قبل ساعات قليلة من ركوبه الطائرة متجها إلى السويد، تعهد الناشط الحقوقي المرّحل عمر شاكر بمواصلة وتكثيف عمله لتوثيق ما يزعم أنها انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان في إسرائيل والأراضي الفلسطينية.

وقال شاكر، الذي يدير قسم إسرائيل/فلسطين في منظمة “هيومن رايتس ووتش” ومقرها نيويورك، إنه سيقضي الأيام القليلة المقبلة في إطلاع الحكومات الأوروبية المختلفة على قضيته، وسيعود في النهاية إلى المنطقة لمواصلة عمله. على الرغم من إلغاء تأشيرته الإسرائيلية، إلا أنه سيبقى في منصبه الحالي، لكنه سيعمل من العاصمة الأردنية عمان.

وقال شاكر في مؤتمر صحفي عقد في فندق “أمريكان كولوني” بالقدس الشرقية: “اليوم يمثل ذروة الجهود المبذولة على مدى عدة سنوات لتكميم هيومن رايتس ووتش وتكميم حركة حقوق الإنسان على نطاق أوسع”.

وأضاف: “على الرغم من ترحيلي اليوم، فشلت الحكومة الإسرائيلية في تكميم هيومن رايتس ووتش وحركة حقوق الإنسان”، وتابع أنه “يمكن للعالم أن يرى عبر العلامات المختلفة التي علقتها الحكومة الإسرائيلية على هذه القضية”.

قامت إسرائيل بترحيل شاكر بسبب دعمه المزعوم لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات (BDS)، بينما يصر شاكر على أنه لم يقم هو شخصيا أو المنظمة التي يمثلها بالدعوة لمقاطعة إسرائيل.

في الوقت نفسه، أكد شاكر على أنه دعا الشركات العاملة في الضفة الغربية إلى “تجنب التواطؤ مع مؤسسة الاستيطان الإسرائيلية”.

الترحيل، الذي أيدته المحكمة العليا الإسرائيلية، سيجعل من شاكر أول شخص يتم طرده من البلاد بموجب قانون مثير للجدل تم سنه في عام 2017 ويسمح للدولة بترحيل الأجانب الذين يدعمون مقاطعة إسرائيل أو المستوطنات، وفقا للسلطات.

مشيرا إلى دعوات من الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيور غوتيرش، والإتحاد الأوروبي ونشطاء من حول العالم، الذين حثوا الحكومة الإسرائيلية على عدم المضي قدما في خطتها لترحيله، قال شاكر إن حقيقة إجبارة على مغادرة البلاد مع ذلك توضح حول ماذا دارت المعركة القانونية بشأن تأشيرته طوال الوقت.

وقال: “الأمر كان يتعلق بهجوم متصاعد على حركة حقوق الإنسان”.

وقال شاكر: “هذه من نواح كثيرة هي وظيفة أحلامي، وسيشرفني أن أواصل القيام بهذه المهمة من الخارج”، وأضاف: “أرجوكم أعلموا أن صمودنا وعزمنا لن يضعفا مقدار ذرة. سنواصل تغطية المواضيع نفسها… بنفس الكثافة ونفس المنهجية التي نطبقها في كل مكان آخر في العالم”.

وتحدث في المؤتمر الصحفي أيضا المدير التنفيذي لهيومن رايتس ووتش، كينيث روث، والذي يُعرف عنه انتقاده الشديد لسياسات الحكومة الإسرائيلية.

وقال روث: “اليوم هو يوم حزين للديمقراطية في إسرائيل التي يتم تقييدها بشكل متزايد”.

وأضاف: “كمسألة مبدأ، سنضاعف عملنا بشأن إسرائيل وفلسطين. سوف نستخدم نفس الباحثين ونفس المبادئ … نفس التقارير من جميع أطراف النزاع، ونفس التصميم على عدم الخضوع للرقابة الإسرائيلية”.

كينيث روث (يسار)، المدير التنفيذي لمنظمة هيوممن رايتس ووتشن، وعمر شاكر، مواطن أمريكي ومدير المنظمة في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، يتحدثان خلال مؤتمر صحفي عُقد في فندق بالقدس، 24 نوفمبر، 2019 قبل ترحيل شاكر من إسرائيل. (Photo by AHMAD GHARABLI / AFP)

على الرغم من أن الحكومة الإسرائيلية لا تريد أن يركز العالم على “القمع” الذي يقوم به “نظام الاستيطان”، إلا أن الرغبة في فرض الرقابة “ستزيد فقط من تسليط الأضواء” على المستوطنات، على حد تعبيره.

وقال روث: “باعتبارها خطوة لإسكات الرسول، كان لترحيل عمر شاكر نتائج عكسية قوية. سواء كان عمر داخل أو خارج إسرائيل … فإن هيومن رايتس ووتش موجودة لتبقى”.

وقال روث إن الحكومة الإسرائيلية عرضت على المنظمة فرصة لإرسال شخص ما ليحل محل شاكر، ولكن بما أن شاكر قد التزم بسياسة هيومن رايتس ووتش ولم يدعو إلى المقاطعة، فليس من المنطقي وضع شخص آخر في منصبه، كما قال.

وتابع قائلا: “لذلك لا يتعلق الأمر بعمر، بل يتعلق بهيومن رايتس ووتش. لا جدوى في استبدال عمر، لأن باحثنا التالي سيفعل الشيء نفسه بالضبط”.

وقالت وزارة الشؤون الإستراتيجية، التي قادت الجهود التي بُذلت لطرد شاكر، في بيان صدر يوم الاثنين إن إسرائيل لها الحق في أن تقرر من يستطيع ومن لا يستطيع دخول حدودها والحصول على تأشيرات عمل فيها.

وجاء في بيان للوزارة أن “عمر شاكر، كما قررت المحكمتان المركزية والعليا بالفعل… يروج بحماس للمقاطعة ضد إسرائيل. قبل أيام فقط من صدور الحكم النهائي في قضيته، أعرب مرة أخرى عن دعمه الصريح لمقاطعة وعزل دولة إسرائيل بأكملها”.

عمر شاكر، مدير “هيومن رايتس ووتش” في إسرائيل وفلسطين، داخل مكتبه في مدينة رام الله، 9 مايو 2018 (AFP Photo/Abbas Momani)

وأضاف البيان، “ترى دولة إسرائيل أهمية كبيرة في أنشطة منظمات حقوق الإنسان، وتمنح مئات التأشيرات كل عام للمنظمات المذكورة. هيومن رايتس ووتش مرحب بها لتعيين منسق آخر بدلا من السيد شاكر، الذي سيتعامل حقا مع حماية حقوق الإنسان بدلا من التركيز على الترويج لسياسات تضر بالمواطنين الإسرائيليين”.

عندما سئل من قبل أحد المراسلين عما إذا كانت إسرائيل هي أول ديمقراطية تطرد عاملا في مجال حقوق الإنسان، أجاب روث: “إسرائيل هي أول حكومة تعتبر نفسها ديمقراطية تقوم بترحيل العاملين في مجال حقوق الإنسان”.

وقال شاكر، وهو مواطن أمريكي من أصل عراقي، إن على المجتمع الدولي استخلاص العبر من ترحيله. وقال إنه يود أن يرى المحكمة الجنائية الدولية تفتح تحقيقا رسميا في الجرائم التي ارتكبتها جميع الأطراف في إسرائيل وفلسطين وقيام مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بنشر قاعدة بيانات للشركات التي تعمل في المستوطنات.

وقال: “إذا استطاعت الحكومة الإسرائيلية ترحيل شخص يوثق انتهاكات الحقوق دون مواجهة العواقب، فكيف يمكن أن نوقف انتهاك الحقوق؟ والرسالة التي يجب أخذها من هذه القاعة هي أنه يجب أن تكون هناك إعادة نظر في الطريقة التي يتعامل بها المجتمع الدولي مع هذه القضية”.

وبعد أن عاش في إسرائيل على مدى عامين ونصف، قال شاكر إنه طور “صداقات عميقة” وشراكات مع المجتمع المدني.

وردا على سؤال وجهه إليه مراسل تايمز أوف إسرائيل عما إذا كان لديه أي شيء إيجابي يقوله عن إسرائيل، أجاب شاكر: “لقد سنحت لي الفرصة للسفر عبر البلاد، وزرت مدنا وبلدات وقرى مختلفة وقمت بالتنزه وألتقيت بأشخاص مختلفين. إنه مكان رائع حقا، وسيكون أكثر روعة لو تم احترام حقوق الإنسان لكل شخص، والتعامل مع الجميع على قدم المساواة”.

بعد المؤتمر الصحفي، توجه شاكر إلى مطار بن غوريون، حيث كان من المقرر أن يستقل طائرة متجهة إلى ستوكهولم للقاء مسؤولين سويديين. في الأيام المقبلة، سيتحدث مع ممثلين من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وهولندا والبرلمان الأوروبي.

خلال مقابلة أجرتها معه وكالة “فرانس برس” هذا الأسبوع، قال روث إن دولا مثل كوريا الشمالية وفنزويلا وإيران طردت باحثين من هيومن رايتس ووتش، لكن لم تقم أي دولة ديمقراطية بمثل هذه الخطوة.

وأضاف: “لا أعتقد أن أي ديموقراطية أخرى قامت بطرد باحث في هيومن رايتس ووتش”.

وأشار إلى أن إسرائيل، رغم اجرائها انتخابات وتمتعها بصحافة حرة، تحاول “قدر ما تستطيع” اسكات جهود “تسليط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان التي محورها الاحتلال القمعي والعنصري للأراضي الفلسطينية”.

وحذرت المنظمة من “تداعيات وخيمة” على الجهود الدبلوماسية الإسرائيلية وعلى منظمات حقوق الانسان العاملة في البلاد وعلى الحرية السياسية.

وخاض شاكر معركة قانونية طويلة ضد قرار طرده، لكن المحكمة العليا أيدت في وقت سابق من هذا الشهر قرار الحكومة بترحيله.

وتعتبر إسرائيل أن حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات تشكل تهديدا إستراتيجيا عليها وتتهما بمعاداة السامية – وهي مزاعم ينفيها النشطاء في الحركة. مؤيدو الحركة يشبهون أنشطتها بالعزلة الاقتصادية التي ساعدت على انهيار نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

وزير الداخلية ارييه درعي يقود اجتماع لحزب ’شاس’ في الكنيست، 27 مايو 2019 (Yonatan Sindel/Flash90)

في وقت سابق من هذا الشهر قال وزير الداخلية الإسرائيلي أرييه درعي “يجب أن يعلم كل من يعملون ضد إسرائيل أننا لن نسمح لهم بالعيش أو العمل هنا”.

ولقد استندت القضية ضد شاكر في البداية على أقوال أدلى بها عبّر فيه عن دعمه للمقاطعة قبل توليه منصبه في هيومن رايتس ووتش.

كما أبرزت الحكومة في حججها ضده نشاطه قبل الانضمام الى هيومن رايتس ووتش، بما في ذلك انتقاده للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

وصرح شاكر لفرانس برس: “لم تدع هيومن رايتس ووتش ولم ادع انا كممثل لها، ابدا لمقاطعة اسرائيل”.

إلا أنه قال أن المنظمة لا تقيد حرية التعبير بما في ذلك الحق في الدعوة الى المقاطعة.

وأضاف: “لا يمكن ان ننكر بأن المقاطعات حول العالم أدت إلى تغيير أنظمة ظالمة، ولكن هيومن رايتس ووتش لا تتبنى موقفا تجاهها”.

ساهم في هذا التقرير وكالة فرانس برس وطاقم تايمز أوف إسرائيل.