عندما كتب البروفيسور يوفال نوح هراري كتاب “الإنسان العاقل: تاريخ موجز للبشرية”، كان الهدف إيصاله لكتب التاريخ في الجامعة العبرية وطلابها، معربا عن أمله بأن يتم بيعه في الجامعات والمدارس الأخرى. كان ذلك قبل أن يصبح من أكثر الكتب مبيعا، والذي ترجم إلى 30 لغة.

الآن أيضا، إنه موضوع أحد أحدث معروضات متحف إسرائيل، “تاريخ موجز للبشرية”، والذي يخلط أفكار هراري حول الحضارة مع قطع أثرية من مجموعة المتحف الهائلة، وقطع فنية معاصرة اقتُرضت من الفنانين المحليين والدوليين.

الكتاب، الذي يحوي 464 صفحة، يعرض تاريخ كاسح للتطور البشري. المعرض، برعاية تانيا كوين-عوزيئيلي بمناسبة الذكرى الـ 50 لمتحف القدس، يقدم عرض مادي وفني لذلك التاريخ الذي يحاول شرح موضوع كبير مع أمثال بصرية مثيرة وحقيقية.

استغرق الأمر بعض الوقت لمعرفة كيفية القيام بذلك.

كوين عوزيئيلي، عالمة آثار في مجال تدريبها وترأس شؤون تنظيم المعارض في المتحف، فكرت أولا في المعرض بعد قراءتها كتاب “الإنسان العاقل”.

تقول كوين عوزيئيلي، “فكرت على الفور بالمتحف ومجموعاته الأثرية وفنه المعاصر. غالبا ما يعبر الفن المعاصر عن نوع من القضايا الخاصة بالحياة البشرية، لذلك فكرت بتنيظم معرضا حول ذلك. إن لذلك مفهوم واسع جدا”.

لقد تشاورت مع هراري للتأكد من أن أستاذ التاريخ في الجامعة العبرية موافق على الخطة. لقد أعجبته الفكرة، ولكنه حذرها أنه ليس ملم بالثقافة المادية، ولا يمكنه مساعدتها مع أي فكرة ملموسة.

“بما أن المعرض يعتمد على كتابي، كان من المهم بالنسبة لي التأكد من أن تفسيراتهم للتاريخ لا تتعارض مع الكتاب”، قال هراري للتايمز أوف إسرائيل في رسالة بالبريد الإلكتروني. مضيفا: “لكن عدا عن ذلك، لديهم الحرية التامة. إني لست خبيرا في الفن، والمعرض يمثل حوار بين الفن والتاريخ”.

قال هراري أنه لا يريد أن يقيد حوار المعرض من خلال فرض وجهات نظره الخاصة. مع ذلك، كان متحمسا ليرى ما الأفكار والتوجهات الجديدة التي ستخلق من قراءة كوين عوزيئيلي للكتاب.

يقص كتاب هراري قصة تطور الإنسان من خلال الثورات الثلاث الكبرى، الثورة الفكرية، الزراعية والصناعية، ونظريته أنه في حين أن تلك الثورات أخذتنا نحو حياة أبدية، فإن نمط حياة أفضل لم يجعلنا بالضرورة أفضل مضمونا.

في الواقع، يفترض هراري في كتابه أن البشر سيتغيرون كثيرا، بحيث من المحتمل أن ينقرض الإنسان العاقل.

تلمس كوين عوزيئيلي هذه الفكرة في النهاية، لكنها تركز على الـ 14 كائنات المحورية التي توضح تطور الحضارة حتى العصر الحديث. من بين مقتنيات المتحف المتنوعة والغنية، اختارت بقايا أول استخدام للنار، العظمة التي تتيح قدرة التكلم للبشر، وأقدم دليل على الكتابة والأرقام، والقطع النقدية الأولى، واختراع الكهرباء، ومخطوطة خاصة لألبرت آينشتاين حول النظرية النسبية.

قالت كوين عوزيئيلي أنها اختارت عناصر “مبدعة ورمزية جدا، والتي تمثل لحظة حاسمة في تاريخ البشرية. كانت تلك هي الرموز والفن بحيث ستشكل الحوار معهم”.

أرادت أن يلقي المشاهدين نظرة على الأجسام الأثرية والتعلم منها، ومن ثم التفكير فيها أكثر من خلال الأعمال الفنية. الفن المعاصر، كما قالت، يسأل أسئلة موجهة للمشاهد ويمكنه أن يقدم تفسيرات بديلة لموضوعه.

وفقا لهراري، اختيار الأجسام لتوضيح عملية معقدة أمر منطقي في سياق معرض المتحف.

قائلا: “أعتقد أنه على العلماء التواصل مع العامة، وخاصة في مجالات مثل التاريخ. ما الفائدة من التوصل إلى رؤى عميقة، إذا كان بالكاد أشخاص قلة على علم بها؟ من أجل الوصول إلى جمهور واسع. مع ذلك، غالبا ما يكون ضروريا تبسيط على الأقل بعض الأفكار والنظريات. في معرض المتحف، تحتاج أحيانا لنقل قصة معقدة للغاية من خلال جسم واحد. في مقابلة تلفزيونية، قد يكون لديك دقيقة واحدة فقط للإجابة على سؤال مثل ’هل الناس اليوم أكثر سعادة مما كانوا عليه في الماضي؟’. جسم واحد في المتحف أو دقيقة واحدة على شاشة التلفزيون قد تكون موردا لا يصدق عندما تتم مشاهدتها من قبل الآلاف من الناس. يمكنك قول الكثير في دقيقة واحدة”.

أخذت كوين عوزيئيلي وجهة نظرها خطوة واحدة أبعد من ذلك.

قائلة: “الأمر يتعلق بكيف لا يمكننا، نحن كصانعي الأجسام، البقاء على قيد الحياة دونهم، وتقوم هذه الأجسام بإبقائنا أحياء. ما العلاقة بين الطبيعة والبشر؟”

وذلك المعرض، القائم في أحد القاعات الرئيسية للمتحف، يبدأ مع انتاج الفنانة الإسرائيلية ميخال روفنر في “وعاء ثقافة”، وهي سلسلة من أوعية البتري التي تحتوي على هيئات متحركة، من المفترض أن تمثل دراسة الثقافة الإنسانية بدلا من اختيار ميكروبات متوقعة.

من هناك، يعرض المعرض الثورة الفكرية وتطور الدماغ البشري كما تمت مناقشته من قبل هراري، مع أول ظهور للإنسان والأدوات الأولى- حجران عاديان مصنوعان لغرض معين على الرغم من بساطة شكلهما، كما تقول كوين عوزيئيلي.

هناك مناقشة حول النار، والتلاعب في الطبيعة لإنتاج الدفء والضوء، كما هو موضح بواسطة بقايا أول استخدام للنار، وأعمال فنية معاصرة مثل “الغاز الأزرق” لميروسلاف بالكا، فيديو يظهر مواقد غازية.

وضعت كوين عوزيئيلي اقتباسات لهراري حول المعرض على جدران الغرف المختلفة، وبالتالي قائمة بمشاركته في المحادثة التي أنشأتها الأعمال الفنية والآثار.

تبدأ الثورة الفكرية وتطور علم اللغة مع عرض عظمة اللامي القديمة المعلقة في حلق الإنسان، والتي تسمح للسان بالتحرك واخراج أصوات وكلمات بليغة.

تقول كوين عوزيئيلي، “ربما كان أهم جزء من كتاب يوفال هو الذي يتحدث عن النميمة والواقع والذاكرة، وكيفية بناء الذاكرة”. وتضيف، “كيف نتكلم عن الناس، كيف نحلم ونستخدم الفيسبوك. كيف يمكننا تشكيل هويتنا في صورتنا”.

وفيما يتعلق بموضوع الدين، أنشأت كوين عوزيئيلي معرض آلهة منحوتة من مجموعة المتحف، محيطة بتصوير ذهبي حديث ليسوع كرجل، منحوتة من قبل مارك والينجر.

عند اكتمال المراحل الأولية للتطور البشري، ينتقل المعرض إلى ثورات الإنسان اللاحقة. لتصوير الثورة الزراعية، منجل يبلغ من العمر 9000 عاما والذي يرمز كيف أن الزراعة شكلت نقطة تحول رئيسية في التطور البشري، بجانب انتاج لحاييم شتاينباخ في “ابقى مع الأصدقاء (كيلوغس وتلما)” لإظهار انتقال المجتمع للمنتجات الغذائية.

تجسد المعروضات أفكار هراري حول الثورة الزراعية وكيف أن انتقال الحضارة للزراعة أجبر البشر على إنتاج وتناول الطعام أكثر مما هو ضروري، كما ترى كوين عوزيئيلي.

وأضافت، “إننا نخزن الكثير ونعمل، نحتل الأرض، وذلك يرضي المجتمع”.

من ثم يتنقل المعرض إلى المراحل المقبلة من التطور البشري، بناء المنازل، إنشاء المال والإئتمان، ومن ثم إلى الثورة الصناعية. وكيف أن اختراع المحرك البخاري قد غير تماما مفهوم الزمان والمكان.

هناك “السير ضد الزمن” الذكي، المصمم من قبل الصناعي مارك فرومان، أحد منشآت الفيديو العديدة التي تشكل جزء من المعرض (الفيديو المفضل على هراري هو الفيديو الذي يروي قصة خيالية حول أسلوب العيش البدائي في إسرائيل الحديثة، المتعلق بنقاشه حول العلاقات بين أفراد جنسنا البشري – الإنسان العاقل – الإنسان البدائي، وما كان سيحدث لو نجا ذلك النوع من المخلوقات، وخلق طبقة أخرى من التعايش).

في وقت لاحق، في نهاية المعرض، هناك لوحة “مفترق طرق” الأكثر واقعية من عام 1976 للفنان بروس كونر، حول تجربة نووية تحت الماء والتي أجريت عام 1946 في بيكيني أتول في المحيط الهادئ.

وأخيرا، ينتهي المعرض مع أوراق مسودة ألبرت آينشتاين للنظرية النسبية، من مجموعات المتحف الخاصة – تعليق آخر على إسرائيل ومكانتها في الثورة العلمية والتكنولوجية الجارية.

وتحدثت عوزيئيلي، “إنه معرض قابل للإستيعاب بشكل كبير. إنه حرفي للغاية. لا تحتاج لقراءة الكتاب لفهمه، وهو ليس أبسط من اللازم كذلك”.

هناك محادثات منتظمة وجولات من المعرض، باللغتين العبرية والإنجليزية، وذلك لمساعدة المشاهدين على فهم ومعالجة المفاهيم التي أدخلت في المعرض. ويقدم هراري (إلى جانب كتابه)، دورات مجانية على الإنترنت. المعرض مفتوح حتى 2 يناير 2016.