أ ف ب – جالسا في كرم واسع وسط سهل البقاع في شرق لبنان، يتذكر العسكري المتقاعد ميشال عماد أياما خلت كان يزرع فيها الحشيشة قبل أن يستبدلها بدوالي العنب الأبيض والأحمر المخصصة لإنتاج النبيذ.

يقول الرجل الخمسيني لوكالة فرانس برس: “لم يكن هناك زراعة بديلة تتناسب مع طقسنا وأرضنا (…) وأنت بحاجة الى التأقلم مع السوق”.

بعد الإنتهاء من خدمته العسكرية، اتجه عماد في العام 2000 إلى زراعة الحشيشة، لكنه اليوم وعلى غرار مئتي شخص آخرين منضمين في اطار “تعاونية هضاب هيليوبوليس”، اتجه إلى زراعة العنب في منطقة دير الأحمر في البقاع الشمالي.

وتشتهر مناطق في البقاع الشمالي بزراعة الحشيشة رغم أن القانون يحاسب عليها. وتعرف الحشيشة اللبنانية بـ”نوعيتها الجيدة” وقد تحولت خلال الحرب الأهلية (1975-1990) الى صناعة مزدهرة تدر ملايين الدولارات.

وينص القانون على معاقبة كل من يتاجر بالحشيشة بالسجن، علما أن العديد من كبار تجار هذه الزراعة المحظورة يتحصنون في مناطق عدة في البقاع ويطالبون مرارا بتشريع زراعتها.

ويقول عماد، وهو يستظل بشجرة ويدخن السيجار واضعا نظارات شمسية: “تشعرك زراعة الحشيشة أنك ملاحق دائما من قبل الدولة، لا يمكن أن تنام مرتاحا، هناك خطر الدخول الى السجن، خطر أن تُهان وأن تُتلف الدولة (مزروعاتك)”.

’ضميرك مرتاح’

في الجهة المقابلة من كرم العنب، تلوح نبتات الحشيشة المزروعة في حقل صغير. ويروي عماد كيف امضى ثلاث سنوات بين الأعوام 2000-2003 في زراعة الحشيشة على غرار العديد من المزارعين البقاعيين الذين يجدون فيها وسيلة سهلة للحصول على مورد مالي يؤمن لقمة عيشهم.

وخلال تلك الفترة، أتلفت القوى الأمنية اللبنانية، التي عادة ما تداهم حقول الحشيشة، محصول عماد مرتين، ما دفعه للإنضمام الى “تعاونية هضاب هيلبوبوليس”.

ويقول: “وجدت أن انتاج الكرم جيد جدا، تخليت عن الحشيشة (…) انتاج العنب أربح ومريح أكثر، تعمل وضميرك مرتاح”.

وجنى عماد هذا العام أرباحا بقيمة عشرة آلاف دولار مقابل تسعة أطنان من عناقيد العنب في الكرم الممتد على مساحة هكتارين، وهو ضعف المبلغ الذي كان يحصل عليه من زراعة الحشيشة.

وأنشأت “تعاونية هضاب هيليوبوليس” في العام 1999 وتغطي نحو 250 هكتارا من الكروم في منطقة دير الأحمر. وبدأت تظهر القيمة الربحية لهذه الزراعة في العام 2003 ما شجع الكثيرين على اللجوء اليها.

ويقول مدير التعاونية شوقي الفخري لفرانس برس: “الناس ليسوا سعداء بالحياة خارج القانون. أثبتنا أن المزراع غير سعيد بزراعة الحشيشة، رغم أنه لم يكن هناك غيرها وكانت مصدر الرزق الوحيد”.

ويرى أن كون زراعة الحشيشة خارجة عن القانون هو ما يطرح مشكلة كبيرة “وبالنتيجة، اذا عُرضت على الناس زراعة مربحة وشرعية، سيتجهون فوراً اليها دون أي تردد”.

ويقر الفخري الرجل الستيني الذي غزا الشيب شعره، بأن زراعة الحشيشة أغرت في السابق والده وأعمامه، لكن جده الذي كان كاهنا من دير الأحمر عارض الأمر بشدة.

’معجزتنا الصغيرة’

وتدعم التعاونية المزارعين الجدد عبر تسهيل طلبات القروض وكفالتهم لدى المصارف، فضلا عن مساعدتهم على استصلاح الأراضي وتأمين الشتول.

وتضع التعاونية سعرا موحدا لبيع دوالي العنب الى منتجي نبيذ كبار في لبنان مثل “كسارا” و”وردة” و”إكسير”.

ويوضح شربل الفخري، ابن شوقي والخبير في صناعة النبيذ: “لدى منطقتنا حسنات كثيرة لزراعة الكروم من ناحية الأرض والطقس والشمس، فضلا عن الارتفاع عن سطح البحر”.

والى جانب بيع انتاج الكروم، تعمل التعاونية أيضا على صناعة نبيذها الخاص، لكنها لا تزال في بداية الطريق. وقد أنتجت في العام 2017 مئة ألف زجاجة، من إجمالي اكثر من ثمانية ملايين زجاجة ينتجها لبنان سنويا.

ويقول شربل: “لدينا كرم ممتاز في منطقة شبه منسية، لا سيارات فيها ولا طريق عام ولا تلوث. أعتقد بصراحة أن النبيذ الأبيض هو معجزتنا الصغيرة، لديه نضارة لافتة. كما أنّ نبيذنا الأحمر حلو المذاق”.

وأطلق مؤسسو التعاونية عليها تسمية “هضاب هيليوبلويس” تكريما لمدينة بعلبك، التي تعرف بمدينة الشمس، حيث يقع معبد باخوس، إله الخمر لدى الإغريق.

ويضيف بفخر: “أعتقد أن الرومان لم يجدوا هذه المنطقة عن طريق الصدفة. نحن على بعد 12 كيلومترا من بعلبك، هذه المنطقة كانت أساسا مزروعة كلها بالكروم”.