عامونا، الضفة الغربية – لا تزال مريم حماد تذكر قيامها بمساعدة لوالدها في قطف الفول والطماطم في قطعة الأرض التي كانت يوما ملكا لعائلتها.

وقالت السيدة التي تبلغ من العمر اليوم (82 عاما): “منذ كنت في السابعة من عمري، قضيت معظم الوقت في الأرض”، وتضيف: “أريد أرضي. قضيت طفولتي بكاملها هناك”، في إشارة إلى واحدة من أكثر قطع الأراضي المتنازع عليها في الضفة الغربية.

اليوم، تجلس بؤرة عامونا الإستيطانية على قمة التلة المتنازع عليها هذه، التي تقع بين مدينة سلواد الفلسطينية ومستوطنة عوفرا الإسرائيلية – وحماد تأمل بأن تتمكن العودة إليها قريبا.

هي إحدى الملتمسين في قضية تعصف حاليا بالنظام السياسي في إسرائيل، بعد أن قررت محكمة العدل العليا بأن عامونا بُنيت على أرض فلسطينية خاصة وأمرت الحكومة بإخلائها قبل 25 ديسمبر. إذا فشلت الجهود التشريعية التي يتم بذلها في اللحظة الأخيرة – كما يتوقع حتى الأعضاء الأكثر يمينية في الحكومة – لن يكون هناك ذكر لعامونا في هذه الأرض بعد شهر من اليوم.

من نواح عدة، قصة عامونا – التي تم تأسيسها في عام 1996 – هي كناية عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني: إنها صدام بين روايتين من المستحيل حله لأن كل طرف مقتنع تماما بأن الحقيقة التاريخية والعدل والإعتبارات العملية تقف إلى جانبه.

عامونا كانت موقعا لإشتباكات عنيفة بين المستوطنين والشرطة في عام 2006، عندما تم هدم 9 مبان غير قانونية. اليوم، تضم المستوطنة 40 عائلة يهودية  ترفض جميعها بعناد تركها.

مر أكثر من 20 عاما منذ قدوم الإسرائيليين إلى هذه الهضبة كثيرة الرياح التي تقع شمال الضفة الغربية، لكن حماد، جدة حادة الطباع لثلاثين حفيدا، تقول بأنها لا تزال تذكر بوضوح اليوم الذي رأت وصولهم فيه وإدراكها بأنهم يعتزمون البقاء.

وقالت لمجموعة كبيرة من الصحافيين خلال زيارة أخيرة إلى المنطقة، نظمتها منظمة “ميديا سنترال”، وهي منظمة غير ربحية إسرائيلية تقوم عادة بتنظيم رحلات كهذه، بالأخص لمراسلين أجانب: “رأيتهم يستولون على أرضي بالقوة (…) كنت شديدة الإنفعال عندما رأيتهم وهم يأتون بالبيوت المتنقلة ويضعون حاجاتهم على أرضي. أردت الذهاب إلى أرضي، لكن الجنود الإسرئيليين منعوني من ذلك”.

فلسطينيان حاولا الإقتراب من المستوطنة الناشئة تعرضوا لإطلاق النار من قبل القوات الإسرائيلية، منذ ذلك الحين امتنعت هي والملتمسون الآخرون من الإقتراب من المنطقة.

بداية، اشتكت هي و40 شخصا آخر من السكان المحليين الذين يزعمون أن الأرض التي تقع عليها عامونا اليوم هي ملك لهم لرئيس بلدية سلواد. في عام 2005، مسلحين بوثائق تثبت ملكيتهم للأرض وبمساعدة منظمات إسرائيلية غير حكومية، أخذوا قضيتهم إلى محكمة العدل العليا الإسرائيلية، التي حكمت لصالحهم.

فسرت حماد، من خلال مترجم، سبب رفضها القبول بتعويضات مالية على الأرض: “أرضنا أغلى علينا من أبنائنا بالنسبة لنا. هي تعني حقا كل شيء بالنسبة لنا”.

عيسى زايد، أحد الملتمسين من قرية طيبة القريبة، يوافقها الرأي. “الأمر شبيه برؤية شخص يتم أخذ أطفاله منه”، كما يقول المزارع ابالغ (59 عاما)، متذكرا كيف كان في طفولته ينتظر أيام الخميس بفارغ الصبر، عندما كان جده يأخذه إلى الأرض لمساعدته في زرع وقطف التين والزيتون.

تمت مصادرة أرضه التي تبلغ مساحتها 40 دونما من قبل الإسرائيليين في عام 1998، كما يقول. “كان الأمر قاسيا حقا”.

يعتقد حماد وزايد بأنهما سيعودان يوما إلى زراعة الفواكه والخضروات في هذه الأرض. “إنشالله”، كما قالت حماد للصحافيين. “وآمل أن تعودوا في هذا اليوم. سأقدم الحلويات للإحتفال بذلك”.

ولكن من غير الواضح ما إذا كان سيُسمح لحماد وأصحاب الأرض الفلسطينيين الآخرين بالعودة إلى زراعة الأراضي.

على الجانب الآخر من هذه القضية، يتوقع إيلي غرينبرغ، أحد سكان عامونا، أنه حتى لو قامت الجرافات بهدم البؤرة الإستيطانية، لن يُسمح لأي فلسطيني بالإقتراب من المنطقة.

وقال غرينبرغ، وهو يجلس في مبنى الكنيس الخشبي في المستوطنة: “إذا تم هدم عامونا، لن يكون أي شيء هنا. لن يكون العرب قادرين على الإقتراب من هذه المنطقة”. البؤرة الإستيطانية قريبة جدا من عوفرا، المستوطنة الأم لعامونا التي تبعد ميلا واحد عنها في أسفل التلة، كما يقول.

وأضاف غرينبرغ أن مستوطنات أخرى تم إخلاؤها لأنه تم بناؤها على أرض فلسطينية خاصة إما تحولت إلى قواعد عسكرية أو تُركت جرداء. الشيء ذاته سيحدث في عامونا”، وأضاف :”ستصبح مهجورة. منطقة حرام”.

ولكن غرينبرع يعتقد أن المستوطنين سيبقون في نهاية الأمر في المستوطنة وأن هذه ستكون النتيجة الأفضل. “برأيي لا يصب ذلك [الإخلاء] في مصلحة أحد… أعتقد أن العيش في عامونا أفضل من قاعدة عسكرية”.

غرينبرغ، بالأصل من سكان منطقة حيفا، هو باحث في دراسات التوراة، انتقل هو وزوجت حنة، إلى عامونا قبل 13 عاما.

وقال غريبنرغ بهدوء: “نحن هنا لنبقى. هذا هو موقفنا في الوقت الحالي. نعشق هذا المكان. لا توجد لدينا نية بتركه”، وأضاف أن لديه ثقة بما يُسمى بـ”مشروع قانون التسوية” الذي يجري العمل عليه حاليا في الكنيست، والذي يهدف إلى شرعنة البؤر الإستيطانية.

وقال: “أنا متأكد من أننا سنكون هنا بعد 25 (من ديسبمر)”. وأضاف مازحا: “أفضل قضاء أعياد الميلاد مع عائلتي في شرب شراب البيض”.

وتابع غريبربغ، الأب لثمانية أبناء، بأنه حاول التواصل مع الفلسطينيين الذي يعلنون أحقيتهم في أرض عامونا، ولكنه لم يجدهم. “لم أرهم أبدا، هنا أو في أي مكان”، كما قال للصحافيين. عندما وصل إلى هنا في عام 2004، كانت الجبال المحيطة بالبؤرة الإستيطانية جرداء، كما يزعم. “لم يكن أي شيء هنا… السؤال التالي”.

وأضاف غريبنرغ بأن المستوطنين سيكونون قادرين على التوصل إلى إتفاق مع الفلسطينيين إذا توقفت المنظمات اليسارية عن التدخل في الصراع.

وقال: “أود أن أدعو جميع العرب من سلواد: لنجلس، دعونا نشرب قهوة سوداء معا، والتفاوض على الأمور هنا بشكل ودي… إذا كنا بشر، علينا التحدث مع بعضنا البعض للتواصل. أوجه دعوة مفتوحة. بإمكانهم القيام بذلك هنا”.

ناحوم شفارتس، مزارع يقوم بتربية الأغنام وزراعة توت العليق، نشأ في عوفرا ويقول إنه خلال طفولته إعتاد اللعب في التلال القريبة. بعد إنهاء خدمته العسكرية، إنتقل للعيش في عامونا عند تأسيسها في عام 1996.

واصفا المكان بـ”جبل خال”، يقول شفارتس إنه لن يتم إخلاء أو منع فلسطينيين من دخول أراضيهم وبأن المستوطنين جاؤوا إلى المنطقة بمباركة من الحكومة الإسرائيلية.

وأضاف أن الحكومة الإسرائيلية قامت ببناء الطرقات ونظام الصرف الصحي وشبكه كهربائية وأعطت الكثير للأربعين عائلة للعيش هنا، “هذا ليس بشيء يفعله قرصان”.

لكنه يقر بأنه “عندما تم تأسيس عامونا، لم تقم الحكومة بالنظر في الخرائط وفحص من يعيش أين وما هي وضعية الأرض بالتحديد”.

عندما كان طفلا، استخدم شفارس التلة التي تقع عليها عامونا اليوم كـ”ساحة لعب”، كما يتذكر. “لم يكن أي شيء هنا. لم يكن هنا ناس. أستطيع أن أقول لك أن المكان كان خاليا. عندما كنت طفلا لعبت في المنطقة هنا. لا أعتقد أن والديّ كانا سيسمحان لطفل يبلغ من العمر 8 أعوام باللعب في منطقة صراع”.

الزمن تغير، ولكن فقط قبل عقدين من الزمن شجعت الحكومة الإسرائيلية المستوطنين على الإنتشار والإستيلاء على أكبر عدد ممكن من التلال، كما يقول شفارتس البالغ (42 عاما). وزير الإسكان حينذاك، أريئيل شارون، زار عوفرا في أواخر سنوات التسعينات، وانتقد “كسل” المستوطنين لعدم بنائهم بؤر إستيطانية أكثر، كما قال.

كان ذلك كافيا لتحفيز الشبان والشابات في عوفرا لإختيار قمة التلة القريبة لتأسيس مجتمع جديد هناك – وهكذا في الأساس وُلد عامونا، بحسب شفارتس.

وأضاف شفارتس: “كان ينبغي للرسالة أن تستمر. نظرنا على أقرب جبل وتابعنا الرسالة (…) نؤمن أننا ننتمي إلى هذه الأرض؛ نؤمن أن هذه الأرض ملك لنا”.