بعيدا عن الصراع مع إسرائيل أو التنافس المرير بين حركتي فتح وحماس، tإن الأزمة الأكثر أهمية في الأراضي الفلسطينية ناجمة عن المأزق المالي للأمم المتحدة.

حوالي 500,000 تلميذ فلسطيني مسجل في المدارس التي تديرها وكالة الأمم المتحدة للإغاثة والعمل، قد لا يعودون إلى المدرسة في 25 آب نتيجة العجز المالي لهيئة الأمم المتحدة المقدر بـ101 مليون دولار.

في تقرير مرسل إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الأسبوع الماضي، حذرت الأونروا أن حوالي 700 مدرسة وثمانية مراكز للتدريب المهني في منطقة الشرق الأوسط قد تغلق أبوابها في بداية العام الدراسي، على الرغم من أن المساعدات والعمليات الصحية “المنقذة للحياة” التي تقدمها المنظمة ستستمر في عملها.

وقالت النائبة العامة المفوضة للاونروا ساندرا ميتشل في مقابلة تلفزيونية نشرت يوم السبت على الموقع الإلكتروني للمنظمة”إننا لا نملك في الوقت الراهن المال اللازم للدفع لأكثر من 22,000 معلم في 700 مدرسة لفتح المدارس من سبتمبر حتى ديسمبر”.

أنشأت في عام 1949، كانت الأونروا مكلفة بتوفير التعليم والخدمات الطبية وفرص العمل لحوالي 750,000 لاجئ فلسطيني مسجلين في أعقاب حرب الإستقلال الإسرائيلية عام 1948. اليوم، وصل عدد المستفيدين من المساعدات إلى أكثر من 5 ملايين بسبب قرار خاص يسمح للاجئين الفلسطينيين لتوريث وضعهم لأبنائهم، إلى أجل غير مسمى. وكالة الامم المتحدة المهتمة بجميع اللاجئين الآخرين في جميع أنحاء العالم، الاونروا، لا تسمح لجيل اللاجئين الأول لتمرير وضعهم كلاجئين.

في الآونة الأخيرة، اضطرت الأونروا لتوجيه أموالها المتضائلة لقطاع غزة وسوريا، حيث أبقت الحرب آلاف الفلسطينيين المسجلين بلا مأوى ودون حيلة.

نائل بياع، مدرس رياضيات في مدرسة ثانوية تابعة للأونروا في مخيم شعفاط في القدس، قال أن المعلمين يعانون من عدم اليقين بشأن مستقبلهم، ولكنه كان على ثقة من أن العام الدراسي سيستأنف في الواقع كما كان مقررا.

“لا يملك هؤلاء الأطفال بديل سوى الشارع”، كما قال يوم الأربعاء.

دخلت السلطة الفلسطينية وحركة فتح التي تحكمها أيضا المعمعة. ودعا المتحدث بإسم حركة فتح أحمد عساف يوم الثلاثاء المجتمع الدولي إلى تحمل “مسؤوليتهم السياسية والأخلاقية تجاه قضية اللاجئين الفلسطينيين”. ودعا أيضا الدول العربية لتقديم الأموال، لئلا يلتجئ الطلاب الفلسطينيين “إلى المنظمات الإرهابية المتطرفة”.

تقدم الدول العربية فقط 2% من التمويل.

يتم تمويل الأونروا تقريبا بالكامل من قبل الولايات المتحدة (130 مليون دولار سنويا)، والإتحاد الأوروبي (106 مليون دولار سنويا)، مع مساهمة الدول العربية في 2% إلى الميزانية السنوية للمنظمة.

وقال المتحدث بإسم الأونروا كريس غانيس أن حوالي 240,000 طالب في غزة يعتمدون على الأمم المتحدة للتعليم. اندلعت احتجاجات في القطاع الساحلي الذي تسيطر عليه حماس حول هذه القضية، مع قيام أولياء الأمور والطلاب بإلقاء البيض والأحذية على أبواب المكتب المحلي للأمم المتحدة يوم الثلاثاء.

وقال جونيس في رد مكتوب يوم الأربعاء أن “العلاقة بين الأونروا الممولة بالكامل والأمن الإقليمي لم تكن أكثر وضوحا”.

وأبدى مسؤولون إسرائيليون مترددون في التحدث علنا ​​عن الأونروا، فاضحين بذلك إزدواجية الدولة تجاه وكالة الأمم المتحدة. من ناحية، يعتبر المسؤولون الإسرائيليون ان الأونروا تشكل حجر عثرة في حل الصراع الفلسطيني لأنها تضخم قضية اللاجئين. لكن من ناحية أخرى لا ترغب إسرائيل في تحمل المسؤولية المالية عن الخدمات الطبية والتعليمية المكلفة لآلاف الفلسطينيين.

يقول عيدو زيلكوفيتس، محاضر في موضوع التاريخ الفلسطيني في مركز ايزري في جامعة حيفا أن”إسرائيل تميل إلى اتهام الأونروا بإستمرار مشكلة اللاجئين بدلا من كونها جزءا من حلها”، ويضيف، “ولكني أقول بشكل لا لبس فيه أن إسرائيل وجدت أن استخدام الأونروا ماليا وتربويا مريحا. أنقذت مدارس الأونروا اموال الإدارة المدنية [الفرع الإداري الاسرائيلي في الضفة الغربية] التي كانت ينبغي أن تخصص لنظام التعليم الفلسطيني”.

حذر زلكوفيتش أن إغلاق المدارس الفلسطينية تاريخيا قد أدى إلى انتفاضات شعبية عنيفة، سواء كان ذلك أثناء الإنتفاضة العربية خلال 1936-1939، أو خلال الإنتفاضة الأولى التي اندلعت عام 1987.

وقال لتايمز أوف إسرائيل،”عندما سيخرج الشباب من المدارس، سوف يعانون من ضائقة اقتصادية أيضا، وسيكون أسهل بكثير جذبهم إلى مظاهرات سياسية”، وأضاف قائلا، “يشكل الإغلاق خطرا على كل من السلطة الفلسطينية والهدوء النسبي الذي عاشته إسرائيل في الضفة الغربية. إنه يضر بشكل مباشر بمصالح إسرائيل”.

التعليم ليس المجال الوحيد الذي يعاني من عجز مالي في الأونروا. قامت المنظمة بـ”تخفيض كبير” في مجال المساعدة الفردية للاجئين الفلسطينيين في سوريا، يعتمد 95% منهم حاليا على وكالة الأمم المتحدة لمعظم احتياجاتهم الأساسية. مطالبة بـ415 مليون دولار للفلسطينيين السوريين في عام 2015، قالت الأونروا أنه تم الايفاء بمجرد نصف الطلب العام الماضي. وقال غانيس في هذه الأثناء أن مشروع إعادة إعمار غزة، الذي سيكلف 720 مليون دولار، يعاني حاليا من عجز قدره حوالي 500 مليون دولار.

“في غزة، عاش الأطفال وسط الركام لأكثر من سنة والآن قد لا يستطيعون الذهاب إلى المدرسة. هذا مروع حقا”، كما قال.

ليس أن الدول الغربية المانحة كانت بخيلة، كما يقر، ولكن الأزمات الأكثر حدة في أماكن مثل سوريا والعراق غالبا ما تأخذ الأسبقية امام محنة الفلسطينيين. “يواجه المانحون مطالب كثيرة مختلفة لمساعدات خارجية”، كما قال غانيس.

أدى هذا الإدراك بالأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ليلاحظ في يونيو أن الأونروا لم يكن من المفترض أن تكون موجودة منذ 65 سنة، وتم تجديد ولايتها بسبب استمرار “الفشل السياسي”، كما قال بان.

التناقض الأمريكي
الولايات المتحدة، الممولة الأكبر للأونروا، تملك – مثل إسرائيل – رأيان بشأن الأونروا.

مشروع قانون عام 2012 مقترح من قبل السناتور الجمهوري مارك كيرك، طلب من وزارة الخارجية التمييز بين الفلسطينيين النازحين من قبل قيام دولة إسرائيل عام 1948 وأحفادهم اللاجئين. من شأن ذلك أن يقلل عدد اللاجئين من 5 ملايين إلى 30000 لاجئ فقط.

لكن قاومت وزارة الخارجية تغيير جذري في نهج أميركا للأونروا. في مايو 2012، أرسل نائب وزير الخارجية توماس نيدس بريد إلكتروني إلى لجنة مجلس الشيوخ الأمريكي المكلفة بقضايا المخصصات، بحجة أن مشروع قانون كيرك من شأنه أن يقوض قدرة الولايات المتحدة على العمل كوسيطة للسلام، “وأنه يولد رد فعل سلبي قوي جدا من الفلسطينيين وحلفائنا في المنطقة، لا سيما من الأردن”.

إطار 2015 للتعاون بين الولايات المتحدة والأونروا، الذي نشرته وزارة الخارجية في نوفمبر الماضي، يصرح أن “الهدف من دعم الولايات المتحدة للأونروا هو ضمان عيش اللاجئين الفلسطينيين في كرامة مع تعزيز إمكانات التنمية البشرية حتى تأمين التوصل إلى حل شامل وعادل”.

حتى النقاد المتحمسين لجهاز الأمم المتحدة – الذي يوظف 30000 فلسطيني في خمسة بلدان ومناطق محيطة بإسرائيل – يعترفون أن انهياره من شأنه أن يلقي العبء المالي لرعاية الفلسطينيين في الضفة الغربية على إسرائيل من الناحية القانونية (لكونها المسيطرة الفعلية على الإقليم) وعلى السلطة الفلسطينية المتعثرة، التي تتلقى في حد ذاتها الكثير من المساعدات الغربية.

واختتم غانيس بالقول أنه “يجب أن يتم ايجاد حل دائم وعادل لمحنة اللاجئين على أساس قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي” ، مضيفا، “هذا ما قد يحل الأزمة المالية للأونروا مرة واحدة وإلى الأبد، لأنه في تلك المرحلة لن تعد الوكالة وخدماتها ضروريين”.