يتسهار، الضفة الغربية – الأسبوع الذي مر به عيزري طوبي (45 عاما)، المتحدث بإسم مستوطنة “يتسهار” الإسرائيلية في الضفة الغربية، كان أسبوعا حافلا.

منذ إشعال النار في أواخر الشهر الماضي في منزل في قرية دوما في الضفة الغربية، الذي أسفر عن مقتل الطفل الرضيع علي سعد دوابشة (18 شهرا)، وما تلاه من إعتقالات لنشطاء من اليمين على صلة بـ”يتسهار”، لم يتوقف طوبي عن تلقي مكالمات من الصحافيين.

يقول طوبي للصحافيين عبر الهاتف، “قوموا بالزيارة، ولكن أرجوكم لا تتجولوا وتتحدثوا مع أشخاص (…) سئم سكان يتسهار من التحدث مع الصحافيين”.

سبب ذلك، كما يقول طوبي، هو أن صحافي صاحب أجندة معينة الذي يجيء للبحث عن التطرف سيجد عادة ما يبحث عنه.

“يتسهار” التي تضم 240 أسرة أصبحت “أرض الصفر” في التصور العام لتطرف “شباب التلال”، وهم شبان من أسر متدينة ومحافظة الذين يقومون بالإنتقال إلى بؤر إستيطانية ويدخلون في إشتباكات مع الجنود عند محاولة إخلائهم، ويقومون بإرتكاب جرائم “دفع ثمن” بشكل متقطع ضد أهداف فلسطينية ومسيحية وإسرائيلية.

لكون لطوبي رسالة يريد توجيهها للصحافيين. أولا، كما يقول، تدين الأغلبية الساحقة من سكان “يتسهار” جريمة قتل الرضيع الفلسطيني، التي، بحسب قوله، تخالف وصية “لا تقتل”.

ثانيا، الحاخام يتسحاق غينزبورغ، رئيس أحد المعهدين الدينيين في “يتسهار” – الذي درس فيه مئير إتينغر، المشتبه به بزعامة جماعة يهودية متطرفة – لا يتغاضى عن هجمات “دفع الثمن”، كما ذٌكر على نحو واسع.

“أنا شخصيا سمعته وهو يقول أن دفع الثمن هو أمر من الغبي القيام به في أكثر من مرة وأكثر من مناسبة في العام المنصرم”.

مستوطنة “يتسهار” تبدو هادئة بعد ظهر الخميس. يخرج عدد من الأشخاص من “سوبر ماركت كو أوب” بينما تقوم ام بدفع طفلها من أمام مطحنة الدقيق العضوي. لافتة على المدخل تدل الزوار على تحف بصناعة يدوية للبيع و”مخمرة بن بورات”.

مع ذلك، إذا كنت تبحث عن علامات للتطرف فبإمكانك العثور عليها. في محطة الحافلات في المستوطنة، بين شعارات غرافيتي غير مؤذية، ستجد عبارات مثل “أسقطوا الحكومة”، “علينا أخذ مصيرنا بين أيدينا”، و”الإنتقام”.

لا ينكر طوبي وجود أشخاص في المستوطنة يحملون وجهات نظر معادية للحكومة.

ويقول أنهم “يعارضون دولة إسرائيل لأنهم يشعرون بأن على دولة إسرائيل أن تكون يهودية. إنهم في الأساس في محيط المعهد الديني للحاخام يتسحاق غينزبورغ، “عود يوسف حاي”. إنهم مجموعة صغيرة من الأشخاص”. (استولى الجيش الإسرائيلي على المعهد الديني لمدة عام حتى شهر يونيو 2015 بعد سلسلة من الأحداث المعادية للعرب التي تضمنت أعمالا تخريبية في القرى وضد قوات الأمن الإسرائيلية من قبل مستوطنين محليين وطلاب المعهد الديني”.

بحسب موقع الكنيست، في إنتخابات 2015، 74% من سكان “يتسهار” صوتوا للحزب اليميني المتطرف “ياحد”، الذي يرأسه كل من ميخائيل بن أري وإيلي يشاي (والذي فشل في اجتياز نسبة الحسم ولذلك لم يحصل على مقاعد في الكنيست)، 20% منهم صوتوا لحزب “البيت اليهودي” القومي-المتدين، في حين أن 2% صوتوا لحزب “الليكود”. بالإضافة إلى ذلك، صوت 4 سكان لحزب “الورقة الخضراء” (عاليه ياروك)، الحزب الذي يدعو إلى تشريع الماريحوانا، بينما صوت ناخب واحد للقائمة (العربية) المشتركة.

عن سؤال فيما إذا كان هناك متطرفين في “يتسهار”، قال طوبي أنه بنفسه متطرف.

“قبل 10 أعوام أصدرت المحكمة بحقي قرارا بألا أكون في يهودا والسامرة. كانت لدي العديد من المحاكمات. أرادوا هدم بؤرة إستيطانية، ’حافات غيلعاد’، وكانت هناك إشتباكات. كنت مشاركا في الإشتباكات”.

ويضيف قائلا لتايمز أوف إسرائيل، “آسف لأنني لا ألائم صورتك عن التطرف. فالزبد لا يخرج من فمي”.

نشأ طوبي في نتنيانيا، في منزل عائلة معتدلة وملتزمة دينيا. بعد خدمته العسكرية، سافر إلى الشرق الأقصى لمدة عام ونصف العام عاد بعدها إلى إسرائيل والتحق للدراسة في معهد “ماخون مئير” الديني، الذي يدعو إلى المثل الدينية لإستيطان الأرض. يعيش في “يتسهار” مع زوجته أورا وأطفالهما الخمسة. يقوم الزوجين بعروض مسرحية موسيقية في جميع أنحاء البلاد لجمهور من النساء فقط. يقوم عيزري بالعزف على الغيتارة، بينما تقوم زوجته بالغناء والرقص.

عندما سُئل عن شعور سكان “يستهار” في أعقاب جريمة قتل الطفل الفلسطيني في الشهر الماضي، التي إرتكابها متطرفون يهود، والإعتقالات التي تلت ذلك، رد طوبي، “النفسية هي أن أصدقاءنا في تل أبيب وهؤلاء اليساريين يحاولون استغلال هذه الحادثة للتحريض ضدنا. على مدى الـ20-30 سنة الماضية يحاولون تشويه صورة المستوطنين في يهودا والسامرة، الذين هم اليوم مجموعة الأشخاص الوحيدة مع ما تبقى من الأيديولوجيا عدا ربح المال والشهرة”.

بحسب طوبي، فإن الليبراليين في إسرائيل والأجانب نادرا ما يُسمعون الصرخة نفسها عندما يتم سفك دماء يهودية.

“ما الفرق بين هذا الطفل الفلسطيني والطفلة ابنة الثلاثة أشهر [حايا زيسل براون] التي قُتلت [في شهر أكتوبر الماضي في هجوم وقع في القدس، عندما قام فلسطيني بدهسها؟ لم تم نسيان ذلك بعد بضعة ساعات؟ هل الدم اليهودي أرخص”.

ويقول أن الطريق رقم 60، الشريان الرئيسي الذي يمر عبر الضفة الغربية ويسافر عبره المستوطنون والفلسطينيون، هو موقع يتعرض لهجمات يومية ضد الإسرائيليين من “يتهسار” والمستوطنات المجاورة.

“هناك حادثة كل يوم تقريبا. كانت هناك زجاجات حارقة قبل يومين. قولي لي، لماذا نحن من يحمل السلاح؟ لماذا هناك سياجات حول قرانا وليس حول القرى الفلسطينية؟ إنهم يهاجموننا”.

فيما يتعلق بجريمة القتل في دوما، قال طوبي أنه يمقت الناس من تل أبيب الذين “ينظرون إليه نظرة فوقية ويطالبون بأن أعتذر. هم من عليهم الإعتذار. لم أعتذر عن مجنون فعل ما فعل”.

رحلة مخيفة في الحافلة

تمر الحافلة من “يتسهار” عبر عدد من المستوطنات النائية في طريقها إلى أريئيل، من بينها “هار براخا” و”كفار تبواح”. كما أنتها تعلق في حركة السير البطيئة في بلدة “حوارة” الصاخبة، حيث تظهر اللغة العبرية والعربية على بعض افتات المصالح التجارية هناك. يقول طوبي ان سكان “يتسهار” توقفوا عن زيارة هذه المحال.

ويقول، “لم نعد نثق بأحد – تدخل إلى كان، ولا تعرف إذا كان الشخص الذي يقف وراءك سيطعنك”.

المسافرين في الحافلة هم في الأساس مستوطنون وجنود. في “كفار تبواح”، هناك لافتة كُتب عليها، “ستكون هناك حرب على البناء في يهودا والسامرة. استعدوا ليوم المعركة”.

عن السؤال إذا كانت الرسالة في هذه اللافتة متطرفة كما تبدو، رد مسافر في العشرينات من عمره من “هار براخا”، “الحرب هي مجرد تعبير مجازي”.

نعم، ولكن هناك أشخاص يعيشون هنا متطرفون مثل أولئك الذين ظهروا في نشرات الأخبار المسائية، والذين يخططون لإسقاط الحكومة؟

“سمعت أشخاصا يتحدثون بهذه الطريقة، ولكنهم أقلية”.

أقلية بنسبة 2% أو أقلية بنسبة 10%؟

“ربما 10%”.

في مفرق “تبواح”، تصعد جندية بتسريحة شعر بصورة ذيل الحصان على الحافلة المدرعة، وتبدر مرتاحة لدخولها الحافلة.

يقول السائق لها، “أهلا بك أيتها الفتاة الشجاعة”. لا يُسمح للجنود بالسفر المجاني في مركبات غريبة، ما يؤدي إلى قضائهم وقتا طويلا في إنتظار الحافلات في المحطات. في أبريل 2013، قُتل إفيتار بوروفسكي، من سكان “يتسهار”، بعد تعرضه لللطعن في مفرق “تبواح”.

بعد بضعة دقائق من صعود الجندية إلى الحافلة، 50 كيلومترا إلى الجنوب، كان جنود آخرون أقل حظا. على الطريق السريع ذاته، في مفرق “سنجل”، قام سائق فلسطيني بصدم ثلاثة جنود كانوا يقومون بدورية بمركبته، ما أدى إلى إصابة إثنين منهم بجراح خطيرة، في هجوم دهس متعمد.