في أقل من 45 يوما، بإمكان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن يطمئن أخيرا بأنه ربح ما قد تكون لعبة البوكر السياسية الأكثر خطورة التي لعبها في حياته السياسية.

في 20 يناير – يوم تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد – سيودع الرئيس باراك أوباما المنصة الدولية، ومعه شبح بعض الخطوات الإنتقامية ضد الحكومة الإسرائيلية. عندما يستلم دونالد ترامب منصب الرئاسة، لن يكن لنتنياهو ما يدعوه للقلق حول رد فعل واشنطن على معارضته الصاخبة للإتفاق النووي الإيراني أو التوسع الإستيطاني دون هوادة.

ستة أسابيع هي فترة طويلة يمكن أن تحدث فيها أمور كثيرة. ولكن كما تبدو الأمور عليها الآن، فإن نهج مواجهة الإدارة المنتهية ولايتها – الذي ساعده محليا، لكن النقاد اعتبروه رهانا خطيرا على الدعم الأمريكي الضروي لإسرائيل – جاء في مصلحته تماما.

تجدر الإشارة إلى أنه ما زال بإمكان أوباما بذل جهود في اللحظة الأخيرة لتعزيز إرثه على العملية السلمية، سواء من خلال دعم قرار متعلق بفلسطين في مجلس الأمن الدولي أو من خلال بعض الإجراءات الأخرى.

ما يُسمى بـ”مشروع قانون التسوية” الذي يسعى إلى شرعنة بؤر إستيطانية إسرائيلية في الضفة الغربية  وتم تمريره في قراءة أولى في الكنيست، قد يوفر للبيت الأبيض ذريعة لدعم خطوة في الشأن الفلسطيني أو المبادرة إلى بعض الإجراءات العقابية.

لكن فرص حدوث ذلك تبدو ضئيلة أكثر وأكثر. العديد من المسؤولين الأمريكيين الكبار أشاروا مؤخرا إلى أنه لن تكون هناك على أغلب الظن خطوات على الجبهة الفلسطينية قبل مغادرة أوباما للبيت الأبيض. تمت مناقشة مشروع قرار في مجاس الأمن أو خطاب رئاسي حول إطار محتمل لإتفاق سلام في البيت الأبيض قبل 8 من نوفمبر، ولكن بعد الإنتخابات وإنتصار ترامب المفاجئ، اختفت هذه الفكرة.

متحدثا أمام “منتدى سابان” في واشنطن الأحد، لم يستبعد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري تأييد خطوة في الأمم المتحدة، لكنه أكد أيضا على استمرار الولايات المتحدة في سياستها المتبعة منذ مدة طويلة بإستخدام حق النقض ضد مشروعات قرارات أحادية تهاجم إسرائيل.

وقال كيري: “وقفنا دائما ضد أي فرض لإقتباس ’حل الوضع النهائي’ وضد أي مشرع قرار غير منصف ومنحاز ضد إسرائيل، وسنستمر في ذلك (…) إذا كان منحازا وغير منصف ومشروع قرار يهدف إلى نزع الشرعية عن إسرائيل، سنعارضه. بكل تأكيد سنعارضه”.

هذه لا تبدو كلمات شخص يعتزم توجيه ضربة موجعة لإسرائيل من خلال خطوة عدائية متعلقة بعملية السلام.

الإنتقادات الحادة التي وجهها كيري لحكومة نتنياهو اليمينية الداعمة للإستيطان تبدو كمحاولة أخيرة لدبلوماسي محبط لتقديم أعذار تفسر فشله، أكثر من كونها محاولة سياسي ماكر يجهز الرأي العام الإسرائيلي لمفاجأة في الأمم المتحدة.

إذا كان هذا التقييم صحيحا ولم تقم الإدارة الأمريكية المنتهية ولايتها بإتخاذ أي خطوات على الجبهة الفلسطينية، بإمكان نتنياهو أن يهنئ نفسه على لعبه لعبة خطيرة للغاية لسنوات والفوز بها في نهاية المطاف.

إن العلاقة الشخصية بين نتنياهو وأوباما كانت مشحونة منذ البداية. في عام 2012، توقع المشككون بأن الرئيس المنتخب حديثا للمرة الثانية، بعد تحرره من الضغوط الإنتخابية، سوف ينتقم من الزعيم الإسرائيلي الذي ألقى له محاضرة علانية عن حدود 1967 في المكتب البيضاوي.

لم يحدث ذلك طبعا. خلال زيارته التي تلت ذلك إلى إسرائيل، في مارس 2013، بدا أوباما حريصا على فتح صفحة جديدة وأمطر الشعب الإسرائيلي وقائده بالإطراءات والمديح.

عندها جاء الإتفاق النووي مع إيران، الذي دفعت به الدول الست الكبرى بقيادة الولايات المتحدة. في حين أن بلدان أخرى في الشرق الأوسط التي لم تكن راضية هي أيضا عن الإتفاق لم تبث إنتقادها علنا. اتخذ نتنياهو قرارا إستراتيجيا لمهاجمة الإتفاق جهارا وبقوة من على كل منصة ممكنة.

في أوائل عام 2015، في ذروة الجدل، تحدى نتنياهو رغبة الإدارة الأمريكية الواضحة وقبل بدعوة الجمهوريين لعرض إنتقاده أمام جلسة مشتركة لمجلسي الكونغرس الأمريكي. خطابه، الذي أدلى به قبل أسبوعين من الإنتخابات الإسرائيلية، منح نتنياهو المنصة المثالية لتصوير نفسه على أنه مدافع بليغ لا يعرف الخوف عن إسرائيل والذي لا يتردد في مواجهة القوة العظمى الوحيدة في العالم. منتقدوه رأوا أنه من خلال إثارة غضب الحكومة الأمريكية، يراهن نتنياهو على أمن إسرائيل. لكن يبدو أن ذلك لم يضر به في صناديق الإقتراع.

الكثير من المراقبين – من ضمنهم كاتب هذا المقال – حذروا من أن هجوم نتنياهو الجريء على المشروع الأقرب على قلب أوباما في السياسة الخارجية، والذي شنه من خلال خطاب ألقاه بلغة إنجليزية متقنة في الملعب البيتي للرئيس الأمريكي، قد يلحق ضررا بالغا بدعم الحزبين الرئيسيين في أمريكا لإسرائيل ولن يمر مرور الكرام.

قبل إبرام الصفقة مع إيران، سعى مسؤولون أمريكيون إلى تهدئة الإنتقادات الإسرائيلية الحادة من خلال تقديم عرض سخي بزيادة حزمة المساعدات العسكرية المالية القائمة. الكثير من الإسرائيليين، الذين أدركوا أن الحرب ضد الصفقة الإيرانية هي حرب خاسرة لأن الدول الكبرى الست ترغب بها بشدة، حضوا نتنياهو على بذل كل ما هو ممكن ومحاولة التفاوض على زيادة سخية على المساعدات العسكرية. رأى هؤلاء أنه بمجرد التوقيع على الإتفاق، ستكون الإدارة الأمريكية الناقمة، المنهكة من درء الإنتقادات الإسرائيلية، أقل سماحة. ولكن نتنياهو راى أن قبول المزيد من المال من واشنطن قد يفسر على أنه قبول ضمني بالإتفاق النووي الإيراني.

في 14 سبتمبر، بعد أكثر من عام من التوقيع على الإتفاق النووي الإيراني، تعهدت الولايات المتحدة بتقديم 38 مليار دولار للسنوات العشرة القادمة على شكل مساعدات أمنية للدولة اليهودية – أكثر من نصف ما تعطي أمريكا للعالم بأسره.

قد لا نعرف أبدا ما إذا كان بإمكان إسرائيل الحصول على صفقة أفضل لو كان نتنياهو خفف من معارضته العلنية للصفقة الإيرانية. بعض المراقبين أشاروا، بعد النظر إلى التفاصيل الدقيقة، إلى أن مذكرة التفاهم الجديدة تشكل زيادة صغيرة نسبيا مقارنة بسابقتها، التي ينتهي العمل بها في أواخر 2018. ولكن حقيقة أن الإتفاق الجديد – الذي تصل قيمته إلى أكثر من 10.4 مليون دولار سنويا – هو المبلغ الأكبر على الإطلاق الذي تحصل عليه أي دولة في تاريخ الولايات المتحدة هي حقيقة لا يمكن إنكارها.

بعض المراقبين قالوا في ذلك الوقت، أن أوباما أظهر هذا الكرم والتسامح رغبة منه فقط بتصوير الديمقراطيين على أنهم حزب مؤيد لإسرائيل قبل الإنتخابات الرئاسية التي أجريت في 8 نوفمبر. لقد احتاج إلى فوز هيلاري كلينتون حتى لا يقوم منافسها الجمهوري بإلغاء إنجازاته التاريخية مثل إصلاح الرعاية الطبية والإتفاق الإيراني. ولكن، كما حذر بعض المراقبين، بمجرد إنتهاء الإنتخابات، فإن بطة أمريكا العرجاء، الآن وبعد أن تحرر من الإعتبارات السياسية، سيوجه غضبه المكبوت على الأرجح باتجاه خطوة ضد إسرائيل في مجلس الأمن.

الأسابيع الستة المتبقية ستظهر فيما إذا لم يكن هذا الهاجس في محله أيضا. في ظل انتصار ترامب، وعلى افتراض أنه سيتراجع عن أي مبادرة قادها أوباما حول العملية السلمية، يبدو من غير المرجح أن تقضي الإدارة المنتهية ولايتها الأسابيع الستة الأخيرة في التورط في معركة أخرى في الشرق الأوسط.

تجدر الإشارة إلى أن ما يُنظر إليه كميل ترامب للسماح لإسرائيل بتوسع إستيطاني لا حدود له قد يشكل صداعا لنتنياهو في الداخل. خصومه في حزب (البيت اليهودي) اليميني المتشدد سيطالبون بإحداث طفرة في البناء، ورئيس الوزراء – الذي يصرح بأنه يؤمن بحل الدولتين – قد يجد نفسه أمام موقف يصعب عليه فيه شرح سبب عدم قيامه بضم الضفة الغربية.

على إسرائيل أن تقلق أيضا من التقارب المتوقع بين الرئيس الأمريكي المقبل وروسيا – ما يعني أنه سيمنح موسكو حرية التصرف مع حلفائها في طهران وسوريا وبالتالي تعزيز قوة “حزب الله”.

ومع ذلك، وبالنظر إلى الصورة الأشمل، يبدو أنه بعد يوم التنصيب سيتعين حتى على المنتقدين الإقرار بأن جميع توقعات يوم القيامة حول تعثر العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وصب أوباما جام غضبه على الدولة اليهودية في مجلس الأمن لم تتحقق.