أعرب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي يوم الأربعاء عن أسفه لأن إسرائيل وحدها في المعركة ضد إيران ووكلائها في الشرق الأوسط، حيث تتزايد عدوانية الجمهورية الإسلامية في المنطقة.

وقال كوخافي إن الجيش الإسرائيلي كان يعمل في جميع أنحاء المنطقة – سرية وعلانية – من أجل إحباط خطط إيران ووكلائها، “حتى إن يؤدي ذلك الى الحرب”.

وأضاف كوخافي في انتقاد على ما يبدو للولايات المتحدة ودول الخليج، الذين ايضا يعتبرون إيران عدوا رئيسيا: “سيكون من الأفضل إن لم نكن نحن الوحيدون الذين يردوا عليهم [عسكريا]”.

ألقى قائد الجيش خطابا واسع النطاق حول الأمن القومي الإسرائيلي وحالة الجيش الإسرائيلي في مؤتمر تكريم لرئيس أركان الجيش السابق أمنون ليبكين-شاحاك في مركز متعدد التخصصات في هرتسليا. وكان ذلك أول خطاب رئيسي لكوخافي حول الأمن القومي الإسرائيلي منذ توليه منصبه في يناير الماضي، وتحدث لمدة ساعة كاملة.

وقال كوخافي: “في السنوات الأخيرة، غيرت إيران سياساتها وأصبحت أكثر نشاطاا”، مشيرا إلى الهجمات التي وقعت في الأشهر الأخيرة ضد منشآت البترول في دول الخليج.

وأضاف: “لا يوجد رد ولا يوجد انتقام ولا توجد أعمال انتقامية”.

اشتعال النيران في ناقلة نفط في بحر عُمان، 13 يونيو، 2019. (AP Photo/ISNA)

وتطرق كوخافي الى الوضع في قطاع غزة، حيث تعمل إسرائيل، بمساعدة مصر، للتفاوض على وقف طويل الأمد لإطلاق النار مع حركة حماس التي تحكم القطاع فعليا.

وقال كوخافي: “سوف نسمح بالإغاثة المدنية مقابل تحسينات أمنية كبيرة في غزة. هذه ليست سياستي، هذه سياسة الحكومة”.

ووفقا لكوخافي، فإن معركة الشهر الماضي التي استمرت يومين بين الجيش الإسرائيلي والجهاد الإسلامي الفلسطيني، ثاني أقوى حركة مسلحة في غزة، جعلت وقف إطلاق النار هذا ممكنا اكثر. وعلى عكس ما حدث في جولات قتال سابقة في القطاع، لم تستهدف إسرائيل منشآت حماس، وبدلا من ذلك ركزت هجماتها بشكل شبه كامل على الجهاد الإسلامي.

فلسطينيون يتفقدون الدمار بعد غارة جوية إسرائيلية، 14 نوفمبر 2019، في خان يونس في جنوب قطاع غزة (SAID KHATIB / AFP)

وقال: “أردنا إعادة الجهاد الإسلامي إلى مكانه، وهو شيء لن تفعله حماس، لذلك فعلناه نحن”.

“بينما أتحدث، هناك فرصة. حماس عادت الى املاء اجندة اليوم – حتى لو كان هناك صاروخ أو قذيفة هاون هنا أو هناك، وهو ما لن نقبله”، قال، في إشارة إلى الهجمات الأخيرة من غزة، والتي أشار المسؤولون العسكريون إلى أنها صادرة عن حركات مسلحة اصغر وأكثر راديكالية، وليس حماس.

وأضاف قائد الجيش أن إسرائيل مستعدة لخوض الحرب إذا لزم الأمر لإعادة الهدوء إلى منطقة غزة.

“الحرب هي دائما الخيار الأخير، لكن في الحالات التي تكون فيها جميع المسارات قد استنفدت، تكون الحرب حلا، العملية العسكرية حلا”.

إيران في كل مكان

وقال كوخافي إن إيران تعمل على إنشاء قواعد عمليات في جميع أنحاء المنطقة، والتي يمكنها من خلالها شن هجمات ضد إسرائيل، من خلال “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني، أو ان تأمر عملاءها في المنطقة، ولا سيما تنظيم حزب الله، لفعل ذلك.

وقال: “لن نسمح لإيران بتأسيس وجود عسكري في سوريا، أو حتى في العراق”.

مدافع هاوتزر إسرائيلية ذاتية الدفع من طراز M109 بالقرب من الحدود مع سوريا في الجانب الإسرائيلي من هضبة الجولان، 19 نوفمبر، 2019، بعد أن اعترضت الدفاعات الجوية الإسرائيلية أربعة صواريخ تم إطلاقها من الجارة سوريا. (JALAA MAREY / AFP)

وأشار كوخافي على وجه التحديد إلى الجهود التي تبذلها إيران وحزب الله لتطوير صواريخ موجهة بدقة – وهو تهديد يعتبره المسؤولون الإسرائيليون عموما في المرتبة الثانية بعد حصول إيران على الاسلحة النووية – كإحدى القضايا التي قد يخاطر الجيش الإسرائيلي لاندلاع الجرب من اجل لمنعها.

وقال: “لن نسمح لأعدائنا بالحصول على أسلحة دقيقة”.

ووفقا لكوخافي، فإن إحدى صفات وضع الأمن القومي الحالي لإسرائيل هو أنه كل من عدد الساحات التي تواجه فيها الدولة اليهودية التهديدات وعدد التهديدات داخل كل ساحة ينمو.

“في سوريا، هناك قوات حزب الله وقوات فيلق القدس [إضافة إلى الجيش السوري]. في غزة، هناك أيضا وكلاء إيرانيين [بالإضافة إلى حماس والجهاد الإسلامي]”، قال.

وأضاف إلى أن العراق، حيث تسيطر إيران على عدد كبير من الميليشيات الشيعية، أصبحت أيضا منطقة تثير قلقا متزايدا لإسرائيل.

رجل دين إيراني ينظر الى صواريخ محلية الصنع في عرض عسكري للحرس الثوري الإيراني، بمناسبة الذكرى الاربعين للثورة الإسلامية في طهران، 3 فبراير 2019 (Vahid Salemi/AP)

وأضاف كوخافي أن إيران نفسها أصبحت أيضا تهديدا عسكريا مباشرا وفوريا لإسرائيل، في حين كانت في الماضي “خلف الجبال، تعمل على برنامج نووي”.

“تواصل إيران تطوير صواريخ يمكنها الوصول إلى الأراضي الإسرائيلية”، قال.

كما تطرق الى انتهاكات إيران الأخيرة للصفقة النووية لعام 2015، في مضاعفتها لكمية ومستوى اليورانيوم المخصب بما يتجاوز المستويات المتفق عليها في الصفقة. وقال كوخافي إن هذه النشاطات هي في الوقت الحالي جزء من محاولة لممارسة الضغط على الولايات المتحدة والأوروبيين ضمن المفاوضات، وليست محاولة فعلية لتطوير سلاح نووي، لكن هذا سيتغير في النهاية.

“تقوم إيران بذلك كجزء من حوار استراتيجي مع الولايات المتحدة. لكن في مرحلة ما، ستترك مجال الحوار الاستراتيجي وستدخل الى التهديد الحقيقي”، قال.

التجهيز للحرب

وفي خطابه، قال كوخافي إنه لا يرى حربا في المستقبل القريب، بسبب الردع الإسرائيلي الفعال، لكنه أوضح أن الحرب القادمة التي تواجه الدولة اليهودية – سواء ضد حزب الله في الشمال أو حماس في الجنوب – ستكون أكثر صعوبة وكارثية من تلك التي سبقتها، وذلك بسبب التحسينات التقنية لقدرات المنظمات المسلحة.

“فيما يتعلق بالصواريخ، ازداد عدد ومدى وحجم الرؤوس الحربية ونمت الدقة كذلك”.

وقال كوخافي إن الجيش الإسرائيلي، بطبيعة الحال، على علم بهذه التهديدات، مستعدا لها ويعمل على تحسين دفاعاته، لكنه حذر من أنه رغم ذلك، لا تزال التهديدات للجبهة الداخلية الإسرائيلية قائمة، و”يجب أن نستعد لهذا”.

رجل يتفقد الأضرار التي لحقت بمنزل في سديروت، إسرائيل، بعد أن أصيب بصاروخ تم إطلاقه من قطاع غزة، 12 نوفمبر، 2019. (AP Photo/Tsafrir Abayov)

وأضاف: “لا يمكن أن تخوض حربا دون خسائر. لا أستطيع أن أعدكم بحرب قصيرة. سوف أفعل ما بوسعي لتقصيرها، لكن خلال ذلك الوقت، سيتم إصابة الجبهة الداخلية… سنحتاج إلى المرونة في الجبهة الداخلية”.

وأشار إلى أنه منذ حرب لبنان الثانية عام 2006، عمل حزب الله على تحسين قدراته أيضا، مما جعله على قدم المساواة مع بعض الجيوش الوطنية.

“حزب الله لا يتجول فقط مع بنادق الكلاشينكوف والصواريخ المضادة للدبابات. لديه أسلحة مضادة للطائرات وأجهزة قمع الطيف”، مشيرا إلى قدرات حرب إلكترونية.

وقال كوخافي إنه لا يعتقد أن إيران أو وكلائها سيشنون قريبا حربا ضد إسرائيل.

مضيفا: “لا أحد من أعدائنا يريد حربا في هذا الوقت”.

الشعور بالأمن

وفي السنوات الأخيرة، كانت بعض الانتقادات الاكثر تكررا وقسوة ضد الاستراتيجيات الأمنية للجيش الإسرائيلي وإسرائيل تتعلق بردود الجيش على العنف من قطاع غزة.

ورفض كوخافي بعض هذه الانتقادات، قائلا إن الجيش الإسرائيلي قام فعليا بمنع غالبية الهجمات من القطاع، وأن القضية لا تتعلق بالأمن بل بـ”الشعور بالأمان” بين سكان غلاف غزة. ومع ذلك، قال إن الشعور بالأمان مهم، لكن أقل أهمية من الأمن الفعلي.

امرأة تحضن كلبها بعد لحظات من سقوط صاروخ إطقه مسلحون فلسطينيون في قطاع غزة في طريق سريع بالقرب من مدينة أشدود، إسرائيل، 12 نوفمبر، 2019. (Ariel Schalit/AP)

وقال: “في كل مرة يتم فيها إطلاق صفارات الإنذار التي تزعج الليل أو الحفلة، أو عشاء السبت، يقول الناس إنه لا يوجد أمن”.

“أنا أفرق بين الأمن والشعور بالأمان. الأمن يأتي قبل الشعور بالأمان. لكن علينا أن نعطي الناس شعورا بالأمان”، قال كوخافي.

وأضاف أنه يأمل في أن يتم قريبا توقيع اتفاقية لوقف إطلاق النار مع حماس، لكنه قال إن إسرائيل لن تتردد اطلاق أي عملية عسكرية إذا لزم الأمر.

وقال قائد الجيش إنه يعلم أن هذا سيعني القتال في المناطق المدنية شديدة التعقيد، حيث أنشأت حماس العديد من المنشآت العسكرية، معتقدا أن إسرائيل ستكون أكثر حذرا وترددا في مثل هذا الموقع المكتظ بالسكان، والمليء بالمدنيين.

مضيفا: “قرر العدو أن يصنع مقره في بيئة مدنية، لكننا سنرد بقوة. سوف نحذر المدنيين الذين يعيشون هناك ونمنحهم الوقت للإخلاء”.

وقال كوخافي إن الجيش الإسرائيلي لن يمتنع عن مهاجمة البنية التحتية المدنية التي تستخدمها الحركات المسلحة لمهاجمة إسرائيل.

“سنضرب البنية التحتية للبلد التي تسمح بذلك، الغاز، الوقود والطرق. الدول التي تمكن أو تشجع الحركات المسلحة على العمل داخل حدودها يجب أن تعلم أنها ستتحمل المسؤولية”، قال، مشيرا تحديدا الى غزة، لبنان وسوريا.

طفل حافي القدمين وآخرون يتفرجون على حفرة أحدثتها غارة جوية إسرائيلية أسفرت عن تدمير منزل ومقتل ثمانية أفراد من عائلة أبو ملحوس، في دير البلح، وسط قطاع غزة، 14 نوفمبر، 2019. (AP Photo/Khalil Hamra)

وأشار قائد الجيش إلى حالة في معركة الشهر الماضي في غزة، قال إن “الكثير من المدنيين قد قتلوا” فيها عندما قصف الجيش الإسرائيلي منزل عائلة فلسطينية اعتقد خطأ انه منشأة عسكرية تابعة للجهاد الإسلامي، وأقر بوقوع أخطاء في عملية اختيار الهدف.

“لقد حققنا في هذا الأمر لعشرات الساعات، عشرات الساعات. لقد تم تعلم الدروس”، قال.

التجهيز للمستقبل

وتباحث كوخافي أيضا استعدادات الجيش للمستقبل في إطار خطته المتعددة السنوات المقترحة والمعروفة باسم “قوة الدفع”، أو “تنوفا” باللغة العبرية.

ووفقا لقائد الجيش، فإن جهوده الرامية إلى طرح هذه الخطة تتعثر بسبب الجمود السياسي الحالي لإسرائيل، والذي يمنع المصادقة على الميزانية اللازمة.

طواقم البناء الإسرائيلية تعمل على بناء جدار إسمنتي حدودي فوق وتحت الأرض على طول الحدود مع غزة، سبتمبر 2016. (لقطة شاشة: Ynet)

وقال كوخافي إن السياج الأمني الجديد والحاجز الوقائي تحت الارضي الذي يجري بناؤه حول قطاع غزة من أجل إحباط كل من الأنفاق وهجمات التسلل فوق الأرض على وشك الانتهاء.

وقال: “بحلول صيف عام 2020، سيتم الانتهاء من بناء الجدار”.

وأضاف كوخافي أنه يتم أيضا إجراء تحسينات على طول الحدود الشمالية وداخل الضفة الغربية لمنع الهجمات هناك.

وقال قائد الجيش إن أحد أهم الدروس التي تعلمها الجيش الإسرائيلي في السنوات الأخيرة هو الادراك أن الجيش عليه أن ينتصر بالحروب “بشكل سريع وحاسم”.

وقال: “نحن بحاجة إلى جعل أعدائنا ينهكون”.

وقدم كوخافي مثالاً على التفكير العسكري القديم غير الفعال اليوم، وهو احتلال إسرائيل لمرتفعات الجولان في حرب الأيام الستة عام 1967.

وكان الجيش السوري حتى ذلك الحين يستخدم مرتفعات الجولان لمهاجمة المستوطنات الإسرائيلية القريبة، مما دفع الجيش الإسرائيلي إلى الاستيلاء على المنطقة. لكن هذا لم يمنع سوريا من مهاجمة إسرائيل بعد سنوات قليلة، في حرب يوم الغفران المدمرة التي اندلعت عام 1973.

“لا يكفي غزو الجولان والوصول إلى خط معين. يجب علينا تدمير اسلحة العدو”.

وقال كوخافي: “إذا وصلت إلى خط، لكنك لم تدمر صواريخ الأعداء على طول الطريق، فإذا لم تنجح”.