محل الوشم الذي يملكه وليد أبو عياش، يبعد بضعة مئات الأمتار فقط عن كنيسة المهد. في واحد من الطرق المؤدية إلى السوق، في الطابق الثاني، يستقبلنا مع ذراعين مزينين برسوم وصدر مع وشم للمسيح.

هذا المحل الفريد من نوعه، الوحيد في الضفة الغربية كما يقول، تم افتتاحه بعد تعلمه لفترة طويلة هذه المهنة في محل أوشام في شارع يافا في القدس.

يقول أن “الزبائن بمعظمهم مسيحيون. المسلمون أقل. بالنسبة لهم هذا حرام، ممنوع. هذا ممنوع عندكم أيضا اليهود”.

يتضح أن عدد ليس بقليل من المسيحيين الذي يزورون المكان الذي وُلد فيه المسيح بحسب الديانة المسيحية، يطلبون رسم وشم صليب على جسدهم، ربما كمحاولة وجدانية لحفر التجربة الروحانية على جسدهم. وهكذا بالإمكان أن تجد في هذا المحل الصغير (والرائع) عشرات الأشخاص، نساء ورجال، مسنون ومسنات، الذين يجلسون في انتظار دورهم لوضع وشم الصليب على جسدهم.

يقول، “أعمل مع كل المجموعات المسيحية. الأقباط والآشوريين والأرمن. كلهم يريدون الصليب. لدي رخصة خاصة لتشغيل هذا المحل ولكن نعم، لدي مخاوف من أن تقوم جماعات إسلامية متطرفة بمحاولة إلحاق الأذى بي”.

على شاشة البلازما عنده تظهر فكرة لوشم، بالإنجليزية، على ذراع شخص: “ليئور، أيضا عندما لا أكون معك، أنا دائما معك. 18.1”. اتضح أن زوجين إسرائيليين أصرا على أن يقوم وليد بكتابة هذه العبارة على جسديهما كرمز لحبهما الكبير.

على بعد 30 مترا فقط من المحل، يصل الكثير من المصلين المسلمين إلى المسجد الرئيسي في المدينة. في الجهة المقابلة يحتشد مئات السياح المسيحيين في ساحة مدخل الكنيسة.

يبدو أن تدفق الحجاج المسيحيين كبير، وأن المزيد من المجموعات تزور المدينة، تأتي بمعظمها مباشرة من إسرائيل. وهذه هي بيت لحم. المدينة التي تعلم فيها المسيحيون والمسلمون العيش حياة مشركة وأهم مجال إقتصادي فيها هو السياحة، مع اعتماد كبير على الجانب الإسرائيلي.

العلاقة بين الأديان شهدت في سنوات مضت، خاصة في بداية الإنتفاضة الثانية، الكثير من التوترات. اليوم يمكن وصف الوضع بأنه أكثر هدوءا. ومع ذلك، في صفوف المسلمين هناك عدد لا بأس به من المزاعم حول القوة والثروة التي جمعها المسيحيون بين أيديهم.

في الزقاق المقابل، افتتح الإخوة أبو نايف مقهى ستاربكس، تماما مثل ذلك الذي في الولايات المتحدة، ولكن دون ترخيص. يقول عادل، الذي يملك مطعم للمأكولات العربية، أن الرابحين الأكبر اليوم من السياحة في بيت لحم هم 10-12 عائلة مسيحية كبيرة.

“هم أصحاب فنادق ومحلات بيع التذكارات وطبعا فإن الرابحين الآخرين هم الإسرائيليون. فالسياح لا يتجولون تقريبا في المدينة. لا يقومون بالتسوق إلا في محلات بيع التذكارات التابعة لهذه العائلات. يذهبون للنوم في إسرائيل. من يأتي للنوم هنا، هم عادة السياح الأفقر، مثل النيجيريين والمصريين”. بحسب أقواله خلال أشهر الحرب في غزة وبعدها مباشرة كان هناك هبوط حاد في عدد السياح.

ويضيف، “لا يكون لديك أدنى شك أن الوضع الإقتصادي في المدينة صعب جدا. قلائل فقط الذين يخرجون للعمل في إسرائيل، 70% من الشبان هنا لا يعملون”.

ليس بعيدا عن ستاربكس نسخة بيت لحم، يقع السوق المحلي. ظاهريا يبدو أن هناك حركة نشطة للمارة ولكن من دون إستثناء يشتكي الجميع هنا من الوضع الإقتصادي. الطبق المحلي الأكثر شعبية في الأكشاك هو الكبد المطبوخ من لحم العجل والخروف في خبز. في صالون سميح، يقوم عدد من الشبان من سكان بيت لحم بقص شعرهم. جميعهم طلاب مسلمون في الجامعة في المدينة، بإستثناء محمد، حلاق الشعر، الذي يبلغ من العمر (22 عاما). الباقون، معتز ومحمود، عاطلون عن العمل. يجمعهم حلم مشترك، ترك بيت لحم والأراضي الفلسطينية والإنتقال للعيش في الخارج.

“أتعلم في الجامعة هندسة إتصالات وسأنهي دراستي في العام القادم”، يقول معتز ابن الـ21 عاما. “بعد ذلك أريد السفر من هنا والإنتقال للعمل في الإمارات. لماذا؟ لأنه لا يوجد عمل هنا. ومن يعمل أيضا لا يكسب شيئا. لا يوجد هناك أي شخص يرغب في فتح مصلحة تجارية في هذه المدينة. لإخوتي لا توجد تصاريح للعمل في إسرائيل. المسألة السياسية، حماس أو فتح، لا تهم أحدا هنا. الجميع، جميع أصدقائي يريدون ترك [هذا المكان]”.

صديقه محمد أيضا (21 عاما)، يشاركه الرأي. “سأبحث عن عمل هنا ولكن أريد الإنتقال إلى الخليج، هناك بالإمكان إيجاد عمل وراتب جيد”.

ما سبب هذا الهدوء في المدينة؟

“لأنه لا يوجد هناك من يرغب بالمشاكل. في اللحظة التي ستقوم بها بأي عمل، سيعتقلك الإسرائيليون أو السلطة”.

وكيف العلاقات هنا مع المسيحيين؟ هل يسمحون لكم بالزواج من فتاة مسيحية؟

“مبدئيا لا توجد هناك أية مشكلة بين المسيحيين والمسلمين، لدينا أصدقاء مسيحيين والأمور على ما يرام. ولكن الزواج هذا أمر آخر. إذا أراد مسلم الزواج من مسيحية ستمنع عائلتها ذلك، وإذا أراد مسيحي الزواج من مسلمة، عائلتها لن توافق”.

قصص مضايقات مسلمين من نشطاء المنظمات في الأساس للمسيحيين سكان بيت لحم وبيت جالا تبدو كتاريخ بعيد. من بيوت بيت جالا كانوا يوجهون أسلحتهم نحو حي غيلو الإسرائيلي في بداية الإنتفاضة الثانية، وكان الجيش الإسرائيلي يرد بإطلاق النار على المنازل التي كانت ملكا لعائلات مسيحية ثرية قام مسلحون جزء منهم من مناطق خارج المدينة، بالإستيلاء عليها وتصرفوا فيها كما يحلو لهم. وذلك مع العلم أن أصحاب المنازل المسييحيين هم الذين سيدفعون الثمن. تركت الكثير من الأسر المسيحية المدينة في هذه الفترة. ولكن اليوم ظاهرة الهجرة السلبية من المدينة منتشرة بين كل الأديان.

يقول لنا محمد سباطين (40 عاما)، من قرية حوسان، وهو صاحب محل ملابس للأطفال في السوق، أن “العلاقة بين المسيحيين والمسلمين جيدة. أحيانا توجد هناك مشاكل شخصية صغيرة، القليل من المشاجرات، ولكن ليس أكثر من ذلك، بشكل عام الوضع هادئ. ولكن من ناحية إقتصادية الوضع سيء جدا. نسبة البطالة هائلة.

“ونحن المسلمون لا نعمل في السياحة أبدا. ربما 2% من المستخدمين في المجال مسلمون، الباقي مسيحيون. انظر إلى ما يحدث مع الدكاكين في محيط الكنيسة، كلها ملك لعائلات مسيحية معروفة. لو كانوا يفرضون على كل سائح دفع 10 دولار على زيارة المدينة ويستخدمون هذا المال لتقسيمه بصورة عادلة بين السكان، لكان الوضع الإقتصادي أفضل بكثير.

“ولكن كل شخص يحتفظ بالمال لنفسه. من المسؤول عن ذلك؟ الحكومة. وأقول لك لو استمر الوضع الإقتصادي الحالي على هذا الشكل واستمرت البطالة بالارتفاع، سيؤدي ذلك إلى إنتفاضة”.

ولكن محمد أيضا يعترف بأنه لا يوجد هناك من يرغب حقا بإنتفاضة. “الشباب؟ يريدون العمل والزواج، وليس حربا أو إنتفاضة. وأنا، يوجد لدي 4 أطفال، أقوم بأعمال تجارية مع إسرائيل. هل تعتقد أن بإمكاني التفكير بشيء آخر سوى ’البيزنس’؟ ولكن إذا جاع أطفالي، فبكل تأكيد سأفكر بأمور أخرى”.

ولماذا لا توجد إنتفاضة؟ فأنت تقول أن الوضع الإقتصادي سيء؟

“لأن السلطة لا تريد فوضى. يريدو القانون والنظام. وطالما أن الأمر كذلك، يتم المحافظة عليه. معظم الإقتصاد الفلسطيني يعتمد اليوم على أجور السلطة، لذلك لا توجد هناك مصلحة بإلحاق الضرر بالسلطة وبإستقرار السلطة”.

في هذه الأثناء تدخل مجموعة أخرى لكنيسة المهد، هذه المرة من أوكرانيا. يتحدث المرشد السياحي الفلسطيني الروسية بطلاقة. عادة يصلون إلى المكان برفقة مرشد إسرائيلي الذي يترك مكانه للمرشد الفلسطيني. بعد زيارة الكنيسة، سيخرجون لتنازل وجبة الغداء في المدينة وبعد ذلك سيعودون للنوم في إسرائيل.

وصل تامر، مرشد سياحي من القدس الشرقية، مع مجموعة من ألمانيا. يعمل مع شركة إسرائيلية ويتناولون طعام الغذاء في مطعم “الساحة”. يدعو هذا النوع من السياح “سياحة بديلة” ويقول أنهم “يأتون لرؤية مصادر الصراع، يأتون لفهم الوضع. وليس لمجرد القيام برحلة”.

الكنيسة نفسها مقسمة لثلاث كنائس منفصلة: الكنيسة الأرثوذكسية-اليونانية، والأرمنية والكاثوليكية. لكل واحدة منها هناك المساحة الخاصة بها. في الموقع يوجد هناك شرطي فلسطيني مهمته الأساسية الفصل بين الكهنة الذين يجدون أنفسهم أحيانا في شجارات بين بعضهم البعض: أي كهنة من إحدى الكنائس ضد كهنة من كنيسة أخرى، بسبب صراعات على صلاحيات ومناطق داخل كنيسة المهد.

توجه أحد المرشدين إلى زوجين من السياح الذين وصولوا إلى الكنيسة لوحدهما. يعرض عليهما خدماته ولكنهما يرفضانها بأدب. بحسب ما يقول فإن عدد السياح في المدينة انخفض في أعقاب الحرب الأخيرة في غزة والوضع في الشرق الأوسط. “لا يفهم هؤلاء الناس هذه المنطقة. لا يعرفون الفرق بين غزة وبيت لحم أو بين داعش وبين الضفة الغربية. بالنسبة لهم كل الأمور متشابهة ولذلك يخشى الكثير من السياح المسيحيين المجيء إلى هنا. الوضع الإقتصادي يزداد سوءا. لا تدخل السياحة الأموال الكافية لسكان المدينة باستثناء مجموعة صغيرة والمزيد من الأشخاص يريدون الرحيل. لا يرغبون بالفوضى وسئموا من القتال”.

دهيشة

في كتابه “الزمن الأصفر” كتب دافيد غروسمان، “يعيش 12 ألف شخص هناك بكثافة سكانية من الأعلى في العالم، وتتكدس البيوت الواحد فوق الآخر، ونمت حول كل بيت كبير كتل أسمنتية قبيحة، وغرف ومحاريب، وقضبان الحديد الصدئة تنتشر بينها كالأعصاب، وتبرز منها كأصابع غير متصلة”.

مضى 28 عاما تقريبا منذ إصدار كتاب “الزمن الأصفر”، الذي يبدأ بوصف مخيم دهيشة للاجئين، جنوب بيت لحم. ومن الصعب تصديق ذلك، ولكن لم يتغير الكثير داخل المخيم.

على مشارف المخيم بالإمكان الشعور بالتغيير بالفعل. في الجهة المقابلة، يجري العمل هذه الأيام على مركز تجاري كبير ومحطة الوقود القديمة تم تغييرها بواحدة جديدة وعصرية. في الطرف الشمالي من ضواحي الدهيشة، عند قدومك من بيت لحم، يتم بناء مركز ثقاقي ورياضي وتجاري كبير هذه الأيام بتمويل من الحكومة الروسية. شرق المخيم مبان جديدة لكلية أكاديمية ومركز ثقافي.

كل شيء مختلف تماما عما يحدث في أزقة المخيم نفسه. إرتفع عدد السكان هنا إلى 13,500 نسمة، وبدلا من حُفر المياه التي يصفها غروسمان ومياه الصرف الصحي الجارية، يتم تخزين المياه في خزانات سوداء كبيرة وتم تنظيم مسألة مياه الصرف الصحي. الكثافة السكانية ما زالت كما هي، وكذلك الفقر والبطالة والمعاناة.

في السنة التي كتب فيها غروسمان ما كتبه، اندلعت الإنتفاضة الأولى. ولكن هنا، سيطر اليأس على كل مجالات الحياة. من الصعب حتى إيجاد شبان يتحدثون عن العنف أو التمرد.

يقول مأمون اللحام، رئيس مركز “فينيكس” للاجئين، أن “الشباب في المخيم من دون عمل. أتحدث عن جميعهم تقريبا.  لم يتم توظيفهم في السياحة، ولا توجد لديهم تصاريح للعمل في إسرائيل. القليل منهم يعمل كمستخدم للسلطة.

“من يملك الإمكانية يترك المخيم بالطبع، ولكن لا يوجد هنا الكثيرين الذين يملكون مالا. المشاكل هنا كثيرة: نقص في أماكن العمل، الكثافة السكانية، المس بكرامة الإنسان والسموم أيضا. ولكن على عكس مخيمات لاجئين أخرى، لا يوجد هنا فصل واضح بين المخيم والمدينة. دهيشة هو جزء من بيت لحم. فالأمر ليس مثل بلاطة أو جنين. اندمج السكان هنا أيضا بصورة جيدة في السلطة. محافظ جنين، رئيس المخابرات العامة، رئيس المحاكم العسكرية، صحفيون. جميهم خرجوا من هنا من دهيشة.

“صحيح أنه في المخيم نسبة البطالة أعلى لأن العائلات في المدينة تهيمن على سوق السياحة وسوق البناء. ولكن نسبة التعليم الأكاديمي هنا من الأعلى في الضفة وحتى أكثر من القدس الغربية. عندي شقيقتان، كلتاهما طبيبتان، إحداهما في هداسا عين كارم. وهنا أيضا يهتم الناس بلقمة العيش. وإذا كان لك مدخول جيد، فمن الواضح أنك لن تتحدث عن حق العودة والحرب أو إنتفاضة”.

إلى أين يتجه الفلسطينيون إذا بحسب رأيك؟

“بحسب رأيي تغيرت الأيديولوجيا. تعب معظمنا من حلم الدولتين وغيرناه بحلم الدولة الواحدة لشعبين. أنا على استعداد أيضا ألا يمنحونا حق التصويت للكنيست. أن نكون مواطنين إسرائيليين، أن نتمكن من التنقل بحرية والعمل والسفر إلى الخارج. وليست هناك حاجة لحق التصويت للكنيست. أن تقبلوا بنا – كما نحن مع مشكلة اللاجئين. تحت سيادة حكومة إسرائيلية، نعم. ليقوموا هم بإدارة شؤوننا”.

في الشارع الرئيسي في المخيم هناك علامات لإطارات محروقة. “اعتقلت السلطة أحد سكان دهيشة الذي يبلغ من العمر (56 عاما) لأنه لم يدفع حساب الكهرباء. فخرجنا كل السكان، أعضاء كل المنظمات، للإحتجاج وأغلقنا الشارع. ليس من المنطقي أن يقوموا بإعتقال أشخاص لا يملكون مالا لدفع حساب الكهرباء”.

في المخيم نفسه بالإمكان رؤية حركة نشطة للناس. يعود العمال من عملهم، معظمهم غير قانونيين، يدخلون إلى إسرائيل بطريقة أو بأخرى. في كل زاوية هناك عبارات غرافيتي، معظمها تشيد بـ”الجبهة الشعبية” وبمرتكبي المذبحة في كنيس هار نوف في القدس. قبل أسبوعين فقط قُتل شاب هنا بنيران الجيش الإسرائيلي، في إشتباكات اندلعت خلال محاولة إعتقال مطلوبين. تبين أن الهدوء موجود هنا في الوقت الحالي، ولكن يبدو أنه مثل أي شيء آخر في الشرق الأوسط، فهو مؤقت.