صرح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وهو يقف إلى جانب نظيره الجورجي الذي يقوم بزيارة إلى البلاد الاثنين أنه يعمل “بتصميم ومسؤولية” لحل الأزمة الجديدة مع الأردن، في أعقاب إطلاق النار في مقر السفارة والتوترات الدامية المستمرة المحيطة بالحرم القدسي.

قلة سيشككون في ذلك. فبالطبع أن رئيس وزراء إسرائيل يبذل كل ما في وسعة لإنهاء الأزمتين بشكل سريع وآمن وفعال.

لكن السؤال هو ما إذا كان يمكن تجنب هاتين الأزمتين من البداية، حيث لم يظهر نتنياهو وحكومته الكثير من التصميم والمسؤولية في وقت مبكر.

مشاهدة الهبوط نحو كارثة في الأيام العشرة الأخيرة كان شبيها بمشاهدة حادث طرق مروع في حركة بطيئة.

لقد أفادت تقارير كثيرة أنه لم يتم إستشارة جهاز الأمن العام (الشاباك) والجيش الإسرائيلي قبيل اتخاذ قرار وضع البوابات الإلكترونية في الحرم القدسي بعد الهجوم الذي وقع في 14 يوليو هناك. وأفادت تقارير كثيرة أيضا أن قادة الشرطة ووزير الأمن العام لم يعتقدوا أن الإجراء يشكل خطوة هامة بشكل خاص. ولقد أفادت تقارير كثيرة أن نتنياهو فشل في شرح خطة كاشفات المعادن عندما تحدث مع الملك الأردني عبد الله ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في أعقاب الهجوم، الذي قتل خلاله ثلاثة من عرب إسرائيل شرطيين خارج المجمع مباشرة بأسلحة قاموا بتهريبها إلى داخل الحرم. ولقد أفادت تقارير كثيرة أن الشاباك والجيش الإسرائيلي حضا على إزالة البوابات الإلكترونية قبيل صلاة يوم الجمعة في 21 يوليو.

مهما كانت حقيقة هذه التقارير، التي تم نفي بعضها، فإن رئيس وزراء أكثر “مسؤولية” كان عليه بالتأكيد أن يدرك احتمال تأجيج المشاعر في وضع البوابات الإلكترونية، بالأخص بالطريقة التي تم وضعها فيها.

طبيعة الهجوم الذي وقع في 14 يوليو سلطت الضوء على أن الإجراءات الأمنية في الحرم القدسي لم تكن كافية. تم تهريب أسلحة إلى الموقع من قبل المهاجمين ومساعد لهم.

لكن إسرائيل – بحكم قراراتها التي اتخذتها قبل 50 عاما – ليست السلطة الوحيدة التي لها دور رئيسي في واحد من أكثر المواقع إثارة للمشاعر. كما كتبت يوم الثلاثاء، عندما كانت الكارثة تلوح في الأفق بشكل واضح أمام كل من يريد أن يراها، بادرت إسرائيل إلى حل وسط مذهل عندما سيطرت على الحرم القدسي في عام 1956: تنازلت فورا عن السلطة الدينية هناك، في أقدس مكان في اليهودية، لمن سيطر عليه في السابق، الأردنيون ومجلس الأوقاف الإسلامي، في حين احتفظت بالسلطة الأمنية العامة في المكان.

إن تفسيرا ضيقا ومصقولا بحزم لتقسيم المسؤولية الذي وضعته إسرائيل يسمح لإسرائيل بالإدعاء بأن تغيير وسائل الدخول إلى الحرم لا يشكل اختراقا لما يُسمى بالوضع الراهن. ولكن نهجا واقعيا، نهجا مسؤول، نهجا يخدم كل المصالح – يشمل إسرائيل بكل تأكيد – يتطلب تشاورا دقيقا حول الإجراءات الجديدة مع الأردنيين ومع القيادة الفلسطينية في هذا الشأن.

لم يتطلب الأمر عبقرية للتنبؤ بأن وضع بوابات الدخول الجديدة بشكل إستعلائي من قبل إسرائيل في ثالث أقدس المواقع في الإسلام لن يلاقي ترحيبا من المسلمين، الذين يملأ الكثيرون من قادتهم السياسيين والدينيين قلوبهم بالكثير من العدائية لإسرائيل واليهود. لقد اعتُبر الأمر بأن إسرائيل تقوم بوضع حاجز جديد أمام المساجد. من الناحية الرمزية وإلى حد كبير العملية أيضا، هي تقوم باشتراط الدخول إلى مكان صلاة إسلامي مقدس في ما اعتُبر أنه خضوع لليهود. ما كان لهذا الأمر أن يكون ممكنا على الإطلاق. ربما كان سيتم النظر إلى إجراءات مماثلة أو مشابهة، يتم وضعها بشراكة مع السلطات الإسلامية التي نجحت إسرائيل في الماضي العمل معها على تطوير علاقة عمل، مهما كانت غير سهلة، لعقود من الزمن، بصورة مختلفة. قد لا تكون التوترت تصاعدت بالطريقة التي وصلت إليها اليوم. إن المظاهر مهمة. قيادة مسؤولة كانت ستكون مدركة ومهتمة بذلك.

للقيادة المسؤولة أبعاد أخرى أيضا. كان من المطولب منها التدخل منذ فترة طويلة لدى السلطات الأردنية، التي غذت مشاعر الكراهية تجاه إسرائيل لدى شعبها، في حين تمتعت من وراء الكواليس بمزايا العلاقات الاقتصادية والأمنية مع إسرائيل (كما وصفها هنا آفي يسسخاروف). على النقيض من ذلك، يُحسب لنتنياهو بأنه سعى إلى حشد النفوذ للعمل ضد التحريض على العنف من قبل السلطة الفلسطينية الذي يساهم بشكل كبير ومباشر بالعمليات الإرهابية مثل القتل الوحشي لعائلة سالومون في حلميش ليلة السبت.

كان يقتضي أن تتخذ قيادة مسؤولة خطا أكثر حزما مع كبار المحرضين الإسرائيليين، رائد صلاح، رئيس الفرع الشمالي ل”الحركة الإسلامية”، الذي يعمل منذ سنوات على نشر المزاعم الكاذبة بأن الأقصى في خطر – وهي أكاذيب تردد صداها بشكل قاتل لدى العرب المسلمين الإسرائيليين الثلاثة من منطقة عمله في أم الفحم الذين أطلقوا النار على شرطيين (درزيين) وأردوهما قتيلين خارج الحرم القدسي مباشرة في 14 يوليو.

وقيادة مسؤول، بالمناسبة، كانت ستصدر تعليمات للبعثات الدبلوماسية الإسرائيلية لا سيما قي مواقع حساسة لاتخاذ إجراءات أمنية إضافية في هذه الأوقات الصعبة. هل كان من الضروري حقا أن يقوم أردنيون بنقل أو تركيب قطع أثاث في مقر السفارة الإسرائيلية في هذا الوقت بالذات، في ذروة مواجهة دامية أصلا بين إسرائيل والمسؤولين المسلمين، مع مظاهرات معادية لإسرائيل بالقرب من المكان ومع وقوف ساسة أردنيين في طليعة المهاجمين لإسرائيل؟

قيادة مسؤولة كانت ستعمل على ضمان أن يكون لإسرائيل وزير خارجية مع مرور الوقت لإدارة المناقشات حول هذه المسائل التي تبدو بسيطة لكنها في الواقع ذات أهمية كبيرة. وكانت ستصر على أن يكون لديها وزير دفاع صاحب سنوات من الخبرة. ولكن نتنياهو يصر مع ذلك على ترك حقيبة وزارة الخارجية خالية وإدارتها بنفسه، وقام بطرد رئيس هيئة الأركان ووزير الدفاع السابق موشيه يعالون لصالح أفيغدور ليبرمان الشعبوي والذي لا يتمتع بخبرة عسكرية.

لن يكون من السهل الخروج من هذه الفوضى. في الوقت الذي يعمل فيه “بتصميم ومسؤولية” على حل الأزمة مع الأردن، وتهدئة المشاعر المحيطة بالحرم القدسي، ومنع المزيد من التدهور، فإن جماعات المصالح من جميع الأطراف ستحض نتيناهو على التشدد والتوصل إلى حل توافقي، على إذاقة الجحيم للأردنيين والتوصل إلى اتفاق معهم، على الإبقاء على البوابات الإلكترونية في مكانها وإزالتها.

لذلك كل الاحترام لجهود نتنياهو في إدارة الأزمات الآن، ولكن ما كان مطلوبا هو إدارته ما قبل وقوعها.