولى في ريحليم، درس بنديت أيضا في اليشيفا المتطرفة أود يوسف حاي، والتي كانت في ذلك الوقت تقع في موقع ضريح يوسف في قلب مدينة نابلس الفلسطينية.

هناك، أصبح على علاقة قريبة جدا من رئيس اليشيفا، الحاخام الحسيدي اليميني المتطرف يتسحاك غنسبيرغ. أصبح بنديت “خاباد من الرأس إلى أخمص القدمين”، وذهب إلى التعليم في مختلف صفوف الروضة التابعة لمجتمع الخابادي في المنطقة لعدد من السنوات.

شابتاي بنديت يتحدث مع جندي في مستوطنة ريحليم في أواخر التسعينات. (Courtesy)

لكن “البحث عن الذات” لدى بنديت استمر، و”عدم الهدوء” دفع المزيد من التحولات الشخصية حيث بحث عن “مكانه الصحيح”.

“اعتقدت أنه إذا اصبحت اكثر تدينا، فسوف أجد السعادة وسيتوقف الانزعاج”، قال. “لكن بعد سنوات من عدم حدوث ذلك، بدأت أتساءل عما اذا كان هذا [نمط الحياة الأرثوذكسي المتطرف] ليس هو الحقيقة، وأنه ربما من الخطأ أخذ وجهة نظر متطرفة عن كل شيء، وكأن كل شيء أسود وأبيض”.

تدريجيا، بدأ في إعطاء الأولوية لضميره بدلا من العقيدة الدينية. ومع استجواب هويته جاء فحص معتقداته السياسية كذلك. “ان معظم اليمينيين الذين يغادرون الايمان يبقون في معسكرهم السياسي بعد ذلك، لكن بالنسبة لى، كان من الطبيعى اختبار الواحد ضد الآخر”.

قال بنديت إن تجربة التي ساعدت في تشكيل قراره في الاتجاه نحو اليسار كانت إجلاء مستوطنة حومش عام 2005.

بعد أن ترك بنديت مجال التعليم بسبب خيبة أمله مع أيديولوجية الخاباد، تولى منصب مدير عام في مدرسة يشيفا يهودية في شمال الضفة الغربية في عام 2004.

مستوطنون اسرائيليون يلقون الطعام على حرس الحدود الذين يحاولون اخلاء مستوطنة حومش في الضفة الغربية في 23 اب / اغسطس 2005. (Flash90)

وكان بنديت حاضرا بعد عام عندما وصل الجنود إلى حومش لإخلاء المستوطنة التي كان فيها 70 عائلة في إطار فك الإرتباط في غزة.

“يقول الناس إن الشعور أثناء عمليات الإجلاء هذه هو مثل قطع عضو من جسمك، وأنه أسوأ من ذلك لأن إخوانكم هم من يقومون بذلك”، قال بنديت. “شعرت بذلك في حومش أيضا، ولكن كان هناك أيضا جزء مني الذي فكر، “ربما هناك أكثر من هذا. ربما نحن نبالغ في التفكير بأن كل ما يتعلق بهذه المجتمعات هو أهم شيء في العالم””.

لكنه أبقى مخاوفه لنفسه حتى قرر في نهاية المطاف أنه “لم يعد متدينا بعد الآن”. بقي بندت في ريحيلم مع عائلته لمدة ثلاث سنوات أخرى، لكنه توقف عن تغطية رأسه أو القيام بممارسات السبت اليهودية. “ربما يعتقد الناس، “أوه، هذا مجرد شابتاي”، ولكن رحلتي حقا لم يكن فيها العديد من الخطوات. كنت متدينا، ثم أصبحت حريدي، والآن أنا علماني. هذا كل ما في الأمر”.

في عام 2009، بعد 12 عاما في ريحليم، بنديت، زوجته وأطفالهم، والذي أصبح عددهم سته بحلول ذلك الوقت، انتقلوا إلى مدينة موديعين في مركز اسرائيل. استنادا إلى رغبته في فهم الصراع على نحو أفضل من خلال “الاجتماع مع الجانب الآخر”، أصبح المستوطن السابق مراسل الضفة الغربية لمحطة إذاعة غلي إسرائيل، وفي وقت لاحق لموقع الأخبار “والّا”.

شابتاي بنديت في عام 2017 (Courtesy).

“لقد اغتنمت الفرصة للقاء الفلسطينيين بقدر ما استطعت”، قال. “غطيت كل احتجاج، أدخلت نفسي داخل مجتمعاتهم في محاولة للفهم حقا من أين يأتون”.

رأى المراسل الجديد أن وجهات نظره تتحرك ببطء إلى اليسار مع كل عام في العمل. أوضح بنديت أنه بصفته مستوطنا، فهم بشكل عام كيف أن قواعد البناء كانت “غير قابلة للاختراق” في الضفة الغربية، ولكن “كصحفي بدأت أن افهم كيف أنها تمييزية ضد الفلسطينيين”.

بصرف النظر عن ذلك، قال بنديت ـنه “متعصب” بشأن إبقاء آرائه السياسية خارج عمله. “أردت أن أكون قادرا على المراقبة من فوق، بدلا من أن أكون جزءا من القصة”، قال.

إجلاء من الدرجة الثانية

لكن هذه الرغبة كانت موضع اختبار قبل عام في إجلاء آخر في الضفة الغربية: مستوطنة عمونا. كان بنديت في المستوطنة كعضو من الصحافة، ولكن في حين أنه لم يكن لاعبا نشطا في عملية الهدم، ابنه الأكبر لعب هذا الدور.

“تحدثنا عن ذلك من قبل، وكنت أعرف أنه سيكون هناك. بعد كل شيء، كنت قد أنشأته لهذا النوع من الأمور”، قال.

منذ سن مبكر، علّم بنديت أولاده عن أهمية حركة الاستيطان، وقال أنه “من الطبيعي” أن يكون ابنه من بين مئات الشباب الذين نزلوا إلى عمونا في فبراير الماضي احتجاجا على الإخلاء.

“لا استطيع فجأة أن أقول ان كل ما علمته كان هراء”، قال. “أحاول أن أعطيه وجهة نظر مختلفة عندما يكون ذلك ممكنا، ولكنني فهمت سبب وجوده هناك”.

شابتاي بنديت خلال عمله كمراسل عن إخلاء عمونا في 1 فبراير 2017. (screen capture: Hadashot news)

وبينما أراد الصحفي آنذاك إعطاء ابنه بعض المساحة أثناء الإجلاء، لم يكن يتوقع منه أن يدخل إطار بثه. لكن مع بدء بنديت في التصوير من داخل أحد المنازل التي تم هدمها، لاحظ طفله على الأرض مع حفنة من الشباب الآخرين الذين رفضوا أن يتم إجلائهم.

“كان من الصعب بالتأكيد رؤية ذلك، ولكنني تألفت نفسي وسألت أحد الجنود هناك يسمحوا لي بمحاولة إقناعه بالمغادرة بإرادته”، قال بنديت. “قلت له إنه قاتل واحتج وقام بدوره، ولكن الوقت قد حان للذهاب”.

عندما رفض المراهق، رفعه أربعة جنود وأخرجوه من المنزل باكيا، في حين شار بينديت وراءه حاملا حقيبة ابنه.

“لم يكن الأمر سهلا، لكن حصل ما حصل”، قال.

المحطة الأخيرة؟

بعد سبعة أشهر، سجل بينديت آخر يوم له كمراسل بعد سبع سنوات في الميدان، وانضم إلى “السلام الآن” في سبتمبر.

“بعد سنوات من التعلم كصحفي قررت أنني أريد العودة الى النشاط السياسي وتكريس نفسي بشكل مباشر للقضية التي اؤمن بها”، قال.

وبينما اعترف بنديت بأنه “ملحوظ” كيساري من قبل بعض أصدقائه وعائلته بسبب تحوله الأيديولوجي ودوره الجديد في “السلام الآن”، قال أنه في حريته الجديدة يميل الى عدم “كبح” آرائه.

شابتاي بنديت في عام 2017 (Courtesy).

“إن الأمر غير مريح الى حد ما، ولكنني أتمنى أن يدرك الذين يعرفونني أنني اخترت هذا الطريق ليس من مكان سيء، ولكن لأن هذا ما اعتقد أنه سيجعل هذا البلد مكانا أفضل”، قال.

“لكن دعنا نضع كل شيء على الطاولة. إنهم يريدون ترسيخ وجودهم في الضفة الغربية، وأريد أن أفعل العكس”.

وردا على سؤال حول ما إذا كان هناك تحول إيديولوجي آخر قادم، ابتسم وقال: “لم يعد لدي هذا الإنزعاج الذي يغيظني مثل قبل”.