إعلان خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، عن اختيار اسماعيل هنية خليفة له لم يكن في نظر الفلسطينيين خطوة مفاجئة أو دراماتيكية.

هذا القرار كان متوقعا منذ أشهر، مع منافسين اثنين: موسى أبو مرزوق، نائب مشعل وأحد قادة الحركة في الخارج، وهنية، نائب آخر لمشعل الذي بقي في قطاع غزة لسنوات.

الجانب الأكثر أهمية في تعيين هنية هو إستيلاء الغزيين على مركز القوة في الحركة.

لمدة 21 عاما وقف على رأس المكتب السياسي للحركة مشعل، الذي هو في الأصل من قرية سلواد المزدهرة نسبيا والمعروفة في الضفة الغربية، خلال هذه السنوات عمل مشعل من فنادق وشقق فاخرة في دمشق وقطر والأردن.

تعيين هنية يعكس رسالة تغيير على المستوى الشخصي: هنية هو من سكان غزة، وُلد فيها ونشأ فيها وعاش فيها طوال حياته. هو من سكان مخيم الشاطئ، أبعد ما يكون عن فنادق قطر الفاخرة.

سمعة هنية بأنه “رجل الشعب”، شخص سيشتري وجبته من كشك الفلافل ويساعد سيدة عجوز على اجتياز الشارع، ليست مجرد خيال – وأبعد ما يكون عن حياة البذخ التي تعيشها قيادة الحركة في الخارج.

إنتخاب هنية، إلى جانب إختيار يحيى السنوار مؤخرا خليفة له في قيادة فرع الحركة في غزة، يظهر تطور القطاع ليصبح المركز الرئيسي للمجموعة، مع ازدياد تهميش الفروع الأخرى في الضفة الغربية والسجون والعمليات الخارجية.

ومع ذلك كل من يتوقع أن تتم ترجمة هذا التغيير إلى تغيير سياسي وأيديولوجي سيخيب أمله.

هنية، الذي يبلغ من العمر (54 عاما) فقط، يُعتبر “معتدلا” أو براغماتيا، خاصة مقارنة بالسنوار، وكان من بين مؤيدي الوثيقة السياسية الجديدة للمجموعة، التي تحاول تصوير الحركة للغرب على أنها معتدلة، لكنه لم يتخل أبدا عن المبادئ التي تم تحديدها من قبل الحركة منذ تأسيسها – وعلى رأسها رفضها قبول شرعية إسرائيل.

في ذلك، هو يمثل التيار المركزي الحالي في حماس – الذي يدفع لوقف إطلاق النار ولكن يرفض فكرة الإعتراف بإسرائيل أو إجراء مفاوضات سلام معها.

وهو كثيرا ما هدد إسرائيل في الخطب والتجمعات، وأثنى على قتل المدنيين الإسرائيليين في هجمات. وتعهد أيضا بمواصلة المعارضة العنيفة لإسرائيل حتى “تحرير” الأراضي.

من هذا المنطلق، هنية هو “ابن حماس” الكلاسيكي: درس في الجامعة الإسلامية وأصبح قائدا طلابيا هناك قبل أن يصبح أستاذا في الجامعة وبعد ذلك كبير موظفي مؤسس حماس، الشيخ أحمد ياسين. عمل لسنوات إلى جانب ياسين، وتقربه من القائد الروحي للحركة ساعد على بروزه بين أقرانه.

في هذه المرحلة ليس من الواضح ما إذا كان هنية سيواصل العيش في غزة أو ينقل مكان إقامته إلى الخارج. يوم الجمعة لم يتمكن من مغادرة القطاع الساحلي، على الرغم من إعلان المصريين عن فتح معبر رفح الحدودي.

إذا بقي في غزة، قد يحد ذلك بشكل كبير من قدرته على السفر لعقد لقاءات دبلوماسية وجمع تبرعات. في حالة حرب، قد يجعل وجوده في القطاع منه هدفا محتملا لإغتيال إسرائيلي.

سواء اختار البقاء في غزة أو العيش في الخارج، فإن المسألة الرئيسية التي ستحدد توجه حماس في السنوات القادمة ستكون علاقته بالسنوار، الذي على الرغم من كونه في سن هنية، لكن يُعتقد أنه شخصية أرفع وأكثر تأثيرا في الحركة.

على عكس هنية، للسنوار خلفية “قتالية” وهو يتمتع بدعم واسع في الجناح العسكري لحماس، كتائب عز الدين القسام. وفي ضوء ذلك، ليس من الواضح على الإطلاق ما إذا كان الجناح العسكري للحركة في حالة صدام بين هنية والسنوار سيقوم بالضرورة بالإمتثال لأوامر المكتب السياسي على حساب القائد القوي في غزة.

يتمتع هنية بشعبية واسعة في صفوف الفلسطينيين، سواء في غزة أو في الضفة الغربية. إستطلاعات رأي أجريت في السنوات الأخيرة أظهرت أنه لو أجريت إنتخابات في الضفة الغربية وغزة، سينتصر هنية على رئيس السلطة الفلسطينية عباس، لكنه سيخسر لمروان البرغوثي، قيادي فتح الذي يقبع في السجون الإسرائيلية لإدانته بالتخطيط لهجمات ضد إسرائيل والذي يقود حاليا إضرابا عن الطعام يشارك فيه مئات الأسرى الفلسطينيين.

قرار قيادة حماس تعيين هنية في أعلى منصب في الحركة هو جزء لا يتجزأ من كشفها مؤخرا عن برنامجها السياسي الجديد. كلا الخطوتين تشكلان محاولة من الحركة لتبث للرأي العام الفلسطيني والعربي والغربي بأن حماس، التي تسيطر على غزة الآخذة بالإنهيار تحت الحصار على حدودها من الجانبين، أصبحت أكثر إعتدالا، أكثر براغماتية، وأكثر عملية. قد لا تكون حماس 2017 قد مرت في أي تغيير حقيقي – حيث أنه لم تقم في الواقع بتعديل أو حذف ميثاقها الأصلي والمعادي للسامية، وهي لا تزال ملتزمة بتدمير إسرائيل. إن الإستراتيجية واضحة: تحويل نفسها إلى بديل لحركة التحرير الفلسطينية لتحل محلها في نهاية المطاف كممثل للفلسطينيين.

وماذا عن إسرائيل؟ الوعيد المتكرر لوزير الدفاع الحالي أفيغدر ليبرمان بإغتيال هنية في غضون 48 ساعة من دخوله منصب وزير الدفاع إذا لم تتم إعادة جثتي جنديين إسرائيليين مفقودين نُسي منذ مدة.

وزير الدفاع ورئيسه، رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو، ووجهة نظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يفضلون صيغة “هنية” لحكم حماس، التي تحافظ على الهدوء على حدود غزة وتقوم بالتضييق على المتطرفين المتأثرين بتنظيم داعش في قطاع غزة الذين يطلقون الصواريخ ويخططون لهجمات ضد إسرائيليين، وعدم التدهور التام إلى حالة من الفوضى ستتبع انهيار حماس، وهو سيناريو سيشهد إستيلاء عصابات مسلحة وراديكاليين أكثر تطرفا على القطاع.

ولا يزال من غير الواضح أي حماس، تلك التي بصيغة “هنية” أو تلك التي بصيغة “السنوار”، هي التي ستحدد التوجه العام في غزة.