كاليه – “غابة” في فرنسا، وهي تقع في كاليه. الغابة، وهي مخيم لاجئين مترامي الأطراف يقع على الساحل الشمالي الفرنسي، يضم يائسين من دول عدة – أفغانستان، بدو كويتيين، عراقيين، أثيوبيين وإريتريين، والكثير من السودانيين، وسوريين.

معظم الرجال – وعدد أقل من النساء والأطفال – مروا برحلات مروعة عبر شمال أفريقيا وأوروبا قبل وصولوهم إلى كاليه. ولكن بالنسبة للكثيرين فإن الغابة هي نهاية الرحلة: جميعهم تقريبا يريدون الوصول إلى بريطانيا، وبريطانيا لا تريدهم.

من بين عشرات الزوار الذين زاروا مخيم كاليه للاجئين في العام الأخير، كان هناك الكثيرين من النشطاء اليهود، عادة من التقدميين، الذين جلبوا معهم مساعدات وتعاطف.

ولكن في الأسبوع الماضي زار غابة كاليه وفد مشترك غير مسبوق ضم حاخامات حاريديم وأئمة أرادوا أن يجربوا بأنفسهم مخيم اللاجئين المؤقت.

استغرقت الرحلة 35 دقيقة في قطار “يوروستار” الذي ينطلق من فولكستون في الساحل الجنوبي-الشرقي لبريطانيا إلى كاليه. في نصف ساعة، إنتقل الحاخامات والأئمة من الحضارة الأوروبية إلى العالم الثالث.

عبارة ’لندن تدعوكم’ التي كتبها فنان الغرافيتي بانسكي على جدار أمامي في مخيم كاليه، الذي يحتمي عنده لاجئون. (Alex Goldberg)

عبارة ’لندن تدعوكم’ التي كتبها فنان الغرافيتي بانسكي على جدار أمامي في مخيم كاليه، الذي يحتمي عنده لاجئون. (Alex Goldberg)

أُصيب رجال الدين بالصدمة: في الظروف الطبيعية وضع مخيم اللاجئين سيء، ولكن هذه الزيارة جاءت في أسوا طقس ممكن – عويل الرياح ودرجات الحرارة المنخفضة وأيام من الأمطار تظهر في برك مياه موحلة وقذرة تصل إلى الكاحلين. الصحة العامة والنظافة تكاد تكون معدومة.

في الصيف الماضي كان يُعتقد بأن هناك حوالي 7,000 شخص في الغابة. اليوم يعتقد متطوعو الإغاثة بأن هناك حوالي 4,500، من بينهم حوالي 400 إمرأة وطفل، الذين يعيشون في منطقة منفصلة مخصصة للعائلات. الرجال صغار السن – وجميعهم تقريبا شبان في أواخر سنوات المراهقة وسنوات العشرين – يحتشدون جميعهم في كتل من الخيام البالية، بالإعتماد في الأساس على المكان الذي أتوا منه. لذلك هناك منطقة سودانية ومنطقة أفغانية وهلم جرا.

بين هذه الخيام هناك مساجد عشوائية، وهي أيضا في خيام – العشرات من أزواج الأحذية الموحلة والممزقة مصطفة في الخارج حيث يتم نزع الأحذية قبل الدخول للصلاة. كانت هناك حتى كنيسة للمسيحيين الأفارقة حتى قبل حوالي أسبوعين، ولكن تم هدمها من قبل السلطات الفرنسية التي تقوم إسميا بإدارة المخيم. (عند السؤال عن السبب، لم يعرف أحد في الواقع سبب هدم الكنيسة، ولكن هناك خطط لإعادة بنائها).

عربة الإسعاف الأولي الراسية قي بحر من الوحل في مخيم كاليه، 8 فبراير، 2016. (Jenni Frazer/The Times of Israel)

عربة الإسعاف الأولي الراسية قي بحر من الوحل في مخيم كاليه، 8 فبراير، 2016. (Jenni Frazer/The Times of Israel)

“كيف يمكنكم تتبع من يتواجد هنا؟”، سألت أحد المتطوعين. إجابته كانت، “نحن لا نعرف”. وأضاف قائلا: “إنها مسألة التجول في المكان ورؤية من هنا ومن غادر. لا يمكننا إجراء تعداد سكاني”.

عند البوابة المفتوحة للمخيم، إلى جانب رسم الغرافيتي الساخر للرسام بانكسي الذي تظهر عليه عبارة “لندن تدعوك”، يعرض عضو في منظمة “لوبيرج دي ميغرانت”، وهي واحدة من المنظمات الخيرية التي تعمل في المخيم، للحاخامات والإئمة البريطانيين منطقة مستوية واسعة.

كان هناك حرش هنا، ولكن الفرنسيين اقتلعوا كل الأشجار لمنع الناس من الإختباء

وقال: “كان هناك حرش هنا، ولكن الفرنسيين اقتلعوا كل الأشجار لمنع الناس من الإختباء”.

هناك إجراءات أخرى أيضا، لمنع المهاجرين من التسلق لدخول محطة “يوروستار” أو تهريب أنفسهم في شاحنات وقطارات أو عبارات – أسوار هائلة من الأسلاك الشائكة، التي يصل ارتفاعها عادة إلى 3 أضعاف طول الإنسان العادي. عدد من اللاجئين لاقوا مصرعهم خلال إختبائهم في محاولة للهروب من المكان أو بعد تعرضهم للضرب في هجمات لعصابات من اليمين تتجول في المنطقة التي تُعتبر معقلا لحزب “الجبهة الوطنية” الذي تتزعمه مارين لوبان. مع ذلك، محاولات تسلق الأسوار تحدث كل يوم.

على الأقل إثنين من الحاخامات البريطانيين هما من التيار الأرثوذكسي المحافظ – الحاخام أفراهام بينتر والحاخام هيرشيل غلوك. يمكن ملاحظة أن الرجلين من اليهود الحاريديم على الفور، ولكن لا يبدو أن لزيهما تأثير على اللاجئين، الذين يحتشدون حولهما بحماس عندما يأتي دور احدهم ليروي قصته. أربعة أعضاء آخرين من الوفد هم حاخامات من “إتحاد المعابد اليهودية” من تيار التجمعات الأرثوذكسية الحديثة في لندن. من بين الائمة البريطانيين هناك إثنين يرتديان زي رجال الدين الإسلامي الكامل ويستغلان الفرصة للصلاة مع اللاجئين عندما يكون ذلك ممكنا.

اللاجئ السوداني موسى مع الحاخام هيرشيل غلوك، من التيار الأرثوذكسي المحافظ ومؤسس المنتدى الإسلامي-اليهودي والمنتدى العربي-اليهودي في مخيم كاليه للاجئين، 8 فبراير، 2016. (Alex Goldberg)

اللاجئ السوداني موسى مع الحاخام هيرشيل غلوك، من التيار الأرثوذكسي المحافظ ومؤسس المنتدى الإسلامي-اليهودي والمنتدى العربي-اليهودي في مخيم كاليه للاجئين، 8 فبراير، 2016. (Alex Goldberg)

يحتشد الزوار البريطانيون في واحدة من خيام السودانيين، التي لديها مدخل بارز – قطعة من قماش التربولين التي ترفرف في الهواء – بسبب كومة من الصناديق الخشبية المكسورة، عل أرتفاع بضعة أقدام. على الأرضية هناك ألواح متصدعة وصناديق مقلوبة وبعض اللوحات الخشبية الموضوعة فوق الأرض الموحلة – أي شيء وكل شيء ليتجنب الرجال داخل الخيمة النوم في الوحل. على الجانب الآخر من الخيمة تراكمت العشرات من الدراجات المعطلة وأبراج من القماس والملابس القديمة.

يعيش في هذا المكان على ما يبدو حوالي 30-40 رجل.

“انظروا”، قال أحد الأئمة البريطانيين. “أنظروا إلى هذه الغلاية”.

الغلاية، جسم محترق بالكاد يمكن التعرف على وظيفته الأصلية، موضوعة على رأس حلقة غاز مشتعلة. إلى جانبها ملقاة بعض الأكواب وملعقة وكيس من السكر. يتقدم الرجال ويقوم كل واحد منهم بصب ماء ساخن في كوب ويضع بعض السكر فيه.

يقول الإمام، “هذا يكفيهم لليوم كله”.

غلاية محروقة داخل خيمة سودانية في مخيم كالاي، توفر المياه الساخنة ومشروبات الحلوة للسكان، 8 فبراير 2016 (Jenni Frazer/The Times of Israel)

غلاية محروقة داخل خيمة سودانية في مخيم كالاي، توفر المياه الساخنة ومشروبات الحلوة للسكان، 8 فبراير 2016 (Jenni Frazer/The Times of Israel)

يشعر الإمام بغضب شديد لأنه التقى للتو بمجموعة من البدو الكويتيين في المخيم. لا يمكنه فهم سبب وجودهم هناك أصلا، حيث أن بإمكان الحكومة الكويتيه إجلائهم من هناك وإعادة تسكينهم بضربة واحدة.

ويقول مشتكيا، “هم ليسوا مضطرين للبقاء في الغابة”. ويضيف، “على الكويت الإهتمام بهم”.

الخط الرفيع بين لاجئين يهربون من الإرهاب أو الصراع، وبين المهاجرين الإقتصاديين الذين يبحثون عن حياة أفضل لم يكن يوما أكثر وضوحا.

ينتقل الوفد إلى جزء آخر من المخيم، ويمرون بجانب خندق مفتوح تملأه مياه قذرة، لتظهر أمامهم صفوف متراصة من حاويات معدنية بيضاء لامعة، معدة جميعها لإستبدال الخيام – وتقريبا جميعها خالية. المرشد يقول إن أول من سيسكن فيها سيكون على الأرجح النساء والأطفال الغير ظاهرين، ولكن لاحقا قيل لنا بأن الكثير من الرجال لا يرغبون بالتقدم بطلبات للعيش في الحاويات لأن ذلك يعني إعطاء بصمة. يخشى الكثيرون منهم بأن البصمات وتسجيل وجود رسمي في الغابة قد يقضي على أية فرصة قد تكون لهم للوصول إلى بريطانيا.

في الواقع، قد لا يكون أمامهم خيار آخر، حيث أن الحكومة الفرنسية أعلنت في وقت سابق من هذا الأسبوع عن خطط لهدم الجزء الأكبر من المنطقة الجنوبية في الغابة، وتشريد حوالي 1000 شخص، حتى لا بستمر الناس في النوم بالعراء.

اكوام من الملابس والدراجات الهوائية داخل خيمة سودانية في مخيم كالاس، 8 فبراير 2016 (Jenni Frazer/The Times of Israel)

اكوام من الملابس والدراجات الهوائية داخل خيمة سودانية في مخيم كالاس، 8 فبراير 2016 (Jenni Frazer/The Times of Israel)

بحسب وكالة أسوشيتد برس، قالت الحاكمة فابيان بوسيو بأن الخطة لنقل هؤلاء الذين يحتمون في الخيام والمباني العشوائية تخص حوالي نصف سطح المخيم. قالت بوسيو إن وكلاءها سيشرحون للمهاجرين “ما نتوقع” منهم – الإختيار بين العيش في الحاويات البيضاء التي تحتوي على أنظمة تدفئة وتم وضعها على طرف المخيم في الشهر الماضي وبإمكانها إيواء 1,500 شخص – أو الموافقة على إرسالهم إلى مراكز في أنحاء متفرقة في فرنسأ.

وقالت بوسيو، “حان الوقت لنقول للمهاجرين في كاليه الذين يعيشون في ظروف مخجلة ويعطون كالية صورة غير محترمة أيضا، بأن لدينا حل لكل واحد منهم”.

عليهم إتخاذ القرار في بداية الأسبوع المقبل.

كل ما يعرضه عمال الإغاثة واللاجئون بأنفسهم يطرح أسئلة أكثر من الأجوبة. على سبيل المثال، تتوزع في الغابة محلات “شركة خاصة” في أكواخ صغيرة أمام المخيم. سلع كثيرة معروضة هناك، بدءا من حزم البسكويت وصولا إلى السجائر وحتى الكحول لسكان المخيم المسيحيين. ولكن لا يوجد هناك من يستطيع تفسير إقتصاد المخيم، بدءا من السؤال من أين يحصل الأشخاص على المال لشراء السلع التي تم التبرع بمعظمها، وصولا إلى كيف يدفع الناس المال لتشغيل مولدات الكهرباء في الجزء الخلفي من المحلات، لتوليد الكهرباء لكل واحد منها.

“أين يذهب الناس؟”، يتساءل الحاخامات والإئمة، عندما قيل لهم بأن العدد انخفض بـ -2,500 شخص بين أشهر الصيف والوقت الحالي. البعض عاد إلى أوروبا القارية، في محاولة لتجريب سياسة ألمانيا الأكثر إنفتاحا تجاه طالبي اللجوء. ولكن هل يمكن أن يشمل ذلك في الواقع 2,500 شخص؟

أريد أن أشعر بالأمان ولا أشعر بالأمان هنا

لكل رجل في المخيمة قصة، من “الأيدي القديمة” المتواجدة هنا منذ عامين تقريبا إلى القادمين الجدد نسبيا مثل موسى (24 عاما)، من دارفور، المتواجد هنا منذ 4 أشهر. الثلثين منهم على الاقل يزعمون بأن لديهم عائلة في بريطانيا، ولكن التأكد من ذلك لم يكن ممكنا. موسى، الذي يتحدث الإنجليزية بصورة جيدة نسبيا، سافر في رحلة من درافور إلى تشاد، ومن تشاد إلى ليبيا، ومن ليبيا إلى إيطاليا وصولا إلى فرنسا.

وقال موسى، “أريد أن أشعر بالأمان ولا أشعر بالأمان هنا. أريد مساعدة عائلتي والوصول إلى بريطانيا. نحن بشر – والغابة ليست للبشر”.

لا يمكن تصديق أن هذا البؤس يقع على عتبة بريطانيا على الجانب الآخر من بحر المانش، وعلى بعد 3 ساعات فقط من باريس البراقة، مدينة الأنوار.

الحاخمات والأئمة الذين صدموا مما رأت أعينهم مصممون الآن على رفع أصواتهم الدينية لحث بريطانيا وفرنسا على وضع حد لغابة كاليه. لا يوجد هناك من يريد، كما يقولون، إخفاء هذه القضية تحت السجادة.

لافتة تشير إلى الحمامات التي تديرها السلطات الفرنسية في مخيم كاليه، 8 فبراير، 2016.  كل دوش لا جيب أن يستمر أكثر من 6 دقائق. (Jenni Frazer/The Times of Israel)

لافتة تشير إلى الحمامات التي تديرها السلطات الفرنسية في مخيم كاليه، 8 فبراير، 2016. كل دوش لا جيب أن يستمر أكثر من 6 دقائق. (Jenni Frazer/The Times of Israel)