بين المرة والأخرى بالإمكان رؤيتهم على شواطئ غزة، في ساعات المساء بعد وجبة الإفطار التي تعلن نهاية صوم رمضان. رجال متنكرون بزي مهرجين مع أنوف حمراء والكثير من الميك أب يتوجهون إلى أطفال يتجولون مع عائلاتهم ويعرضون عليهم رسم رسومات مضحكة على وجوهم.

“هذا أيضا نوع من العزاء”، يقول لي صلاح، الذي يعيش في غزة. “صدقني، لا يوجد لدينا الكثير من الأسباب للضحك في هذه الأيام. فلا فكرة لدينا عما سيحدث لنا غدا. نعد الأيام. اليوم هو الأربعاء ولا نعلم ما الذي سيحدث معنا يوم الخميس أو الجمعة. لا نرى مستقبلا. لا يوجد حتى القليل من الضوء في النفق. لا توجد هناك مبادرة لإنهاء الأزمة بين حماس وفتح أو إنهاء الحصار الإسرائيلي. يمكن الشعور في الصعوبات هنا في كل المجالات، الإجتماعي والإقتصادي والسياسي.

أنظر ما حدث اليوم بسبب الوضع في سيناء. صديقي تاجر قام بإستثمار عشرات آلاف الشواقل وكان من المفروض أن يحصل على بضاعة من إسرائيل. ولكنهم قاموا بإغلاق معبر كيريم شلوم (بسبب الهجوم في سيناء)، وهو لا يعرف ما الذي سيفعله غدا مع ديون مالية بهذا الحجم. الفقر والبطالة. هناك خيبة أمل كبيرة من حماس ومن عدم قدرتها على تغيير الوضع. كل صناعة كانت في القطاع لا تعمل. حتى مصنع للبسكويت والبوظة الذي عمل بشكل جيد جدا في سنوات مضت، أوقف ماكناته بشكل كامل تقريبا”. صلاح، كالكثيرين غيره من سكان غزة، لا يخفي مشاعره القاسية تجاه حكام غزة في ظل الوضع العام.

“لم يبدأوا حتى ببناء بيت واحد هنا، على الأقل من بين تلك التي دُمرت تماما. هل تفهمني؟ هناك عدد كبير جدا من الأشخاص من دون بيت على الإطلاق. وقياداتنا مشغولة في التعارك مع بعضها البعض. فعلى الأقل يقوم المهرج على شاطئ البحر برسم بسمة على وجوه الأطفال”.

مضى عام تقريبا منذ إنطلاق عملية “الجرف الصامد”. عام كامل ولم يتغير شيء تقريبا مقارنة بصورة الوضع في قطاع غزة عشية الحرب. تواصل حماس حكمها، وتواصل التسلح والتعزيز من قوتها، من جهتها ترغب إسرائيل في الحفاظ على الهدوء مع غزة، الأزمة في غزة لا تزال مستمرة وبإختصار.

وكما يُقال في قول إسرائيلي معروف، “البحر ما زال نفس البحر”.

فلسطينيون خلال صلاة عيد الفطر في مسجد الفاروق الذي دُمر قبل أسبوع من ذلك في غارة جوية إسرائيلية على رفح، جنوب قطاع غزة، 28 يوليو. (Abed Rahim Khatib/Flash90)

فلسطينيون خلال صلاة عيد الفطر في مسجد الفاروق الذي دُمر قبل أسبوع من ذلك في غارة جوية إسرائيلية على رفح، جنوب قطاع غزة، 28 يوليو. (Abed Rahim Khatib/Flash90)

ولكن حدث هناك تغيير وكما في كل مرة في قطاع غزة، للأسوأ. 16,000 منزل (هناك من يقول 20,000) في غزة دُمروا تماما خلال “الجرف الصامد” وحتى يومنا هذا، لم يبدأ العمل الجدي على بناء منازل مكانها.

بكلمات أخرى، إذا قمنا بأخذ المركبات المختلفة التي أدت إلى التصعيد مع إسرائيل: البطالة والفقر وعدم قدرة حماس على دفع الأجور لمستخدميها، فكلها تقريبا ما زالت هناك، ولكن بقوة وسوء أكبر بكثيرة. وصلت نسبة البطالة إلى حوالي 44%، وهو رقم خيالي. أكثر من ثلثين من سكان القطاع يعيشون تحت خط الفقر. بين 16-20 ألف عائلة فلسطينية، أي أكثر من 100,000 شخص ما زالوا يبحثون عن حل لسكن دائم من دون نجاح.

هذه أيام شهر رمضان في القطاع. في المساء، في الليالي الرمضانية، في شوارع المدينة المزدحمة بالمارين الذين من المفترض أن يحفزوا الحركة الإقتصادية. ولكن لنقص الأموال تأثيره وأصحاب المحال التجارية في شارع عمر المختار أو في أماكن أخرى في القطاع، يعانون من تباطؤ في المبيعات بسبب الظاهرة ذاتها التي تتسبب بتأخيرات كبيرة في إعادة إعمار غزة – والناس لا يملكون المال.

صحيح أنه مقارنة بأيام عادية خارج شهر رمضان ما زالت المبيعات تُعتبر مرتفعة بطبيعة الحال، ولكن ليس كما كان من قبل. وعلى النقيض من رام الله ومدن الضفة، في غزة لا توجد هناك إحتفالات كبيرة. “يصلي الناس صلاة التراويح، ويعودون إلى بيوتهم وهذا كل شيء”، كما يقول لي أحمد، أحد سكان المدينة. “لا توجد حفلات أو عروض كتلك التي نراها في أماكن أخرى. بالإمكان الإحساس بالوضع الإقتصادي بشكل كبير هنا. بالقرب مما كان في السابق ’نتساريم’ أُقيم مشروع يُدعى ’مدينة الديناصورات’. في الموقع هناك 15 نموذجا لديناصورات، وبمجرد إقتراب طفل من ديناصور، تبدأ أجهزة الإستشعار بالعمل ويبدأ بإصدار أصوات. ولكن لا يغرك ذلك، بالكاد يزور الناس هذا المكان لأنهم لا يملكون مالا”.

إزدهار السوق السوداء لمواد البناء

هناك أيضا بعض الأخبار الجيدة بالنسبة لسكان غزة. مشاريع إعادة الإعمار بدأت. جزئيا ولكنها بدأت.

حوالي 100,000 منزل وشقة تضرروا جزئيا خلال الحرب الأخيرة. نوافذ تحطمت، جدران تصدعت، أي أماكن بإمكان المرء مواصلة العيش فيها ولكنها بحاجة إلى بعض الإصلاح.

بحسب بيانات مكتب منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، حوالي 90,000 من أصحاب هذه المنازل التي تضررت جزئيا حصلوا على مواد البناء من المخازن المخصصة لذلك في القطاع، لإصلاح المنازل. رقم لا بأس به بكل المقاييس.

هل استخدم جميعهم هذه المواد لإصلاح منازلهم؟ هذا سؤال آخر. إلى هذه المعادلة تدخل الأزمة الإقتصادية الصعبة وعدم توفر أماكن عمل. الكثيرون من أصحاب هذه المنازل قررا تحقيق بعض الأرباح من مواد البناء التي حصلوا عليها وقاموا ببيعها في السوق السوداء بأسعار أعلى من تلك التي دفعوها بواسطة أموال تبرعات.

يقول سكان من غزة تحدثوا معي أن السوق السوداء لمواد البناء في غزة تشهد إزدهارا إستثنائيا بسبب نقل هذه المواد للبيع بدلا من إستخدامها لإصلاح المنازل.

بحسب بيانات منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، أدخلت إسرائيل إلى قطاع غزة منذ نهاية الحرب، 1.3 مليون طن من مواد البناء، وهي كمية كبيرة من دون شك، كانت معدة لإصلاح المنازل التي تضررت جزئيا وترميم البنى التحتية.

رجل فلسطيني، مغطى بالعلم الفلسطيني، يتفحص أنقاض البنايات والمنازل في حي الشجاعية في مدينة غزة، في 20 يوليو، 2014. (AFP PHOTO/MAHMUD HAMS)

رجل فلسطيني، مغطى بالعلم الفلسطيني، يتفحص أنقاض البنايات والمنازل في حي الشجاعية في مدينة غزة، في 20 يوليو، 2014. (AFP PHOTO/MAHMUD HAMS)

لماذا إذا لم تبدأ أعمال بناء المنازل التي دُمرت تماما ويقدر عددها بين 16-20 ألفا؟ بالأساس بسبب النقص في الأموال، التي كان من المفترض أن تصل من الدول المانحة.

من أصل مبلغ 3.5 مليار دولار تعهدت به دول مختلفة من أجل إعادة إعمار القطاع (في إطار القمة لإعمار غزة التي أُجريت في شهر أكتوبر الماضي في القاهرة بعد عملية “الجرف الصامد) تم حتى الآن تحويل 27.5% منها فقط بحسب معطيات البنك الدولي، أكثر من 960 مليون دولار بقليل.

معظم هذه الأموال جاءت من قطر والولايات المتحدة وألمانيا وكانت موجهة لإصلاح البيوت التي تضررت جزئيا وكذلك لإصلاح البنى التحتية المدمرة: مستشفيات ومدارس وشوارع وما إلى ذلك.

التأخير في تحويل ما تبقى من التبرعات يصعب الأمور بطبيعة الحال على المشاريع الكبيرة حقا التي من المفترض أن تؤدي إلى إقامة منازل جديدة لتحل محل تلك التي دُمرت تماما.

وربما يجدر السؤال هنا، لماذا عمليا لم تقم هذه الدول التي تعهدت بتحويل أموال إلى غزة بذلك؟ الإجابة في هذه الحالة غير واضحة. جزء من هذه البلدان تدعي أنها التزمت بتحويل هذه الأمول لتمكين السلطة الفلسطينية من إعادة إعمار غزة. وفي ظل غياب السلطة الفلسطينية عن غزة فهذه الدول لا تنوي تحويل هذه الأموال التي ستستخدمها حماس عاجلا أم آجلا.

دول أخرى تخشى من ألا يتم إستخدام هذه الأموال لبناء غزة بل لشراء أسلحة وتصنيعها، خاصة في ظل عدم وجود جهاز قادر على ضمان عدم حدوث ذلك في الوقت الذي لا تعمل فيه السلطة الفلسطينية أبدا في القطاع.

رسالة هذه الدول لحماس أنه عليها التنازل عن سلطتها في قطاع غزة لصالح السلطة الفلسطينية إذا كانت حقا ترغب بإعادة بناء القطاع. السلطة الفلسطينية كذلك لا تسارع بالعودة إلى القطاع وتشترط وضع قواتها في المعابر بتنازل حماس الكامل عن وجود لها في المعابر الحدودية والتنازل عن جناحها العسكري.

ولكن الحركة لا تعتزم القيام بذلك قريبا ومن غير المؤكد أن يكتسب إعادة الإعمار في القطاع زخما.

عمال فلسطينيون يعملون على إعادة بناء مركز تجاري، دمره القصف الإسرائيلي خلال عملية "الجرف الصامد"، في رفح جنوب قطاع غزة، في 20 أبريل، 2015. أعمال إعادة الإعمار ممولة من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. (Abed Rahim Khatib/Flash 90)

عمال فلسطينيون يعملون على إعادة بناء مركز تجاري، دمره القصف الإسرائيلي خلال عملية “الجرف الصامد”، في رفح جنوب قطاع غزة، في 20 أبريل، 2015. أعمال إعادة الإعمار ممولة من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. (Abed Rahim Khatib/Flash 90)

في الوقت الحالي، تجدر الإشارة إلى أنه بفضل الأموال التي وصلت حتى الآن بدأت أعمال البناء الأولية لـ14 مبنى سكني في غزة ووكالة التنمية التابعة للأمم المتحدة (UNDP) بدأت بإزالة جزء من أنقاض المنازل، على سبيل المثال في حي الشجاعية (جزء من الدول لم تقم بتحويل الأموال بسب بمشاكل مالية تعاني منها هي بنفسها).

إصلاح البيوت ليس بمشكلة سكان غزة الوحيدة، كما ذُكر. سلطة حماس تحاول أن تخلق لنفسها مصادر دخل، خاصة بواسطة فرض ضرائب جديدة بأشكال متنوعة وغريبة. تارة على سيارات جديدة وتارة أخرى على شركات كبيرة.

قبل أيام قليلة فقط قررت حماس إغلاق واحد من مكاتب شركة الهواتف المحمولة الأكثر شعبية في الأراضي الفلسطينية، “جوال”، بعد أن رفضت الأخيرة دفع مبلغ مليون شيكل شهريا لحكومة حماس كضريبة (“جوال” تدفع الضرائي للسلطة الفلسطينية في رام الله).

من جهتها ردت الشركة على هذه الخطوة بإغلاق كل فروعها في القطاع. وبذلك لا توفر “جوال” لعملائها في القطاع خدمات منذ يوم الإثنين. كل هذه المعطيات وعدم وجود أفق سياسي وإقتصادي واجتماعي، يمكن أن تفسر سبب إعراب 50% من سكان غزة عن رغبتهم في مغادرة القطاع في إستطلاع رأي جديدة في غزة أجراه معهد الدراسات التابع لخليل شقاقي.