في شهر مارس الماضي، مررت الكنيست “قانون الحكم” الذي رفع نسبة الحسم في الإنتخابات -للعدد الأدنى من الأصوات التي ينبغي على الحزب الحصول عليها لدخول البرلمان – من 2% إلى 3.25%.

بالنسبة لعرب إسرائيل، فإن القرار الجديد كان بمثابة زلزال سياسي.

فازت الأحزاب العربية الرئيسية، التجمع، الجبهة، والقائمة العربية الموحدة ب-2.56% و-2.99% و-3.65% من الأصوات على التوالي في الإنتخابات الأخيرة. من دون تغيير جذري في التنظيم السياسي العربي، فإن الأحزاب التي تمثل غالبية الأصوات العربية لن تستطيع إجتياز الإنتخابات القادمة على الأرجح.

إحتج أعضاء الكنيست العرب بكل ما لديهم من قوة، واتهموا مؤيدي القانون “بالعنصرية” و”بالقمع” وقاموا بتنسيق “إحتجاج صامت” من على منصة الكنيست، وإنضم إليه عدد من أعضاء الكنيست في اليسار وحتى عدد قليل من أعضاء الكنيست الحاريديم، ولكن بالرغم من إحتجاجاتهم وتعبيرههم عن معارضتهم الشديدة لمشروع القانون، الذي يهددهم بحسب كلمات أحد أعضاء الكنيست “بالإنقراض السياسي”، فشل النواب العرب بوقف أو حتى إبطاء إقراره.

تجدر الإشارة إلى أن القانون لم يستهدف صراحة الأحزاب العربية، وفي الواقع كان فكرة وليدة اليسار في صفوف أولئك الذي أملوا في أن رفع نسبة الحسم ستساعد على إستقرار الحكومات وتحسين الحكم. وعارض عضو الكنيست يتسحاق هرتسوغ، الذي يتزعم الآن حزب العمل والمعارضة، بشدة القانون الجديد في الكنيست، ولكنه كان قد قدم بنفسه إقتراحا لرفع نسبة الحسم إلى 5% في الكنيست السابقة.

ولكن لا صلة لجذور هذا الإجراء بتجربة تمريره بالنسبة لأعضاء الكنيست العرب. كانت هذه لحظة أظهرت بشكل حاد عجز الأحزاب العربية والسياسة العربية بشكل عام في دولة اسرائيل.

هذا المزيج – زيادة الوزن الإنتخابي وصدمة العجز والإحتمال الحقيقي لعدم دخولهم إلى الكنيست القادمة – أطلقت موجة من الجهود لتوحيد الأحزاب العربية المنقسمة، وولدت جوعا جديدا لتأثير حقيقي في صفوف البرلمانيين العرب. على مدى الشهر الماضي، بدأ أعضاء كنيست وناشطين من الأحزاب العربية الرئيسية الثلاث مناقشة القائمة الموحدة.

عندما عُقدت جلسة الكنيست في 23 سبتمبر 1993، لإجراء تصويت نزع ثقة عن الحكومة بسبب التوقيع على إتفاقيات أوسلو، هدد ذلك مستقبل عملية السلام الجديدة.

تم التوقيع على إتفاقيات أوسلو في حديقة البيت الأبيض في 13 سبتمبر. بعد عشرة أيام، وبعد أيام طويلة جدا من النقاشات الحادة في الكنيست، تم طرح التصويت على نزع الثقة. إذا إستطاعت الحكومة إجتياز هذا التصويت، تكون الكنيست قد منحت الحكومة موافقتها على مسار الحكومة الجديد والدراماتيكي. وإذا لم يحدث ذلك، فستسقط الحكومة مع سياسة السلام الجديدة.

كان التصويت متقاربا. من أصل 120 عضو كنيست، صوتت أغلبية لا تزيد عن 61 صوتا ضد الإقتراح (وبالتالي لصالح أوسلو). دعم خمسون نائبا إسقاط الحكومة، بينما إمتنع ثمانية، وغاب نائب واحد عن التصويت.

قد يُعتبر 61 صوتا مقابل 50 فوزا ساحقا في كثير من الديمقراطيات في العالم حول قضايا خلافية، ولكن إلقاء نظرة فاحصة على هوية الأحزاب التي صوتت تكشف حقيقة مذهلة، سواء بشأن عملية أوسلو أو بشأن السياسة الاسرائيلية بشكل عام. لو لم تحصل الحكومة على 5 أصوات من أحزب المعارضة العربية، فكان المعكسر الداعم لأوسلو سيحصل فقط على 56 صوتا – ومن دون القرار المفاجئ لستة نواب من حزب شاس المتدين الإمتناع عن التصويت، فكان المعسكر الرافض لأوسلو سيحصل على 56 صوتا أيضا.

معنى ذلك، أنه من دون أصابع السياسة الإسرائيلية، وحفنة من الأصوات العربية المؤيدة وإمتناع النواب المتدينين، فد تكون إتفاقيات أوسلو قد ماتت عند ولادتها على الفور. مع تيار مركزي إسرائيلي منقسم على نفسه، فإن الأقليات العرقية والدينية في البلاد هي التي قررت عمليا بشأن أكثر سؤال سياسي إثارة للجدل في ذلك الجيل.

الآن وبعد مرور جيل، ‘زداد الوزن السياسي للأقليات في إسرائيل بشكل كبير. في 1993، كان لدى الأحزاب العربية الرئيسية – الحزب العربي الديمقراطي والجبهة – مقعدين وثلاثة مقاعد على التوالي. عند حلول 2014، قفزت الأحزاب العربية الرئيسية الثلاثة مجتمعة من 5 إلى 11 مقعد، (إزدادت مقاعد الأحزاب المتدينة اليهودية أيضا من 10 إلى 18 مقعدا).

في الأسابيع الأخيرة، أخذت ذكرى هذا التأثير الحاسم حيزا كبيرا في وعي أعضاء الكنيست العرب، فهم أيضا يجدون أنفسهم أمام مفترف طرق سياسي مصيري.

’لماذ لا نتحد؟’
في حديث مع تايمز أوف إسرائيل قال عضو الكنيست إبراهيم صرصور، رئيس أكبر حزب عربي، القائمة العربية الموحدة: “إذا قمنا برفع عدد مقاعد الكنيست [العربية]، فبإمكاننا أن نساعد في تشكيل الحكومة، أو إسقاطها”.

تصريحات كهذه هي ليست الخطاب المعتاد بين أعضاء الكنيست العرب، الذين يخرجون غالبا ضد السياسة الإسرائيلية أو المجتمع الإسرائيلي، ولكن نادرا ما يقترحون أنهم يخططون للعب في إطار النظام الديمقراطي، حيث لا تتطلب لعبة الأخذ والعطاء البرلمانية القدرة على التنديد بالمعارضين فقط، ولكن دعمهم ايضا في بعض الأحيان.

يقول صرصور الآن صراحة، “سندعم الحكومة”، ولكن فقط في سعيها لتنفيذ “مطالبنا: المساواة التامة بين المواطنين في إسرائيل، وخاصة بين العرب واليهود، والسلام بين اليهود والفلسطينيين”.

الحديث عن قائمة عربية موحدة هو ليس بأمر جديد. حيث يشير صرصور بنفسه إلى أن القائمة العربية الموحدة تدعو إلى ذلك من حيث المبدأ منذ تشكيل القائمة في 2006.

ولكن الآن، بتحفيز من نسبة الحسم المحبطة وإدراك بأنهم قد يجدون أنفسهم عاجزين أكثر من أي مرة مضت بينما يقرر آخرون مصيرهم السياسي، إنتشرت الدعوة إلى الوحدة بين الفصائل العربية السياسية، والدعم للخطوة واضح.

يقول عضو الكنيست حنا سويد (الجبهة) لتايمز أوف اسرائيل: “يدرك كل طفل صغير في المجتمع العربي هذه القضية ويتحدث عنها”.

تنادي القائمة العربية الموحدة ذات التوجه الإسلامي إلى هذه الخطوة علنا. عضو الكنيست جمال زحالقة، رئيس حزب التجمع الوطني العلماني، يقول لكل شخص على إستعداد أن يسمعه بأن محادثات الوحدة الجديدة هي فكرته. وحتى أعضاء الكنيست من الجبهة، حزب عربي- يهودي شيوعي يرفضة توصيفه بأنه حزب “عربي”، يدعمون الآن فكرة إطار عربي.

ويقول سويد: “الجبهة ليست حزبا عربيا، معظم مصوتيه يأتون من المجتمع العربي، ولكنه حزب عربي-يهودي، لذلك فالمعضلة أكثر حدة بالنسبة لنا”.

ويوضح: “نحن لا نعارض من حيث المبدأ، ولكننا طرحنا معظم الأسئلة حول هدف وفعالية هذه الوحدة كجواب للتحديات التي تواجهنا، وما إذا كانت ستأتي بما نتوقعه – رفع تمثيل المجتمع العربي في الكنيست وجلب المزيد من العرب إلى صناديق الإقتراع”.

“مع ذلك، عندما تواجه انقراضا سياسيا، عليك الإختيار بين أهون الشرين”.

التحديات التي تواجه الوحدة هائلة. سويد هو مسيحي من الجليل حاصل على شهادة الدكتوراه في الهندسة من معهد التخنيون المرموق. سياساته- في الواقع قصة حياته- بعيدة كل البعد عن بدو النقب الفقراء الذين يشكلون قاعدة دعم رئيسية للقائمة العربية الموحدة.

في العام الماضي، خلال نقاش في الكنيست حول مشروع القانون، أظهر زحالقة هذه النقطة بقوة.

حيث قال: أن “هناك فجوة هائلة بيني كقومي علماني عصري مستنير وبين الشيوعيين [في الجبهة] والإسلاميين [في القائمة العربية الموحدة]. أن تقول: ’خوضوا الإنتخابات كحزب واحد، كلكم عرب’ هو توجه أبوي”.

لغة الخطاب تتغير الآن.

عندما يتعلق الأمر بأجندتهم البرلمانية، “99% من قضايانا هي القضايا ذاتها”، كما قال صرصور هذا الأسبوع: “القضايا الأيديولوجية ثانوية جدا ونادرا ما تعلو على السطح، لذلك إذا كنا نتعامل مع 99% من القضايا، فلماذا لا نتحد؟”

يقول سويد: أن “تبرير أولئك الذي يدفعون من أجل الوحدة هو أن كل المجتمع العربي يعاني من نفس التمييز أو العنصرية”، ويضيف قائلا: “ولا مجال هناك للتمييز بين كل مجموعة في المجتمع العربي، فهم يواجهون التحديات ذاتها”.

هناك نقطة أخرى تأتي في صالح قائمة موحدة – بأنها ليست مضطرة أن تظل موحدة بعد الإنتخابات. تظهر قوانين الإنتخابات الاسرائيلية مرونة كبيرة عندما يتعلق الأمر بتوحد الأحزاب أو انفصالها. إذا كانت قائمة كنيست مشكلة من أحزاب مسجلة بشكل منفصل (ميرتس والبيت اليهودي والقائمة العربية الموحدة هم أمثلة على ذلك)، فبإمكانها الإنقسام كما تشاء بعد الإنتخابات. معنى ذلك أن الأحزب العربية ستحتاج للتوحد ضمن قائمة واحدة لخوض الإنتخابات إذا أرادت ضمان اجتياز نسبة الحسم الإنتخابية، ولكن بإمكانها الإنفصال إلى الفصائل التي تشكل هذه القائمة فورا بعد دخولها الكنيست.

رفض مؤيدو رفع نسبة الحسم الإنتخابية إدعاءات العرب من البداية مع طرحهم هذه النقطة. “سيكون على العرب خوص الإنتخابات معا، ولكن هم غير مضطرين للبقاء معا”، كما قال أحد أعضاء الكنيست.

مع ذلك، يزيد ذلك من حدة الإنتقادات الموجهة من قبل أعضاء الكنيست العرب، حيث يتساءل سويد: “إذا كان الأمر مجرد وحدة تقنية، وبإمكاننا الإنفصال بعد ذلك، فما الفائدة من تمرير مشروع القانون هذا في المقام الأول؟”

خيار قاس
هناك بعض الحقائق التي يمكن تمييزها حول إعادة تعديل الأحزاب العربية. لم يتم التوقيع على أية وثائق، ولم يتم التوصل إلى اتفاقات، ولكن الحديث بين أعضاء الكنيست العرب يكشف الكثير. تظهر الحقيقة البسيطة أن الخطاب تحول من الغضب إلى المزايا المحتملة التي قد تأتي بها الوحدة أن المبدأ أصبح مقبولا، ويجب فقط الإتفاق على التفاصيل (وخاصة القضية الشائكة حول من سيترأس هذه القائمة).

في شهر مارس، قبل وقت قصير من تمرير “قانون الحكم” في الكنيست، كان عضو الكنيست أحمد طيبي (القائمة العربية الموحدة) يتحدث عن مزايا الوحدة.

وقال الطيبي: أن “قائمة مشتركة ستزيد من إقبال الناخبين في المجتمع العربي، وبالتالي من عدد الأعضاء العرب في الكنيست”.

يوافقه صرصور الرأي الآن: “نعتقد أن الوحدة قد تأتي بقفزة نوعية في إقبال الناخبين في صفوف المواطنين العرب”، ويضيف، “من خلال تحليل عميق للمجتمع العربي، استنتجنا أن أكثر من 20% من العرب الذين يحق لهم التصويت والذين لا يصوتون يقومون بذلك ليس من منطلق أيديولوجي [أي رفض السيادة الاسرائيلية]، ولكن بسبب اللامبالاة. لذلك فنحن نرى أن الوحدة كمحفز لجلبهم إلى صناديق الإقتراع. وبإمكان ذلك رفع عدد أعضاء الكنيست العرب من 11 إلى 15 أو 16 على الأقل”.

وقال زحالقة في الأسبوع الماضي: “نعتقد أن 14 هو حد أدنى واقعي”.

مع نظام القوائم الحزبية فيه، يمكن القول أن الكنيست الإسرائيلي هو واحد من أكثر البرلمانات تمثيلا في الدول الديمقراطية، للأفضل وللأسوأ. تغيير في المزاج الوطني أو تحولات ديمغرافية ودينية في المجتمع الإسرائيلي قد تؤثر بسرعة وبشكل كبير على برلمان الدولة، ولكن قد يكون للسياسات البرلمانية تأثير كبير في الإتجاه المعاكس أيضا. الذي يحدث في الكنيست بإمكانه أن يحدث تغييرات في هويات وإلتزامات جمهور الناخبين.

في إنتخابات سابقة، تنافست الأحزاب العربية الرئيسية فيما بينها على خوض الإنتخابات، وتنافست عادة للحصول على دعم فاتر من قاعدة عرقية محدودة. في حالة أكبر حزبين، التجمع والقائمة العربية الموحدة، غالبا ما يحدث تداخل بين أجندتهما وناخبيهما. هناك الكثير من القوميين العرب في القائمة العربية الموحدة، والكثير من المسلمين المتدينين في التجمع. في حين أن خطابهما يركز عادة على سياسيين من اليمين اليهودي، مع ذلك تسلط حملاتهما الإنتخابية على اختلافهما عن أحزاب عربية أخرى، بدلا من التركيز على مصالحهم المشتركة.

بالنسبة للإدراك اليهودي، فإن الوحدة بين الأحزب العربية قد يبدو طبيعيا وغير هام، ولكن في السياق السياسي العربي فإنه سيمثل نموذجا جديدا من الدعاية الإنتخابية، نموذجا مع قدرة على توليد وعي سياسي جديد. القائمة الجديدة ستدعو العرب في إسرائيل إلى التصويت كـ”عرب” من دون تمييز، مع تهميش الإلتزامات الإشتراكية أو الإسلامية أو غيرها لصالح هوية سياسية أكثر شمولة.

وإذا، كما تتوقع الأحزاب الثلاث جميعها، فإن هذه العروبة الإنتخابية المبسطة تشكل صدى للناخبين بشكل لا تستطيع فروق أيديلوجية أخرى فعله، قد تشهد البلاد قريبا ولادة وعي سياسي عربي أكثر انخراطا وحزما، موحد في مطالبته بحصة أكبر من الموارد الوطنية ورغبته الجديدة في استغلال وزنه السياسي المتزايد.

نادرا ما واجهت مجموعة سياسية خيارا قاسيا كهذا بين نسيان إنتخابي محتمل وإزدياد دراماتيكي محتمل. وأعضاء الكنيست العرب يظهرون ردة فعل على هذا الإختيار كما كان متوقعا.

يؤكد صرصور أن “فرص الوحدة أكثر من 80%”.

ويقول سويد: أن “الجميع يوافق على ذلك، ولا أرى الكثير من الحواجز”.

ولكن هذه الأحلام تنتمي إلى المستقبل. على السياسيين العرب إظهار قدرتهم على إنشاء قائمة موحدة قبل كل شيء، والناخبين عرب على إستعداد للتصويت لها.